«إيفرغراند» ورحلة السقوط من عملاق عقاري إلى التصفية

ديونها تمثل 6.5 % من إجمالي القطاع الصيني

امرأة تسير بجوار مجمع سكني تابع لمجموعة «إيفرغراند» يسمى «قصر إيفرغراند» في بكين (أ.ف.ب)
امرأة تسير بجوار مجمع سكني تابع لمجموعة «إيفرغراند» يسمى «قصر إيفرغراند» في بكين (أ.ف.ب)
TT

«إيفرغراند» ورحلة السقوط من عملاق عقاري إلى التصفية

امرأة تسير بجوار مجمع سكني تابع لمجموعة «إيفرغراند» يسمى «قصر إيفرغراند» في بكين (أ.ف.ب)
امرأة تسير بجوار مجمع سكني تابع لمجموعة «إيفرغراند» يسمى «قصر إيفرغراند» في بكين (أ.ف.ب)

بعد عامين من التخلف عن السداد، و18 شهراً من المداولات داخل محكمة هونغ كونغ، سطرت القاضية ليندا تشان، كلمة النهاية في قضية عملاق العقارات الصيني «إيفرغراند»، بعدما أمرت يوم الاثنين بتصفية المجموعة العقارية العملاقة، في خطوة من المرجح أن يكون لها تأثير على الأسواق المالية المنهارة في الصين مع سعي صناع السياسات لاحتواء أزمة متفاقمة.

والشركة الصينية العملاقة مدينة بأموال لنحو 171 بنكاً محلياً و121 شركة مالية أخرى. ويبلغ إجمالي التزامات المجموعة 313 مليار دولار، وهو ما يمثل 6.5 في المائة من إجمالي التزامات قطاع العقارات الصيني.

ومن حيث إجمالي السندات الخارجية القائمة، تمتلك «إيفرغراند» 19 مليار دولار، وهو ما يعادل نحو 9 في المائة من إجمالي سوق السندات الخارجية. وبشكل عام، تبلغ ديون المجموعة نحو 2 إلى 3 في المائة من رأس المال الأساسي للبنوك الصينية.

ويوم الاثنين، قررت تشان تعيين «ألفاريز آند مارسال» مصفياً للمطور العقاري الأكثر مديونية في العالم، مع أكثر من 300 مليار دولار من إجمالي الالتزامات، بعد أن أكدت القاضية أن «إيفرغراند» لم تتمكن من تقديم خطة إعادة هيكلة ملموسة بعد أكثر من عامين من التخلف عن سداد السندات وبعد جلسات استماع عدة في المحكمة. وقالت تشان، في جلسة المحكمة الصباحية يوم الاثنين: «لقد حان الوقت للمحكمة أن تقول كفى».

وأوضحت تشان إن تعيين مصفٍّ سيكون في مصلحة جميع الدائنين، لأنه قد يتولى مسؤولية خطة إعادة هيكلة جديدة لـ«إيفرغراند» في وقت يخضع فيه رئيسها، هوي كا يان، للتحقيق في جرائم مشتبه بها.

وقال سو شوان، الرئيس التنفيذي لـ«إيفرغراند»، لوسائل الإعلام الصينية، إن الشركة ستضمن استمرار تسليم مشاريع بناء المنازل على الرغم من أمر التصفية. وأضاف أن الحكم لن يؤثر على عمليات وحدات «إيفرغراند» البرية والبحرية.

بينما قالت تيفاني وونغ، المدير الإداري لشركة «ألفاريز آند مارسال»، إن «أولويتنا هي الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الأعمال وإعادة هيكلتها واستمرار تشغيلها. وسنتبع نهجاً منظماً للحفاظ على القيمة وإعادتها إلى الدائنين وأصحاب المصلحة الآخرين».

أزمة معقدة

وتسببت مجموعة «تشاينا إيفرغراند»، التي تمتلك أصولاً بقيمة 240 مليار دولار، في دفع قطاع العقارات المتعثر إلى حالة من الفوضى عندما عجزت عن سداد ديونها في نهاية عام 2021، ومن المرجح أن يؤدي حكم التصفية إلى مزيد من الهزات في أسواق رأس المال والعقارات الصينية الهشة بالفعل.

وفي محاولة لتجنب الانهيار، شرع هوي كا يان، مؤسس الشركة، في بيع أسهمه، كما باعت «إيفرغراند» بعض الأراضي بتخفيض بلغ 70 في المائة، ودفعت لبعض المزوّدين عقارات غير مكتملة عوضاً عن المال، لكن الأمور واصلت تفاقمها بعدما أعلنت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني في نهاية عام 2021 أن «إيفرغراند» عاجزة عن السداد.

إلا أن حملة السندات ليسوا الضحايا الوحيدين، ففقدان السيولة المالية أجبر الشركة في نهاية عام 2021 على وقف أعمال البناء في 800 مشروع، وهذا يعني أن 1.5 مليون شخص دفعوا مقدّماً للحصول على منازل يواجهون خطر خسارة أموالهم، وقد خرج هؤلاء في العديد من المدن الصينية للاحتجاج أمام مكاتب الشركة خلال الأشهر الماضية.

ويزيد أمر تصفية «إيفرغراند» من تعقيد الصورة بالنسبة للدائنين ومشتري المنازل؛ حيث إن أحد الأسئلة الكبيرة هو ما إذا كان سيتم الاعتراف بقرار التصفية وتنفيذه في البر الرئيسي. والسبب الآخر هو ما يحدث للتقدم في بناء المنازل المبيعة مسبقاً، التي تقدر قيمتها بنحو 604 مليارات يوان، والتي لم تقم الشركة بتسليمها بعد.

تحركات أسعار أسهم «إيفرغراند» الصينية خلال الأعوام العشرة الأخيرة

كرة الثلج

ولد مؤسس «إيفرغراند» لعائلة فقيرة، لكنه نجح في دخول الجامعة، ثم انتقل إلى مدينة شينزن؛ حيث أسس شركته في عام 1996. وعلى مدى ربع قرن، توسّعت أنشطة «إيفرغراند» لتشمل تعليب المياه، ومجال الرياضة، والترفيه عبر الإنترنت ومدن الملاهي، والمستشفيات، والبنوك والتأمين، حتى إن الشركة أعلنت في 2019 أنها ستصبح أكبر مصنع للسيارات الكهربائية في العالم. وقد أصبح هوي في عام 2017 أغنى رجل في الصين.

ومع التوسع الفائق، اعتمدت المجموعة على كمّ هائل من الديون بدعم من أصولها وحجم أعمالها، لكن بعض المحللين يرون أن تحولاً في السياسات الصينية أدى إلى انفجار الوضع.

يشير هؤلاء إلى أن إدارة الرئيس شي جينبينغ لم تحب هذا النموذج الرأسمالي الفج الذي تحولت إليه البلاد، ورأت أن الاستثمار في المصانع والتكنولوجيا يمثل المستقبل، أكثر من الاستثمار في العقارات؛ خصوصاً مع ظهور واتساع الفجوة الاجتماعية بشكل غير مسبوق، حتى إن الصين توجد فيها 4 من أغلى 10 مدن في العالم من حيث العقارات... ولذلك، فقد توقف «الدعم المنفلت» للمطورين العقاريين، الذين صاروا مصدراً صافياً للقلق مع تركز نحو 41 في المائة من أصول النظام المصرفي في أمور مرتبطة بالعقارات.

وفي خطوة حاسمة، أصدرت الحكومة المركزية والسلطات المحلية في مطلع خريف 2021 قيوداً وتشريعات جديدة تستهدف كبح تدفق الأموال نحو القطاع العقاري، وهو ما أدى إلى انخفاض كبير وفوري لأسعار العقارات. وفي الوقت ذاته تقريباً، أصدرت بكين أوامر للبنوك لتمويل قطاعات التقنية والتصنيع عوضاً عن الرهون العقارية، فأدت هذه الإجراءات إلى انخفاض مبيعات العقارات بنسبة 40 في المائة... وما تلا ذلك كان معروفاً للجميع.

محاولات أخيرة

لكن الوضع حالياً صار معقداً بأكثر مما يتخيل الجميع، إذ تواجه بكين أداءً اقتصادياً ضعيفاً، وأسوأ سوق عقارية لها منذ 9 سنوات، وسوق الأوراق المالية تتأرجح بالقرب من أدنى مستوياتها في 5 سنوات، لذا فإن أي ضربة جديدة لثقة المستثمرين قد تؤدي إلى تقويض جهود صناع السياسات لإنعاش النمو.

وتقدمت «إيفرغراند» بطلب تأجيل آخر يوم الاثنين؛ حيث قال محاميها إنها حققت «بعض التقدم» بشأن اقتراح إعادة الهيكلة. وفي جزء من العرض الأخير، اقترح المطور على الدائنين مبادلة ديونهم بجميع الأسهم التي تمتلكها الشركة في وحدتيها في هونغ كونغ، مقارنة بحصص تبلغ نحو 30 في المائة في الشركات التابعة قبل جلسة الاستماع الأخيرة في ديسمبر (كانون الأول).

وقال محامي «إيفرغراند» إن التصفية يمكن أن تضر بعمليات الشركة وإدارة الممتلكات ووحدات السيارات الكهربائية، الأمر الذي سيضر بدوره بقدرة المجموعة على سداد جميع الديون.

وكانت المجموعة تعمل على خطة تجديد ديون بقيمة 23 مليار دولار مع مجموعة من الدائنين تعرف باسم مجموعة حاملي السندات المخصصة لمدة عامين تقريباً.

من المتوقع أن يكون للحكم تأثير ضئيل على عمليات الشركة بما في ذلك مشاريع بناء المنازل على المدى القريب؛ حيث قد يستغرق الأمر شهوراً أو سنوات حتى يتمكن المصفي الخارجي المعين من قبل الدائنين من السيطرة على الشركات التابعة عبر البر الرئيسي للصين - وهي ولاية قضائية مختلفة عن هونغ كونغ.


مقالات ذات صلة

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

الاقتصاد لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

تستضيف فرنسا، يوم الاثنين، اجتماعاً طارئاً «افتراضياً» يجمع وزراء المالية والطاقة ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة السبع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)

الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

لم تعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مجرد تهديد لخطوط الملاحة، بل انتقلت لتضرب قلب البنية التحتية الصناعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

بعد عام من قرارات ولي العهد لتنظيم السوق العقارية بالرياض، انخفضت قيمة الصفقات 64 في المائة مقارنة بالفترة نفسها قبل صدور القرارات.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية، الجمعة، التصنيف الائتماني طويل الأجل لإسرائيل بالعملة الأجنبية عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية.

«الشرق الأوسط» (القدس)

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
TT

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)

تستضيف فرنسا، يوم الاثنين، اجتماعاً طارئاً «افتراضياً» يجمع وزراء المالية والطاقة ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة السبع، في محاولة رابعة منذ اندلاع الحرب في إيران لاحتواء التداعيات الكارثية على الأسواق العالمية. ورغم كثافة هذه اللقاءات، فإن «فقدان الثقة» بدأ يتسلل إلى الأسواق؛ حيث وُصفت الاجتماعات السابقة بأنها مجرد «بيانات للمراقبة» تفتقر للأفعال المباشرة، مما أدى لقفزات جنونية في مؤشرات الخوف العالمي (VIX) التي سجَّلت ارتفاعاً بنسبة 13 في المائة بنهاية الأسبوع الماضي.

كشف وزير التجارة الفرنسي، سيرغ بابين، عن أن المحور الرئيسي لاجتماع الاثنين سيكون مناقشة «الإطلاق المنسق» لاحتياطات النفط الاستراتيجية.

وتأتي هذه الخطوة محاولةً لتهدئة الأسعار التي سجَّلت تقلبات هي الأعنف منذ بدء حرب أوكرانيا عام 2022. ورغم اتفاق وكالة الطاقة الدولية المبدئي في 11 مارس (آذار) على استخدام المخزونات، فإنَّ الأسواق لا تزال تُشكِّك في القدرة على الصمود طويل الأمد إذا لم يتم التوصُّل إلى حل دبلوماسي ينهي حصار الممرات المائية.

وكان الحراك الدبلوماسي لمجموعة السبع بدأ في 9 مارس باجتماع افتراضي لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية، وهو اللقاء الذي واجه انتقادات حادة بسبب بيانه الختامي الذي اكتفى بوعود «المراقبة اللصيقة» دون إجراءات ملموسة. وفي اليوم التالي، انتقل الثقل إلى وزراء الطاقة الذين قرَّروا بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية التدخل في «مخزونات الطاقة» لتهدئة الأسواق، وهي خطوة حقَّقت استقراراً مؤقتاً سرعان ما تبخَّر أمام تقلبات أسعار النفط العنيفة التي أعادت للأذهان صدمة عام 2022.

كما اجتمع وزراء خارجية مجموعة السبع في الأجواء الهادئة لدير «فو دي سيرناي» التاريخي بفرنسا.

وزراء خارجية مجموعة السبع خلال اجتماع للمجموعة في باريس يوم 27 مارس (إكس)

دبلوماسية «الغرف المغلقة»

خلف الأرقام الاقتصادية، تدور معركة دبلوماسية صامتة؛ حيث اشتكى وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديبول، من «نقص التواصل» بين الحلفاء، كاشفاً عن ترتيبات لاجتماع مباشر «وشيك» بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان؛ بحثاً عن مَخرَج للأزمة، وفق شبكة «سي إن بي سي».

كذلك، أثار استبعاد جنوب أفريقيا من قمة القادة المُقرَّرة في يونيو (حزيران) بمدينة إيفيان الفرنسية توتراً دبلوماسياً كبيراً. وتُشير التقارير إلى ضغوط من إدارة ترمب حالت دون دعوة الرئيس سيريل رامافوزا؛ مما يعزِّز الانطباع بأن نهج «أميركا أولاً» بات يهدِّد فاعلية مجموعة السبع بوصفها أداة للحل الدبلوماسي الدولي.


الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
TT

الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)

لم تعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مجرد تهديد لخطوط الملاحة، بل انتقلت لتضرب قلب البنية التحتية الصناعية. فقد أعلنت إيران، يوم الأحد، مسؤوليتها عن هجمات استهدفت مصنعين رئيسيَّين للألمنيوم في الخليج؛ مما زاد من حدة التوترات الاقتصادية في حرب الشرق الأوسط بعد انضمام الحوثيين، المدعومين من إيران، إلى الصراع في اليمن.

إذ أعلنت شركة «الإمارات العالمية للألمنيوم (EGA)» - أكبر شركة صناعية غير نفطية في الإمارات - تعرُّض موقعها الحيوي في «الطويلة» بأبوظبي لأضرار جسيمة نتيجة حطام صواريخ باليستية. ويُعد موقع «الطويلة»، الواقع في منطقة خليفة الاقتصادية، ركيزةً عالميةً أنتجت وحدها 1.6 مليون طن من المعدن في عام 2025، بينما يقع المصهر الثاني للشركة في منطقة جبل علي بدبي. وبالتزامن مع ذلك، بدأت شركة «ألمنيوم البحرين» (ألبا) تقييم حجم الأضرار في مرافقها، مما يضع كبار المنتجين في المنطقة أمام تحدٍ وجودي لضمان استمرارية العمليات تحت وطأة التهديد العسكري المباشر.

رغم خطورة الهجمات، فإن شركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» كشفت عن تحرك استباقي يتمثَّل في امتلاكها مخزونات ضخمة من المعدن في مواقع «أوفشور» ومستودعات خارجية خارج منطقة النزاع منذ اندلاع الحرب في الشهر الماضي. وتستخدم الشركة هذا المنتج الخارجي حالياً للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء الدوليِّين، وتخفيف حدة الانقطاع الناتج عن استهداف مرافقها المحلية.

سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة إيرانية على خزانات وقود في المحرق بالبحرين (أ.ف.ب)

معضلة «الألومينا»

تكمن الخطورة الحقيقية للهجمات الأخيرة في الأرقام التي أوردها «المعهد الدولي للألمنيوم»؛ فمن أصل 29.6 مليون طن مثّلت إجمالي الإنتاج العالمي خارج الصين في عام 2025، أسهمت منطقة الخليج وحدها بنحو 23 في المائة من هذه الكمية (أي ما يعادل 9 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي الكلي البالغ 73.8 مليون طن). هذا التركز الإنتاجي الضخم يعتمد بشكل كلي على مضيق هرمز في حركة استيراد وتصدير مزدوجة. وهنا تبرز مادة «الألومينا» (أكسيد الألمنيوم)، وهي المسحوق الخام الأساسي الذي تستورده المصاهر الخليجية لتحويله إلى معدن صلب.

ويحذر محللو «آي إن جي» من أن المصاهر في المنطقة تمتلك مخزونات من هذه المادة الخام تكفي عادة لـ3 إلى 4 أسابيع فقط. وبما أن المضيق هو الممر الوحيد لدخول سفن «الألومينا»، فإنَّ استمرار إغلاقه سيعني نفاد المادة الخام وتوقف أفران الصهر كلياً، وهو ما يفسِّر حالة «الانكشاف الخطير» للأسواق الغربية التي تعتمد على الألمنيوم الخليجي إمداداً حيوياً لا يمكن تعويضه بسهولة.

«علاوات الحرب» وأزمة الطاقة الأوروبية

وفقاً للتحليلات الفنية، يرفع التصعيد الحالي من «العلاوات السعرية المادية»؛ نتيجة تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب وتأخير السفن. وتعد أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأكثر عرضة لهذا الانكشاف، نظراً لاعتمادهما الكبير على معدن الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي يبحث فيه العالم عن بدائل، تبرز عقبات كبرى في أوروبا؛ حيث قفزت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 60 في المائة لتصل إلى 50.545 يورو/ميغاواط/ ساعة، مما يجعل إعادة تشغيل المصاهر في آيسلندا وسلوفاكيا غير مجدٍ اقتصادياً للمنتجين الذين لا يملكون مصادر طاقة مستقلة.

عامل يثني قطعة من الألمنيوم باستخدام آلة في قسم الإنتاج بمبنى شركة «جنرال ستامبينغ آند ميتالوركس» في ساوث بيند بإنديانا (رويترز)

السوق الأميركية تحت مقصلة الـ«7 آلاف دولار»

أما في الولايات المتحدة، فقد أدى تقاطع الهجمات الإقليمية مع سياسات دونالد ترمب الجمركية، التي رفعت الرسوم إلى 50 في المائة في يونيو (حزيران) 2025، إلى وضع السوق في حالة اختناق. ومع توجُّه الصادرات الكندية نحو أوروبا، يواجه المستهلك الأميركي سيناريو مرعباً؛ حيث تشير تقديرات «سيكو بنك» إلى أنَّ وصول سعر المعدن في لندن إلى 4 آلاف دولار قد يدفع السعر النهائي في أميركا - شاملاً الرسوم والعلاوات - إلى مستويات قياسية تقترب من 7 آلاف دولار للطن، وهو ما قد يؤدي إلى صدمة في الطلب، ويهدِّد الصناعات المعتمدة على الألمنيوم بالشلل.

ترقب افتتاح الاثنين

تجمع التقارير الصادرة عن «سيتي بنك» و«ستاندرد آند بورز» على أن تعافي السوق لن يكون سريعاً؛ فديناميكيات الشحن والتأمين ستستغرق وقتاً طويلاً للعودة إلى طبيعتها. ومع اقتراب جرس الافتتاح في بورصات المعادن العالمية يوم الاثنين، يسود القلق أوساط المتداولين؛ حيث يتوقع الخبراء قفزةً فوريةً في هذه العلاوات مع بدء التعاملات، مدفوعةً ببيانات الهجمات المباشرة. ويرى المحللون أنَّه حتى دون إغلاق كامل للمضيق، فإنَّ ارتفاع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب وتأخير السفن سيجعل أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأكثر عرضةً للضرر، نظراً لاعتمادهما الكبير على معدن الشرق الأوسط لسد العجز في الأسواق المحلية.


خط أنابيب شرق ــ غرب السعودي يعمل بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط أنابيب شرق ــ غرب السعودي يعمل بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

ذكرت وكالة «بلومبرغ»، أمس، نقلاً عن مصدر مطلع، أن خط أنابيب النفط السعودي شرق - غرب الذي يوفر للمملكة مخرَجاً في ظل إغلاق مضيق هرمز يضخ النفط بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وأضافت أن صادرات النفط الخام من ميناء ينبع السعودي المطل على البحر الأحمر بلغت 5 ملايين برميل يومياً، مشيرة إلى أن المملكة تصدّر أيضاً ما بين 700 ألف و900 ألف برميل يومياً من منتجات النفط.

وقال أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» لصحافيين في وقت سابق من الشهر الحالي خلال اتصال هاتفي بشأن نتائج الأعمال، إنه من المتوقع أن يصل خط أنابيب النفط شرق - غرب إلى طاقته الاستيعابية الكاملة البالغة 7 ملايين برميل يومياً خلال أيام بالتزامن مع تحويل العملاء مساراتهم.

وأغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز، مما حال دون عبور نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم وتسبب في ارتفاع سعر النفط الخام إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل.