فتح مؤتمر «استدامة الصناعة البحرية» المنعقد في مدينة جدة غرب السعودية، آفاقاً جديدة لصنّاع القرار والمهتمين بقطاع الصناعات البحرية، حول آلية الاستدامة، وتغيير النمط القديم للحفاظ على البيئة البحرية، وخفض الكربون مع إيجاد الوسائل والممكنات لاستخدام الوقود البديل والأخضر، وفق معايير فنية وممارسات تشغيلية تضبط القطاع وخدماته اللوجيستية، مع تنمية استثمارات القطاع في جوانبه المختلفة. وأجمع قيادات بالقطاع البحري، على الدور الذي تلعبه السعودية في رسم ملامح مستقبل استدامة الصناعة البحرية من خلال دعمها وعقدها لمثل هذه المؤتمرات التي تجمع أصحاب الاختصاص من مختلف دول العالم، خصوصاً وأن السعودية قدمت كثيراً من المبادرات للحفاظ على البيئة، ومنها «مبادرة السعودية الخضراء»، للحد من تدهور الأراضي على نطاق عالمي.
مستقبل الصناعة البحرية
وقال كيتاك ليم، الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية، إن مثل هذا المؤتمر مهم جداً في رسم ملامح المستقبل في الصناعة البحرية، والكثير من التقدم والازدهار والنمو الاقتصادي، شاكراً السعودية على كل ما تقدمه من دعم للمنظمة الدولية وكل ما له دور بارز في أداء المنظمة، خصوصاً فيما يتعلق بدعم الأصول والتدريب، إضافة إلى مشاركتها النشطة في الدعم المالي للمنظمة البحرية الدولية. وشدد ليم على أن المؤتمر الذي يشارك به مختصون وخبراء وكبرى الشركات، هو شهادة للجهود الجبارة في تعزيز التعاون المشترك بين الدول الأعضاء حول الرؤية المستقبلية، موضحاً أن «هذه هي الرحلة للاستدامة المستقبلية... ويجب العمل مع بعضنا بعضاً، وتخفيض الانبعاثات الكربونية، ورفع مستوى الأتمتة والرقمنة واستخدام التقنية». وأضاف أن تبني استراتيجية 2023 في الصناعة البحرية يؤكد العمل الجماعي، وضرورة تطبيق الإجراءات المخصصة وفقاً للجدول الزمني المحدد، من أجل ضمان مستقبل الأجيال القادمة.
التجربة السعودية
من جهته، قال سعود العنيني، نائب رئيس هيئة الموانئ لعمليات موانئ الساحل الغربي، إن المؤتمر يعطي فرصة لتبادل الآراء والخبرات سواء للشركات أو الأفراد في هذا القطاع الكبير، موضحاً أن «السعودية سباقة لاستيراد التقنية وتبادل المعرفة، وهذا ما انعكس على المشاركين في المؤتمر للاستفادة من التجربة السعودية في تطوير الموانئ والخدمات اللوجيستية وتدريب الكوادر». ووصف العنيني حضور المؤتمر بالمميز من حيث الكم والكيف، كاشفاً أن هذا التجمع ستتبعه مؤتمرات أخرى لها علاقة بعمليات النقل البحري والاستدامة، وهذا يتوافق مع تطلعات السعودية في تطوير التكنولوجيا في الموانئ والاستثمار في التقنية الحديثة، كما أنها تعمل على الاستدامة للموانئ الخضراء، التي هي جزء من برنامج «السعودية الخضراء». وأشار العنيني، إلى أن «النقل البحري يلعب دوراً مهماً في اقتصادات الدول، والسعودية من دول (مجموعة العشرين) التي لديها صادرات وواردات ضخمة، 90 في المائة منها تمر عبر الموانئ البحرية، لذلك فالسعودية وحسب (رؤية 2030) ستكون أكبر مركز لوجيستي عالمي، وهذا يتطلب تطوير صناعة النقل البحري بما فيها الموانئ والخطوط الملاحية».
مباحثات سعودية عراقية
وفي سياق متصل، التقى على هامش المؤتمر وزير النقل العراقي رزاق السعداوي، مع الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للموانئ السعودية عمر حريري، بحضور السفيرة العراقية لدى السعودية صفية السهيل، حيث تم التأكيد على ضرورة تبادل الخبرات في مجال الأتمتة، والتباحث بشأن عمل لجنة النقل والمنافذ الحدودية والموانئ في المجلس التنسيقي العراقي السعودي. وأكد وزير النقل أن «الحكومة العراقية تتطلع إلى إيجاد تكامل اقتصادي مع دول المنطقة»، قائلاً: «نوشك على إكمال مرحلة مهمة من مراحل إنجاز ميناء الفاو الكبير، الذي يُشكل رئة مهمة لمشروع طريق التنمية الاستراتيجية»، وذلك وفقاً للبيان الذي نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع). وأضاف أن «الحكومة العراقية حريصة على تعزيز العلاقات والعمل المشترك بين البلدين»، مبيناً أن «الموقع الجغرافي لكلا البلدين يضمن لنا نجاح أي مشاريع استثمارية مشتركة».
جلسات الخبراء
واستعرض اليوم الثاني لمؤتمر «استدامة الصناعة البحرية»، الكثير من المحاور ضمن الجلسات الحوارية، والتي ناقشت التحول الرقمي الذي يجتاح القطاع البحري، حيث تم استعراض كيفية تنفيذ أنظمة رقمية متقدمة لزيادة الكفاءة وتحسين الأمان في الصناعة البحرية، كما جرى تسليط الضوء على أهمية الأمن السيبراني في تلك العمليات، وكيف يمكن تعزيزه، في حين استعرضت الجلسة الثانية التقنيات الحديثة التي تمكن من ربط السفن بالموانئ الذكية، مما يزيد من كفاءة عمليات الشحن والإفراج عن البضائع. كما تم التركيز على أهمية تبادل البيانات في هذا السياق. وفي جلسة السفن ذاتية القيادة، ناقش المتحدثون التقنيات والتطورات التي تمكن السفن من التحكم في نفسها بدرجة كبيرة، والتي تعد تقدماً هائلاً في مجال النقل البحري، فيما تطرقت الجلسة الأخيرة إلى أحدث الطرق في الأمن البحري، وكيفية مكافحة التهديدات المتعلقة بالبحارة والسفن.

نمو التجارة البحرية
وتشهد التجارة البحرية نمواً متزايداً، وفقاً لماريتام إيان إدواردز، مدير منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في «دي إن في»، الذي توقع زيادتها بأكثر من 26 في المائة بين عامي 2020 و2030، مشدداً على ضرورة تقليل انبعاثات الكربون من جميع ممارسات الحياة بحلول 2025. من جهته يرى نائب الرئيس في مكتب التقنية الأميركي للشحن غاريث بيرتون، أن السفن ذاتية القيادة ستخلق فرصاً مميزة لجذب مواهب جديدة ومتنوعة إلى الصناعة البحرية، ومن شأن ذلك أن يلبي احتياجاتنا ويسهم في فرص أكبر للقوى العاملة عالمياً. وشدد مدير وكالات الشحن في تنزانيا كايمو عبد الله على تعزيز التعاون والتكامل التقني بين جميع الجهات الفاعلة في القطاع، مثل المنظمة الدولية البحرية وجمعيات التصنيف والإدارات البحرية والمؤسسات الأكاديمية لتعزيز استدامة قطاع الصناعة البحرية. وترى المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «أوشنز أرينا»، جينا بنايوتي، أن الصناعة البحرية كانت طوال الأعوام الماضية تقليدية ومتأخرة في مشاركة وتبادل البيانات، «ولكي نتجاوب مع تطورات العصر الحديث يجب أن نعزز من شفافية تداول البيانات في القطاع البحري، وهو ما يعني وضوح آليات ووسائل استخدام بيانات الأشخاص وتوظيفها»، مشيرة إلى أن السعودية مثال ملهم في هذا الصدد. وأكد المدير التنفيذي للتقنية في «أكساجون نيوم»، أليسيو جاروفال على أن الشفافية أمر بالغ الأهمية للرقمنة في القطاع البحري، وتعزز من تحكم المستخدمين ببياناتهم، كما تعزز من الحلول الرقمية التي يتم تطويرها لهم.

