مليارات الدولارات من الأرباح الغربية محاصرة في روسيا

الشركات من الدول «غير الودية» جمعت أكثر من 18 مليار دولار منذ بدء الحرب

سيارات راكنة أمام مبنى البنك المركزي الروسي في موسكو في 15 سبتمبر 2015 (رويترز)
سيارات راكنة أمام مبنى البنك المركزي الروسي في موسكو في 15 سبتمبر 2015 (رويترز)
TT

مليارات الدولارات من الأرباح الغربية محاصرة في روسيا

سيارات راكنة أمام مبنى البنك المركزي الروسي في موسكو في 15 سبتمبر 2015 (رويترز)
سيارات راكنة أمام مبنى البنك المركزي الروسي في موسكو في 15 سبتمبر 2015 (رويترز)

حققت الشركات الغربية التي استمرت في العمل في روسيا منذ حربها على أوكرانيا أرباحاً بمليارات الدولارات، لكن الكرملين منعها من الوصول إلى الأموال في محاولة لتضييق الخناق على الدول «غير الصديقة»، وفق تقرير مفصل في صحيفة «فاينانشيال تايمز».

استحوذت مجموعات من هذه الدول على 18 مليار دولار من أصل 20 مليار دولار من الأرباح الروسية التي أبلغت عنها الشركات الأجنبية لعام 2022 وحده، وفقاً للأرقام التي جمعتها كلية كييف للاقتصاد، و199 مليار دولار من إجمالي إيراداتها الروسية البالغ 217 مليار دولار.

وقال أندري أونوبريينكو، نائب مدير التطوير في سوق الأوراق المالية، الذي جمع البيانات: «ربما نمت الأرقام بشكل كبير منذ ذلك الحين، على الرغم من أنه من غير الممكن تقييم المبلغ بالضبط، لأن معظم الشركات الدولية العاملة في روسيا تكشف فقط عن نتائجها المحلية سنوياً».

ظلت الأرباح المحلية لشركات من «بي بي» النفطية إلى «سيتي غروب» محتجزة في روسيا منذ فرض حظر على توزيع أرباح الأسهم في العام الماضي على الشركات من الدول «غير الصديقة»، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وجميع أعضاء الاتحاد الأوروبي. وفي حين أنه يمكن الموافقة على مثل هذه المعاملات في ظل ظروف استثنائية، إلا أنه لم يتم إصدار سوى عدد قليل من تصاريح السحب.

وقال الرئيس التنفيذي لإحدى الشركات الكبرى التي يقع مقرها في بلد غير مصنف على أنه غير ودود: «إن عشرات المليارات من الدولارات عالقة في روسيا... ولا توجد طريقة لإخراجها».

ولا يعكس حجم الإيرادات والأرباح الأهمية الدائمة للشركات الغربية للاقتصاد الروسي فحسب، بل يعكس أيضاً المعضلة التي تواجهها هذه الشركات بشأن ما يجب فعله بعملياتها في الدولة، وفق «فاينانشيال تايمز».

وتحاول العديد من الشركات الأجنبية بيع فروعها الروسية، لكن أي صفقة تتطلب موافقة موسكو، وتخضع لخصومات كبيرة في الأسعار. وفي الأيام الأخيرة، أعلنت شركة التبغ البريطانية - الأميركية وشركة الشاحنات السويدية «فولفو» عن اتفاقيات لنقل أصولها في البلاد إلى مالكيها المحليين.

ومن بين الشركات ذات الأصل «غير الودي» التي لا تزال ناشطة في روسيا، أعلن بنك «رايفايزن» النمساوي عن أكبر أرباح لعام 2022 في البلاد عند ملياري دولار.

كما حصلت المجموعتان الأميركيتان «فيليب موريس» و«بيبسيكو» على 775 مليون دولار و718 مليون دولار على التوالي. وحققت شركة الشاحنات السويدية «سكانيا» ربحاً روسياً بقيمة 621 مليون دولار في عام 2022 مما جعلها أكبر مصدر للدخل بين الشركات التي انسحبت منذ ذلك الحين من البلاد.

وعلى الرغم من أن «رايفايزن»، أكبر مقرض غربي يعمل في روسيا، قال إنه «لا يستطيع الوصول» إلى أرباحه في البلاد، فإنه لم يشطب قيمة النشاط التجاري.

وحققت الشركات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها أكبر ربح إجمالي قدره 4.9 مليار دولار، تليها الشركات الألمانية والنمساوية والسويسرية بـ4 مليارات دولار و1.9 مليار دولار و مليار دولار على التوالي.

وقد وجدت بعض الشركات أساليب للتغلب على القيود. دفعت الشركة الروسية التابعة لمجموعة الغذاء الأميركية (مارس) العام الماضي 56.1 في المائة من أرباح الأسهم لشركتها الأم من خلال «تعويضها عن ديونها»، وفقاً لبيانها المالي السنوي لعام 2022.

وفي العام الماضي، دفعت شعبة روسيا في شركة اليابان للتبغ الدولية، وهي مجموعة السجائر الكبيرة الوحيدة التي لم تلتزم بالسعي للخروج من البلاد، 180 مليون دولار لمساهمها الوحيد «جي تي آي» ألمانيا، مع توزيع 20 في المائة منها بعد حرب روسيا على أوكرانيا، وفقاً لبيان المجموعة لعام 2022.

وقالت الشركة لصحيفة «فاينانشيال تايمز» إنها سددت المدفوعات من أرباحها لعام 2021، بينما لم يتم دفع أي أرباح من قبل الكيان التجاري الروسي مقارنة بنتائج عام 2022.

وأعلنت «فيليب موريس» عن عدم وجود توزيعات أرباح من روسيا في عام 2022. في عام 2021، دفعت أعمالها الروسية حوالي 6 في المائة من صافي إيراداتها كأرباح إلى الشركة الأم.

وقالت ألكسندرا بروكوبينكو، الباحثة غير المقيمة في مركز كارنيغي روسيا أوراسيا، إن المسؤولين الروس لم يحددوا بعد «استراتيجية واضحة للتعامل مع الأصول المجمدة. ومع ذلك، وبالنظر إلى الرغبة القوية للكيانات الأجنبية في استعادة أرباحها، من المرجح أن تستكشف استخدامها كرافعة - على سبيل المثال لحث السلطات الغربية على إلغاء تجميد الأصول الروسية».

وخففت وزارة المالية الروسية الشهر الماضي قواعد توزيع الأرباح، لكنها أضفت أيضاً طابعاً رسمياً على إطار عمل للشركات «الجيدة» و«المشاغبة»، كما يدعو الكرملين أولئك الذين يريدون الانفصال عن البلاد.

وقال شخص مشارك في صفقات الخروج: «السماح بتوزيع الأرباح أصبح منذ فترة طويلة نوعاً من التشجيع على السلوك الجيد، الذي يتضمن توضيح أنك تريد البقاء في روسيا».

وبالنسبة لشركة ذات أصل «غير ودي»، فإن إعادة الأرباح إلى الوطن «معقدة بالفعل مثل بيع شركة في روسيا»، كما قال هذا الشخص: «فقد أحد عملائي الأمل في الحصول على أي أرباح من هناك وقام بشطب كل شيء».

وحتى بعض الشركات من البلدان «الصديقة» تكافح من أجل إعادة أرباحها إلى الوطن.

وتضيف الأموال التي يتعذر الوصول إليها إلى التكاليف التي تواجهها الشركات الدولية من تداعيات هجوم روسيا على أوكرانيا. وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» الشهر الماضي أن الشركات الأوروبية أبلغت عن عمليات شطب وخسائر بقيمة 100 مليار دولار على الأقل من عملياتها في روسيا منذ الحرب العام الماضي.

مجموعة الطاقة الألمانية «فينترشال»، التي سجلت هذا العام انخفاضاً غير نقدي بقيمة 7 مليارات دولار بعد أن صادرت الكرملين أعمالها الروسية، لديها «حوالي 2 مليار دولار من الفائدة النقدية العاملة... معلقة بسبب قيود الأرباح».

وقالت «فينترشال» الشهر الماضي: «إن الغالبية العظمى من الأموال التي تم توليدها في مشاريعنا المشتركة الروسية منذ عام 2022 قد تبددت»، مضيفة أنه لم يتم دفع أي أرباح من روسيا لعام 2022.

وتمنع روسيا شركات الطاقة الهندية من إعادة حوالي 400 مليون دولار من الأرباح، وفقاً لمسؤول النفط الهندي رانجيت راث.

وقال رئيس مجلس إدارة شركة «أويل إنديا» والعضو المنتدب في مايو (أيار): «لقد تلقينا توزيعات الأرباح بانتظام وهي موجودة في حسابات مصرفية في روسيا».

ومددت موسكو حظر توزيع الأرباح لمجموعات الطاقة الهندية رداً على أن مبلغاً كبيراً من المال من تصدير النفط الروسي عالق في الهند، وفقاً للرئيس التنفيذي لشركة روسية كبيرة تعمل في الهند.

وقال الرئيس التنفيذي: «الروبية المستخدمة للدفع لا يمكن تحويلها إلى أي عملة أخرى» في إشارة إلى ضوابط رأس المال الصارمة في الهند. «لا يمكن استخدامها إلا لشراء سلع في الهند، لكن شراء شيء بقيمة مليارات الدولارات للتصدير إلى روسيا يمثل تحدياً».

وأضاف الرئيس التنفيذي أن موسكو «تخشى حقاً هروب رأس المال - انظر إلى ما يحدث للروبل»، في إشارة إلى الانخفاض الحاد للعملة الروسية مقابل الدولار في الأشهر الأخيرة.

في مارس (آذار)، قبل أن يبدأ الروبل هبوطه الحاد، اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تخفيف قيود الأرباح من خلال السماح لـ«الأصدقاء والشركاء الموثوق بهم» من أصل «غير ودي» بسحب بعض أرباحهم إذا أرادوا أيضاً الاستثمار داخل البلاد.

وبدلاً من ذلك، كان تمديد الحظر عليهم بعد خمسة أشهر من بين المقترحات التي صاغتها وزارة المالية الروسية على عجل لوقف تراجع الروبل.

وعلى الرغم من أن روسيا تمكنت من جلب بعض الدعم للروبل باستخدام أدوات أخرى، فإن المزيد من الانخفاض قد يدفع إلى إعادة تقييم قيود رأس المال.


مقالات ذات صلة

«إس كيه هاينكس» الكورية تخطط لإدراج سري في أميركا لجمع 14 مليار دولار

الاقتصاد شعار شركة «إس كيه هاينكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

«إس كيه هاينكس» الكورية تخطط لإدراج سري في أميركا لجمع 14 مليار دولار

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس»، الكورية الجنوبية المتخصصة في صناعة أشباه الموصلات، يوم الثلاثاء، عزمها التقدم بطلب سري لإدراج أسهمها في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (إيتشون )
خاص محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان خلال مشاركته في قمة سابقة لمبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

خاص ميامي تستضيف قمة «مستقبل الاستثمار» غداً وتناقش تأثير رأس المال في التحولات العالمية

تستعد مدينة ميامي الأميركية لاستضافة النسخة الرابعة من قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار– الأولوية» (FII PRIORITY) خلال الفترة من 25 إلى 27 مارس (آذار) الحالي.

مساعد الزياني (ميامي (الولايات المتحدة))
الاقتصاد متسوقون داخل متجر «سيلفريدجز» في ويست إند بلندن (رويترز)

مبيعات التجزئة البريطانية تتراجع بأكبر وتيرة منذ بداية جائحة «كوفيد-19»

أظهر مسح نُشر يوم الثلاثاء أن مبيعات التجزئة البريطانية شهدت هذا الشهر أكبر انخفاض لها، منذ أبريل 2020.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رافعة تحمل شعار «أديس» (الشركة)

«أديس» السعودية تعلق مؤقتاً عمل منصات حفر بحرية في الخليج وسط حرب إيران

علّقت شركة «أديس القابضة» السعودية عمل بعض منصات الحفر البحرية التابعة لها في دول مجلس التعاون الخليجي بشكل مؤقت، في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد منظر عام لمنطقة المال والأعمال في لندن (رويترز)

أبطأ نمو للنشاط التجاري البريطاني في 6 أشهر

أظهر مسح نُشر يوم الثلاثاء أن النشاط التجاري في المملكة المتحدة نما بأبطأ وتيرة له خلال ستة أشهر في مارس.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

أظهر محضر اجتماع شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، الذي نُشر يوم الأربعاء، أن عدداً من صانعي السياسة النقدية في بنك اليابان رأوا ضرورة مواصلة رفع أسعار الفائدة. ودعا البعضُ إلى اتخاذ إجراءات فورية لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، مما يسلّط الضوء على توجههم المتشدد، حتى قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار النفط.

كما دعا أعضاء بالمجلس إلى زيادة اليقظة بشأن تأثير ضعف الين على التضخم، الذي رأوا أنه أصبح أكبر من ذي قبل مع قيام الشركات بتمرير ارتفاع تكاليف الاستيراد والعمالة بشكل أكثر فاعلية.

ونُقل عن أحد الأعضاء قوله: «بالنظر إلى أن معالجة ارتفاع الأسعار تُعدّ أولوية مُلحة في اليابان، فينبغي لبنك اليابان المركزي ألا يُضيّع كثيراً من الوقت في دراسة آثار رفع أسعار الفائدة في الماضي، وأن يُباشر رفع سعر الفائدة التالي في الوقت المناسب».

وأظهرت محاضر الاجتماع أن عضواً آخر قال إن على بنك اليابان المركزي رفع أسعار الفائدة على فترات لا تتجاوز بضعة أشهر، مُضيفاً أن رفع أسعار الفائدة في الوقت المناسب هو الوصفة الوحيدة للسياسة النقدية لكبح ضعف الين غير المرغوب فيه، الذي يُؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد.

وأظهرت المحاضر أيضاً أن «عدداً من الأعضاء قالوا إن آلية ارتفاع الأجور والأسعار بشكل مُعتدل مُتزامن أصبحت راسخة في اليابان، ومن المُرجّح أن تُسفر مفاوضات الأجور، هذا العام، عن زيادات كبيرة في الأجور لمجموعة واسعة من الشركات».

وتُؤكد هذه الملاحظات عزم بنك اليابان المركزي على المُضي قُدماً في تشديد السياسة النقدية، حيث أعرب عدد من أعضاء مجلس الإدارة عن ثقتهم في أن ارتفاع سعر الفائدة الأميركية سيُسهم في تحسين الوضع. ولم تُشكّل الرسوم الجمركية ورفع أسعار الفائدة سابقاً عبئاً كبيراً على الاقتصاد حتى الآن.

وأدى الصراع في الشرق الأوسط، الذي اندلع على أثر الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلى تشويش التوقعات السياسية، حيث أضاف ارتفاع أسعار النفط ضغوطاً تضخمية، وعاق، في الوقت نفسه، اقتصاداً يعتمد، بشكل كبير، على واردات الوقود.

وبعد أن رفع بنك اليابان أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أبقى سعر الفائدة الرئيسي ثابتاً عند 0.75 في المائة في يناير، لكنه أبقى على توقعاته المتشددة للتضخم. وأظهرت محاضر الاجتماع أن عدداً من الأعضاء أشاروا إلى أن التضخم الأساسي، أو تحركات الأسعار التي تعكس الطلب المحلي والتي يعدُّها بنك اليابان أساسية لتوقيت رفع أسعار الفائدة، يقترب من هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وفي اجتماع لاحق خلال مارس (آذار) الحالي، أبقى بنك اليابان أسعار الفائدة دون تغيير، مع الإبقاء على ميله نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يُنذر بتفاقم الضغوط التضخمية.

وظل التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين أعلى من هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة لما يقرب من أربع سنوات، مدفوعاً بارتفاع تكاليف المواد الخام والعمالة، قبل أن يتباطأ إلى 1.6 في المائة خلال فبراير، ويعود ذلك، بشكل رئيسي، إلى الدعم الحكومي السخيّ للوقود. ومع وجود عوامل استثنائية متعددة تُشوّه مؤشر أسعار المستهلك، اقترح أحد الأعضاء إيلاء مزيد من الاهتمام لمؤشرات التضخم الأساسي، مثل وتيرة نمو الأجور وأسعار الخدمات، بالإضافة إلى توقعات التضخم، وفقاً لمحضر الاجتماع. كما اقترح عدد من الأعضاء تحسين التواصل بشأن كيفية تقييم بنك اليابان التضخم الأساسي وسعر الفائدة المحايد في اليابان، وفقاً لمحضر الاجتماع. ومن المرجح أن تكون هذه المقترحات قد أدت إلى قرار البنك في مارس بالكشف، بحلول الصيف، عن مؤشر جديد للتضخم وتقدير محدَّث من قِبل فريق العمل بشأن سعر الفائدة المحايد. وفي حين أن الصراع في الشرق الأوسط قد زاد من حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، لا تزال الأسواق ترى احتمالاً بنسبة 60 في المائة تقريباً لرفع سعر الفائدة في أبريل (نيسان) المقبل.


الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

تتحرك الصين على مسارين متوازيين يعكسان ملامح استراتيجيتها التجارية الجديدة في بيئة دولية أكثر اضطراباً، ما بين توسيع الشراكات الاقتصادية مع أفريقيا، وفي الوقت نفسه التشدد في مواجهة القيود التجارية التي تفرضها بعض الدول على صادراتها واستثماراتها. ففي يوم واحد، أعلنت بكين استعدادها لتعميق التعاون مع الكاميرون في مجالات البنية التحتية والطاقة والزراعة، بالتزامن مع إعلان كينيا استكمال مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بينما أكدت وزارة التجارة الصينية حقها في اتخاذ إجراءات مضادة ضد المكسيك بعد رفع الرسوم الجمركية على واردات صينية.

هذا التزامن ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس اتجاهاً أوضح في السياسة الاقتصادية الصينية يقوم على تعويض الضغوط الكبيرة في بعض الأسواق الخارجية عبر تعزيز الحضور في الأسواق النامية، خصوصاً في أفريقيا، مع الإبقاء على خيار الرد التجاري في مواجهة ما تعده بكين إجراءات حمائية تستهدفها.

ومن منظور بكين، فإن القارة الأفريقية لم تعد مجرد شريك سياسي أو ساحة نفوذ جيوسياسي، بل باتت سوقاً واعدة للصادرات والاستثمارات ومجالاً حيوياً لبناء سلاسل توريد وعلاقات طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، برز الإعلان الصيني عن الاستعداد لتعزيز التعاون مع الكاميرون في البنية التحتية والطاقة والزراعة، وهو ما يعكس استمرار الرهان على القطاعات التقليدية التي لطالما شكلت أساس الحضور الاقتصادي الصيني في أفريقيا. فالبنية التحتية تمنح الشركات الصينية فرص تنفيذ وتمويل كبيرة، والطاقة تمثل قطاعاً حيوياً في الاقتصادات الأفريقية الصاعدة، بينما يكتسب التعاون الزراعي أهمية كبيرة في ظل سعي الدول الأفريقية إلى تحسين الأمن الغذائي ورفع الإنتاجية.

كما أن اختيار هذه القطاعات الثلاثة معاً يعكس مقاربة صينية شاملة لا تقتصر على التجارة السلعية، بل تشمل بناء النفوذ عبر الاستثمار والتمويل ونقل الخبرات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقبال نظيره الكيني ويليام روتو في بكين أبريل الماضي (رويترز)

• اتفاق كينيا

في شرق أفريقيا، جاءت كينيا لتضيف بُعداً آخر لهذا التوسع. فقد أعلن الرئيس الكيني ويليام روتو أن بلاده أنهت هذا الأسبوع مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بعد شهرين فقط من الإعلان عن اتفاق مبدئي يمنح 98 في المائة من صادرات كينيا دخولاً معفى من الرسوم إلى السوق الصينية.

وتمثل هذه الخطوة تطوراً مهماً بالنسبة إلى نيروبي، التي تسعى إلى تقليص العجز التجاري الكبير مع بكين والاستفادة بصورة أكبر من السوق الصينية الضخمة. وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة لأن كينيا تعد أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا، كما أنها تحاول الموازنة بين شراكاتها التقليدية مع الغرب وعلاقاتها المتنامية مع الصين.

وقد حرص روتو على الدفاع عن هذا التوجه، مشيراً إلى أن تعزيز الصادرات الكينية إلى الصين ضرورة اقتصادية، لا سيما في ظل اختلال الميزان التجاري لمصلحة بكين. كما أشار روتو إلى أن الاقتصاد الكيني أظهر مرونة خلال العام الماضي، مع استقرار التضخم والعملة، وتجاوز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حاجز ملياري دولار للمرة الأولى في 2025، بزيادة تتجاوز 15 في المائة عن العام السابق.

• صرامة مع المكسيك

لكن الوجه الآخر للتحرك الصيني بدا أكثر صرامة في التعامل مع المكسيك. فقد خلصت وزارة التجارة الصينية، بعد تحقيق في الإجراءات التجارية المكسيكية، إلى أن رفع الرسوم الجمركية والإجراءات الأخرى التي اتخذتها مكسيكو تشكل عوائق أمام التجارة والاستثمار، مؤكدة أن للصين الحق في اتخاذ إجراءات مضادة. ووفق التقديرات الصينية، فإن هذه الرسوم تؤثر على صادرات تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار، وقد تتسبب في خسائر تقارب 9.4 مليار دولار في قطاعي الميكانيكا والكهرباء. ويبدو أن أكثر القطاعات تعرضاً للضرر هو قطاع السيارات وقطع الغيار، إذ تشير بكين إلى أن نحو 9 مليارات دولار من الخسائر ستتحملها هذه الصناعة، في وقت كانت فيه المكسيك أكبر وجهة لصادرات السيارات الصينية في عام 2025. وهذا يعني أن النزاع لا يتعلق فقط برسوم جمركية عابرة، بل يمس أحد أهم مجالات التوسع الصناعي الصيني في الأسواق الخارجية، ولا سيما في الصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى التي تراهن عليها بكين في المرحلة المقبلة. وتشير خلفية الخلاف إلى أن المكسيك رفعت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الرسوم على واردات من الصين ودول أخرى لا تربطها بها اتفاقيات تجارة حرة، لتصل إلى 35 في المائة على معظم المنتجات. ويرى محللون أن هذه الخطوة جاءت في جزء منها تحت ضغط الحسابات المرتبطة بعلاقتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، التي شددت بدورها القيود التجارية على السلع الصينية. ومن هذا المنطلق، تنظر بكين إلى التحرك المكسيكي على أنه امتداد أوسع لمناخ دولي يزداد فيه استخدام الأدوات التجارية والجمركية لكبح تمدد الصادرات الصينية.

سفينة بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

• إعادة رسم خريطة الأولويات

اقتصادياً، يكشف هذا المشهد عن أن الصين تعيد رسم خريطة أولوياتها التجارية على نحو أكثر مرونة. فهي من جهة تدفع بقوة نحو ترسيخ حضورها في أفريقيا عبر اتفاقات وشراكات تعزز الوصول إلى أسواق جديدة، وتوسع النفوذ الاقتصادي الصيني في القارة. ومن جهة أخرى، تبعث برسالة واضحة إلى الشركاء الآخرين بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام القيود التجارية التي تستهدف مصالحها... وهذه الازدواجية بين الانفتاح والردع قد تصبح السمة الأبرز للسياسة التجارية الصينية خلال المرحلة المقبلة. وفي المحصلة، تبدو بكين وكأنها تتحرك بمنطق توسيع البدائل وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية واحدة. فالتقارب مع الكاميرون وكينيا يفتح آفاقاً جديدة في أفريقيا، بينما التلويح بإجراءات مضادة ضد المكسيك يهدف إلى حماية المصالح الصينية في الأسواق التي تواجه فيها ضغوطاً كبيرة. وبين المسارين، ترسل الصين إشارة مفادها أنها لا تزال قادرة على الجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية الصاعدة والرد الحازم على ما تعده ممارسات تجارية غير عادلة.


أسعار الغاز في أوروبا تتراجع وسط آمال في المفاوضات الأميركية - الإيرانية

انخفض عقد الغاز القياسي الهولندي لأدنى مستوى منذ 13 مارس الحالي (رويترز)
انخفض عقد الغاز القياسي الهولندي لأدنى مستوى منذ 13 مارس الحالي (رويترز)
TT

أسعار الغاز في أوروبا تتراجع وسط آمال في المفاوضات الأميركية - الإيرانية

انخفض عقد الغاز القياسي الهولندي لأدنى مستوى منذ 13 مارس الحالي (رويترز)
انخفض عقد الغاز القياسي الهولندي لأدنى مستوى منذ 13 مارس الحالي (رويترز)

انخفضت عقود الغاز في أوروبا إلى أدنى مستوياتها منذ نحو أسبوعين، في بداية تعاملات الأربعاء، على خلفية أنباء عن مبادرة أميركية لإنهاء الحرب مع إيران عبر المفاوضات، وهي الحرب التي أدت إلى توقف نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية.

وأظهرت بيانات من بورصة «إنتركونتيننتال» أن عقد الغاز القياسي الهولندي لأول شهر في مركز «تي تي إف» انخفض بمقدار 4.44 يورو، ليصل إلى 49.60 يورو لكل ميغاواط/ ساعة بحلول الساعة الـ08:55 بتوقيت غرينيتش. ولامس سعر الغاز لفترة وجيزة 48.75 يورو لكل ميغاواط/ ساعة، وهو أدنى مستوى له منذ 13 مارس (آذار) الحالي.

كما انخفض سعر العقد البريطاني لشهر أبريل (نيسان) بمقدار 11.04 بنس، ليصل إلى 125.31 بنس لكل وحدة حرارية بعد أن سجل أدنى مستوى له خلال تعاملات الأربعاء عند 123.00 بنس لكل وحدة حرارية.

الولايات المتحدة تحرز تقدماً

صرح الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، بأن الولايات المتحدة تحرز تقدماً في مفاوضات إنهاء الحرب مع إيران، بينما أكد مصدر أن واشنطن أرسلت إلى إيران مقترح تسوية من 15 بنداً. وقالت إيران إنه لا يوجد اتصال مباشر أو غير مباشر مع الولايات المتحدة، لكنها تأمل في فتح حوار عبر دول ثالثة «صديقة».

وقال محللون في بنك «إس إي بي (SEB)» تعليقاً على تحركات أسواق الطاقة الأوسع، بما في ذلك النفط: «استجابت السوق بارتياح لآفاق السلام غير المؤكدة حتى الآن».

وأدى النزاع إلى توقف شبه تام لشحنات النفط والغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج.

وقال محللون في بنك «آي إن جي»: «مع أن أي وقف لإطلاق النار من شأنه أن يخفف المخاطر المباشرة على تجارة الطاقة العالمية، فإن الأسواق لا تزال متأهبة لانقطاعات مطولة في الإمدادات»، لكنهم أشاروا إلى انخفاض الأسعار نتيجة عمليات جني الأرباح عقب تصريحات ترمب.

وأضافوا أن المشاركين في السوق يراقبون التطورات في مضيق هرمز بعد ورود تقارير تفيد بأن إيران بدأت فرض رسوم عبور على بعض السفن التجارية.

وأعلنت شركة «كوسكو» للشحن، ومقرها شنغهاي بالصين، في مذكرة لعملائها يوم الأربعاء، أنها استأنفت حجوزات حاويات الشحن العامة للشحنات إلى البحرين والعراق والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

ومع ذلك، قال محللو بنك «آي إن جي» إن التعافي السريع لتدفقات الغاز الطبيعي المسال يبدو غير مرجح. وأعلنت «شركة قطر للطاقة» أنها ستضطر إلى إعلان «حالة القوة القاهرة» في عدد من العقود بعد أن ألحقت الهجمات الإيرانية أضراراً بنحو 17 في المائة من طاقتها الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال.

وتوقع المحلل ديميتري دوهاليفيتش من «مجموعة بورصة لندن للغاز (LSEG)» ارتفاع الطلب على الغاز في شمال غربي أوروبا بنحو 800 غيغاواط/ ساعة يومياً على المدى القريب؛ نتيجة انخفاض درجات الحرارة. وأضاف أن صادرات الغاز الطبيعي المسال تشهد انخفاضاً تدريجياً يمتد حتى شهر أبريل المقبل.

وبلغت نسبة امتلاء مستودعات الغاز في «الاتحاد الأوروبي» 28.4 في المائة، وهي نسبة لم تشهد أي تغيير يذكر خلال الأسبوع الماضي. وتشير بيانات «هيئة البنية التحتية للغاز» في أوروبا إلى أن هذه النسبة أقل بنحو 5 نقاط مئوية عن مستويات الفترة نفسها من العام الماضي.