متى تستثمر أفريقيا ثرواتها وتقود العالم؟

تمتلك نصف احتياطي الذهب في العالم و12% من النفط و32% ثروة معدنية

عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)
عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)
TT

متى تستثمر أفريقيا ثرواتها وتقود العالم؟

عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)
عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)

تتلقى القارة الأفريقية الضربة تلو الأخرى من الخارج والداخل، لتكون الأكثر تأثرا بالأحداث والتغيرات العالمية التي تتسارع حول العالم، سواء كان ذلك جيوسياسياً أو اقتصادياً، مما وضعها كأفقر قارة في العالم.

تعاني الدول الأفريقية كثيراً مع كل تغير إقليمي أو عالمي، كان آخرها تفشي جائحة «كورونا»، مع تأثر سلاسل الإمدادات العالمية، والتي زادت نسبة الجوع في أفريقيا بنحو 20 في المائة إلى 230 مليونا يعانون من سوء التغذية في القارة، وفق برنامج الغذاء العالمي.

بينما يرى الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، أكبر شبكة إنسانية في العالم، أن أفريقيا، تشهد واحدة من أكثر الأزمات الغذائية إثارة للقلق منذ عقود، ووصفتها بأنها «هائلة من حيث شدّتها ونطاقها الجغرافي». وتقول عبر موقعها: «يعاني حوالي 146 مليون شخص من انعدام حاد للأمن الغذائي، وهم بحاجة إلى مساعدة إنسانية طارئة».

ومع اختلاف عدد الجوعى في القارة وتضارب الأرقام، إلا أن الجميع يتفق على أن هناك أزمة حقيقية، ناتجة من عوامل محلّية وعالمية عدّة أوصلت إليها، بما في ذلك انعدام الأمن والنزاع المسلّح، والأحداث الجويّة القاسية، والتقلّب المناخي، والآثار السلبية على الاقتصاد الكلّي.

كل هذا رغم أن أفريقيا، البالغ عدد دولها 54 دولة، تمتلك نحو 60 في المائة من مساحة الأرض الزراعية الصالحة للزراعة في العالم، وتمثل حرفة الزراعة والري 80 في المائة من حرف شعوب القارة، بالإضافة إلى العمل في الغابات والثروة الطبيعية.

يصل حجم السوق الأفريقية إلى نحو 1.3 مليار نسمة، وهي سوق استهلاكية بالدرجة الأولى، 60 في المائة من ثروتها البشرية في سن الشباب، مما تعد فرصة حقيقية للشركات والمصانع والقطاعات الإنتاجية بكل أنواعها.

تمتلك دول القارة نحو نصف احتياطي الذهب في العالم، الذي يتركز في السودان وغانا وزامبيا ونيجيريا وزيمبابوي ومصر، ونحو 12 إلى 15 في المائة من احتياطي النفط العالمي، بالإضافة إلى 32 في المائة من احتياطي الثروة المعدنية في العالم.

ووفقاً للأمم المتحدة، فإن أفريقيا موطن لنحو 8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم. كما تمتلك أفريقيا ثلث جميع المعادن في العالم، وأنتجت في عام 2019 ما يقرب من مليار طن من المعادن بقيمة 406 مليارات دولار.

تعطي هذه المعطيات والبيانات المقتضبة عن القارة إجابات شافية عما يحدث في القارة داخلياً، ومحاولات التدخل خارجياً. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: متى تنتهز القارة الأفريقية الفرصة وتستقل بقراراتها وتستثمر مواردها وتعيش برفاهية لا سيما مع تسارع الدول الغربية، أميركا وأوروبا والصين، لحجز نصيب لها في موارد القارة؟

مع الإشارة هنا إلى أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة كثيراً بوصفها لاعبا اقتصاديا في أفريقيا. فهي أكبر شريك تجاري ثنائي الاتجاه لأفريقيا، حيث بلغ حجم التجارة بينهما 254 مليار دولار في عام 2021، متجاوزة بذلك بأربعة أضعاف حجم التجارة بين الولايات المتحدة وأفريقيا. كما أن الصين هي أكبر مزود للاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تدعم مئات الآلاف من الوظائف الأفريقية.

مؤخراً، حصلت تغيرات جيوسياسية في أفريقيا، السودان ثم مالي ثم النيجر والغابون، وكلها ستؤثر على العالم الخارجي لا محالة، إذ إن أي تغيرات داخلية من شأنها أن ترفع أسعار المعادن والموارد الطبيعية التي تصدرها هذه الدول بأسعار تحددها الدول الأجنبية مسبقاً، وتستوردها في شكلها الخام. وقد تساهم في إبقاء معدلات التضخم مرتفعة لفترة من الزمن حتى يعود الاستقرار من جديد.

موارد القارة الأفريقية الطبيعية

-الذهب: تمتلك القارة 40 - 50 في المائة من احتياطي الذهب في العالم، الذي يتركز في السودان وغانا وزامبيا ونيجيريا وزيمبابوي ومصر.

ووفق دراسات، فإن خرائط مناجم الذهب في أفريقيا، كشفت عن صراعات محلية ودولية سُميت بالوريد الصحراوي للذهب، المكتشف عام 2012، والممتد من السودان شرق القارة إلى موريتانيا في أقصى غربها.

ومالي، التي شهدت انقلاباً عسكرياً مؤخراً، هي ثالث منتج للذهب في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا وغانا. ووفقا لإحصاءات رسمية، فإن أغلب عمليات استخراج الذهب تقوم بها شركات متعددة الجنسيات.

زاد الإنتاج الصناعي للذهب في مالي بنسبة 4 في المائة عام 2022 ليصل إلى 66.2 طن، مقابل 63.4 طن في عام 2021، ووفق وزارة المناجم، فإن المعدن الأصفر يدر 400 مليون يورو سنويا، وهو ما يمثل 75 في المائة من صادراتها و25 في المائة من موازنتها.

-اليورانيوم: أفريقيا لديها رواسب معدنية كبيرة، بما في ذلك اليورانيوم.

والنيجر، التي شهدت هي الأخرى انقلاباً عسكرياً مؤخراً، هي سابع أكبر منتج لليورانيوم في العالم، وفقا للجمعية النووية العالمية.

والمعدن المشع هو الوقود الأكثر استخداماً للطاقة النووية. كما أنه يستخدم في علاج السرطان، للدفع البحري، وفي الأسلحة النووية.

وقد أنتجت النيجر، التي تمتلك أعلى خامات اليورانيوم في أفريقيا، 2020 طناً مترياً من اليورانيوم في عام 2022، أي حوالي 5 في المائة من إنتاج التعدين العالمي، وفقاً للجمعية النووية العالمية. وانخفض هذا من 2991 طناً في عام 2020.

ولدى النيجر عملية تعدين رئيسية واحدة في الشمال تديرها «أورلاندو» المملوكة لفرنسا، وهو منجم رئيسي آخر أغلق في عام 2021، مع واحد قيد التطوير.

-الكوبالت: تحتوي جمهورية الكونغو الديمقراطية على كميات ضخمة من الكوبالت، ومنها يتم إنتاج 50 في المائة على الأقل من خام الكوبالت الموجود في أسواق العالم.

ويحظى هذا المعدن بأهمية كبيرة لاستخدامه في بطاريات الهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة الإلكترونية والسيارات الكهربائية، كما يستعمل في اللوحات الرقمية.

وقد بات محط اهتمام كبريات الشركات التقنية في العالم، إذ يرتبط به مستقبل قطاع الاتصالات.

-الكروم: جنوب أفريقيا هي موطن للغالبية العظمى من رواسب الكروم في العالم، وهي أكبر منتج للفيروكروم والكروم. ويعتمد الكثير من البلدان على جنوب أفريقيا لواردات الكروم.

وقد أنتجت جنوب أفريقيا 18 مليون طن متري من الكروم في عام 2022، وارتفع إنتاج البلاد بشكل كبير منذ عام 2020 حين كان يبلغ 13.2 مليون طن متري، ويستمر في التغلب على بقية منتجي الكروم في العالم بهامش واسع.

والكروم هو معدن رمادي صلب وهش مع نقطة انصهار عالية ومقاومة للتآكل، وهذه الخصائص تجعله عنصراً أساسياً في إنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ.

ويبيع منتجو الكروم حوالي 60 في المائة من إنتاجهم لصناعة الصلب في الأساس، ويتم استخدام الكروم لإنتاج الفيروكروم، والذي يستخدم بعد ذلك في صناعة الفولاذ.

وتعد الصين أكبر مستهلك للكروم في العالم، وكذلك أكبر منتج للفولاذ المقاوم للصدأ. ولدى الصين أيضا خيارات محدودة فيما يتعلق بواردات الكروم، يظهر أحدث تقرير للمسح الجيولوجي الأميركي عن الكروم أن خمس دول فقط أنتجت المعدن في عام 2022.

-المنغنيز: تعتبر جنوب أفريقيا أكبر منتج للمنغنيز في العالم، حيث تمثل 33.5 في المائة من الإنتاج العالمي. ويبلغ إنتاجها السنوي من المنغنيز 6.2 مليون طن، وتتركز غالبية تعدين المنغنيز في صحراء كالاهاري، التي يعتقد أنها تمتلك أكثر من 70 في المائة من الاحتياطيات العالمية.

يستخدم المنغنيز، وهو مادة خام مهمة في صناعة الحديد والصلب، في تقوية الفولاذ ومنعه من الصدأ.

كما يستخدم في بطاريات الخلايا الجافة، وفي تشكيل كثير من السبائك، وفي الصناعات الكيميائية والزجاجية والكهربائية.

-التعدين: أفريقيا هي القارة الثانية في صناعة التعدين، فمساحة القارة تقدّر بـ 30 مليون كيلومتر مربع؛ مما يعني وجود كميات كبيرة من المواد الخام.

تهيمن كل من جنوب أفريقيا وموريتانيا والجزائر على إنتاج خام الحديد في أفريقيا.

وتنتج القارة نحو 12 - 15 في المائة من احتياطي النفط العالمي، أبرزها نيجيريا والغابون، التي شهدت انقلابا عسكريا الأربعاء.

جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة

يرى رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، الدكتور يسري الشرقاوي، أن فلسفة إدارة الاقتصاد العالمي تضع القارة الأفريقية في مكانة محدودة بالنظر إلى مواردها الطبيعية الغنية، وهو الأمر الذي يثير حفيظة شعوب القارة، التي بدأت بعض دولها تنتفض من حيث زيادة عدد المتعلمين والمطالبين بالتغيير.

قال الشرقاوي لـ«الشرق الأوسط»، إن «جزءاً من خطة وضعتها بعض الدول المتقدمة، تعتمد منهجيتها على الحصول على موارد القارة الأفريقية بأسعار زهيدة، وهو ما يتطلب إبقاء الوضع الاقتصادي لهذه الدول على ما هو عليه، لأنه ببساطة في حال استثمرت الدول الأفريقية مواردها وبدأت تصديرها في شكل منتج نهائي وليس في صورة خام، فسترتفع الأسعار على الدول المتقدمة ويزيد التضخم، وتقل رفاهيتهم، فرفاهية الدول المتقدمة تعتمد على فقر أفريقيا».

وعن مدى إمكانية استمرار هذه السياسات، أوضح الشرقاوي: «صعب... لبنة التغيير في القارة بدأت...».


مقالات ذات صلة

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

العالم العربي عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

تحركات رئاسية جديدة في الصومال تجاه حركة «الشباب» المتشددة، بإعلان العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوفها، حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أثناء كلمته في احتفال تأسيس القوات الخاصة الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

تحليل إخباري إثيوبيا «الحبيسة» توسع تدريبها العسكري بـ«قدرات بحرية»... لأي معارك تتحضر؟

يثير توسع إثيوبيا في تعزيز قدراتها العسكرية، وخصوصاً «البحرية»، تساؤلات حول المعارك والصراعات التي تستعد لها أديس أبابا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي وزير رئاسة جمهورية أرض الصومال خضر حسين عبدي يقف أمام شهادة مؤطرة تحتوي على إعلان موقع من إسرائيل بالاعتراف بأرض الصومال كدولة (أ.ف.ب)

«أرض الصومال» يعرض على أميركا حقوقاً حصرية في المناجم وقواعد

دعا إقليم «أرض الصومال»، واشنطن لنيل حقوق حصرية في مجال المناجم والمعادن وبناء قاعدة عسكرية لديه، وذلك في إطار تحركات لتعزيز زخم الاعتراف مع إسرائيل.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس التركي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

الصومال لاحتواء انتقادات شعبية لعلاقاته مع تركيا

قوبل التعاون المتنامي بين مقديشو وأنقرة بانتقادات داخلية في الصومال حول «استفادة أحادية» من الجانب التركي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الصومالي استقبل الخميس مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

«الحوار الصومالي»... مساعٍ رئاسية لحل الخلافات مع المعارضة

توجت مساعٍ رئاسية جديدة في الصومال لحل الأزمة السياسية مع المعارضة، الخميس، بلقاء في قصر الرئاسة بحث قضايا عديدة، أبرزها الخلافات المتعلقة بالانتخابات المباشرة.

محمد محمود (القاهرة )

المجلس الاقتصادي السعودي يستعرض المستجدات الوطنية والعالمية

توجيه الإنفاق نحو البرامج والمشاريع التنموية ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي (واس)
توجيه الإنفاق نحو البرامج والمشاريع التنموية ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي (واس)
TT

المجلس الاقتصادي السعودي يستعرض المستجدات الوطنية والعالمية

توجيه الإنفاق نحو البرامج والمشاريع التنموية ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي (واس)
توجيه الإنفاق نحو البرامج والمشاريع التنموية ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي (واس)

استعرض «مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية» السعودي، تقريراً تضمن مستجدات الاقتصاد العالمي، وتأثير التحديات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية في آفاق النمو العالمي، وذلك خلال اجتماعٍ عبر الاتصال المرئي، حسبما نشرت وكالة الأنباء الرسمية «واس»، فجر الخميس.

وتناول التقرير الربعي المُقدّم من وزارة الاقتصاد والتخطيط، آخر التطورات المتعلقة بالاقتصاد الوطني، والتوقّعات المستقبلية حتى عام 2027، مبرزاً المرونة العالية التي يتمتع بها في مواجهة التحديات العالمية، وما تشير إليه مختلف الإحصائيات والمؤشرات الاقتصادية من نموٍ لافتٍ يرسخ مكانة السعودية من بين أسرع الاقتصادات نمواً واستقراراً في العالم.

واطّلع المجلس على تقرير أداء الميزانية العامة للدولة للربع الرابع من العام المالي 2025، المُقدّم من وزارة المالية، الذي تضمّن عرضاً شاملاً للأداء المالي خلال الفترة، مُتضمِّناً تطورات الإيرادات والمصروفات، ومستويات الدين العام، وتحليلاً للمتغيرات الاقتصادية المحلية والعالمية وانعكاساتها على المؤشرات المالية.

وأظهرت نتائج التقرير استمرار تبنّي سياسة مالية متوازنة ومرنة، تدعم النمو الاقتصادي وتعزز الاستدامة المالية على المديين المتوسط والطويل، عبر توظيف أدوات مالية تتسم بالانضباط والكفاءة، ومواصلة الإنفاق المعاكس للدورة الاقتصادية، مع توجيهه نحو البرامج والمشاريع التنموية ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي، بما يسهم في تحسين جودة الخدمات العامة، وتحفيز الاستثمار، وترسيخ متانة المالية العامة.

وناقش المجلس عدة معاملات إجرائية، من بينها مشروع نظام «المنافسات والمشتريات الحكومية»، و«الفضاء»، وإحاطة لما تم حيال تكليف مجلس شؤون الجامعات بتحديث الأنظمة اللازمة لحوكمة الجامعات والكليات الصحية الحكومية والأهلية والإشراف عليها ومتابعتها دورياً، وتحديث عمليات الامتثال في الجامعات والكليات الصحية الحكومية والأهلية بناءً على معايير الجودة المعتمدة من مجلس شؤون الجامعات.

كما أحيط بنتائج التقرير الربعي للرقم القياسي لأسعار العقارات، وملخصين عن التقريرين الشهريين للرقم القياسي لأسعار المستهلك وأسعار الجملة، والتقارير الأساسية التي بُنيت عليها الملخصات. واتخذ المجلس حيال تلك الموضوعات القرارات والتوصيات اللازمة.


قلق في مصر من تحرك مفاجئ للدولار

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية- أ.ب)
مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية- أ.ب)
TT

قلق في مصر من تحرك مفاجئ للدولار

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية- أ.ب)
مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية- أ.ب)

بعد أشهر من الخفوت، عاد الدولار ليصبح حديث المصريين وخبراء الاقتصاد الذين يتتبعون صعوده الأخير بعد أن تخطى حاجز 48 جنيهاً لأول مرة منذ 5 أشهر، وهو ما أثار قلق البعض جراء التحركات الأخيرة التي بدت مفاجئة، في ظل ارتفاع الاحتياطي النقدي من العملة الأجنبية، والارتفاع القياسي في تحويلات المصريين من الخارج.

وسجل الدولار لدى البنوك المصرية، الأربعاء، ارتفاعاً ملحوظاً بنحو 23 قرشاً، ما أرجعه خبراء اقتصاديون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى خروج بعض استثمارات «أذون الخزانة المحلية» بالبورصة، بسبب خفض الفائدة، ومخاوف من زيادة التوترات الجيوسياسية مع احتمالات نشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران، وارتفاع الطلب على العملة الصعبة.

وارتفع الجنيه أمام الدولار بنحو 6.2 في المائة خلال عام 2025، وفقاً لبيانات «البنك المركزي»، وهو ما جعل حسن أحمد (موظف في الخمسينات من عمره) ينتظر أن ينعكس ذلك على أسعار السلع، وبخاصة التي يتم استيرادها من الخارج، غير أنه مع التراجع الأخير للجنيه تبددت آماله، ويخشى أن يكون أمام قفزات جديدة في الأسعار مع ضعف الرقابة على الأسواق.

ويشير حسن، الذي يسكن في حي إمبابة الشعبي بمحافظة الجيزة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه مع دخول شهر رمضان شهدت الأسعار ارتفاعاً في وقت كان الجنيه مستقراً أمام الدولار، مضيفاً: «الآن أتوقع ارتفاعات أخرى يمكن أن تجد صدى مع عيد الفطر»، لكنه في الوقت ذاته يثق في قدرة الحكومة على الحفاظ على معدلات مستقرة للجنيه دون أن يتعرض لتراجعات عنيفة.

وارتفع احتياطي النقد الأجنبي في مصر إلى 52.594 مليار دولار بنهاية شهر يناير (كانون الثاني) الماضي من 51.452 مليار دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وفقاً لبيانات «البنك المركزي» المصري.

وسجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال عام 2025 تدفقات قياسية تعد الأعلى تاريخياً على الإطلاق، حيث ارتفعت بمعدل 40.5 في المائة لتصل إلى نحو 41.5 مليار دولار (مقابل نحو 29.6 مليار دولار خلال العام السابق 2024).

لكن هذه المؤشرات الإيجابية كانت دافعاً نحو تساؤل البعض على مواقع التواصل الاجتماعي عن «أسباب تراجع الجنيه في ظل ارتفاعات تحويلات المغتربين القياسية»، فيما طالب آخرون الحكومة «بإدارة متوازنة ومرنة للسياسات النقدية، ووضع قواعد تضمن استقرار الأسعار، والسيطرة على التضخم، ولا تتأثر كثيراً بتغير سعر الصرف».

وسجلت مبيعات من عرب وأجانب جزءاً من استثماراتهم في أذون الخزانة المحلية (الأموال الساخنة) بنحو 1.2 مليار دولار بالسوق الثانوية منذ بداية الأسبوع الحالي، بحسب بيانات البورصة المصرية، ما تسبب في زيادة الضغط على العملة المصرية.

مخاوف في مصر من تراجع الجنيه مجدداً أمام الدولار (الشرق الأوسط)

ويرى الخبير الاقتصادي تامر النحاس أن الحكومة أمام أول اختبار حقيقي في أعقاب قرار «البنك المركزي» خفض أسعار الفائدة، وهو ما تسبب في أن يفقد الجنيه 100 قرش من قيمته في غضون أسبوع واحد، وبعد أن تمت عملية سحب بعض «الأموال الساخنة»، تعرض الجنيه لمزيد من التراجع، مشيراً إلى أن الانخفاض الحالي يرجع أيضاً إلى أن بعض الشركات «تقوم بترحيل أرباحها السنوية إلى خارج مصر، وهو ما تسبب في ضغط إضافي على العملة الصعبة».

وفي مطلع الشهر الجاري خفض «البنك المركزي» أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس، خلال أول اجتماع للجنة السياسة النقدية في 2026، وذلك للمرة السادسة خلال آخر 10 أشهر.

وأوضح النحاس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة في مواجهة أول طلب متزايد على الدولار منذ عدة أشهر، وأن تراجع الجنيه ليس إيجابياً، لأنه يبرهن على أن أخطاء الاعتماد على «الأموال الساخنة» و«ودائع الدول الخليجية في البنوك» ما زالت سائدة لتقويم الجنيه، ما يخلق حالة من القلق الممزوجة بمخاوف من اندلاع حرب وشيكة بين الولايات المتحدة وإيران.

ولا يعتقد الخبير الاقتصادي أن الجنيه يواجه أزمة يمكن أن تتسبب في موجه تضخمية الآن، لكنه يتوقع حدوث ذلك في حال نشوب حرب أميركية - إيرانية، قائلاً: «المخاوف تبقى من هروب جماعي (للأموال الساخنة)، أو في حال حدث تقييد لتحويلات المصريين من الخارج، أو تأثر السياحة وقناة السويس سلباً، جرّاء اندلاع حرب جديدة في المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران».

ومع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022، شهدت السوق المصرية، موجة خروج رؤوس الأموال الأجنبية بقيمة 20 مليار دولار من السوق، حسبما أعلنت وزارة المالية في ذلك الوقت.

وتعتمد الحكومة المصرية بشكل كبير على «الأموال الساخنة»، حيث وصل رصيد استثمارات الأجانب بأدوات الدين 40 مليار دولار نهاية العام الماضي، وفق تأكيد نشرة «إنتربرايز» المحلية 13 يناير الماضي.

لكن في المقابل، يؤكد الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الجنيه تعرض لـ«تراجع طفيف» لن يؤثر على إجمالي أدائه أمام العملات الأجنبية، لتبقى المرحلة الحالية بمثابة تصحيح للأوضاع، وليس تراجعاً مستمراً بعد أن حافظ على أداء إيجابي مقابل العملات الأجنبية خلال العام الماضي، ومنذ تحرير سعر الصرف في عام 2024.

وتترقب مصر موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على التقرير الذي أعده خبراء البعثة عن المراجعتين الخامسة، والسادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، ما يوفر لمصر تسلم نحو 2.4 مليار دولار قيمة الشريحتين.

ويرى الشافعي أن صرف الشريحتين «سيكون دافعاً نحو حفاظ الجنيه على تماسكه في مقابل الدولار، ودلالة على أن الحكومة المصرية نفذت العديد من الإصلاحات الاقتصادية، وهو ما يساعد على جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية».


ارتفاع مخزونات النفط الأميركية بأكثر من التوقعات وانخفاض البنزين

صهاريج تخزين في مصفاة بومونت لتكرير النفط في بومونت بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
صهاريج تخزين في مصفاة بومونت لتكرير النفط في بومونت بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
TT

ارتفاع مخزونات النفط الأميركية بأكثر من التوقعات وانخفاض البنزين

صهاريج تخزين في مصفاة بومونت لتكرير النفط في بومونت بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
صهاريج تخزين في مصفاة بومونت لتكرير النفط في بومونت بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، ارتفاع مخزونات النفط الخام ونواتج التقطير في الولايات المتحدة، بينما انخفضت مخزونات البنزين خلال الأسبوع الماضي.

وذكرت الإدارة في تقريرها الذي يحظى بمتابعة واسعة من السوق، أن مخزونات النفط الخام ارتفعت بمقدار 16 مليون برميل لتصل إلى 435.8 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 20 فبراير (شباط)، مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته «رويترز»، بارتفاع قدره 1.5 مليون برميل.

وأضافت الإدارة أن مخزونات النفط الخام في مركز التوزيع في كوشينغ، أوكلاهوما، ارتفعت بمقدار 881 ألف برميل.

وانخفضت عمليات تكرير النفط الخام في المصافي بمقدار 416 ألف برميل يومياً.

وانخفضت معدلات تشغيل المصافي بمقدار 2.4 نقطة مئوية خلال الأسبوع لتصل إلى 88.6 في المائة.

وأعلنت الإدارة، انخفاض مخزونات البنزين في الولايات المتحدة بمقدار مليون برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 254.8 مليون برميل، مقارنة بالتوقعات بانخفاض قدره 560 ألف برميل.

وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة، ارتفاع مخزونات نواتج التقطير (المشتقات النفطية)، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، بمقدار 252 ألف برميل خلال الأسبوع الماضي، لتصل إلى 120.4 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاض قدره 1.6 مليون برميل.

وذكرت إدارة معلومات الطاقة، أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع الأسبوع الماضي بمقدار 412 ألف برميل يومياً، ليصل إلى 2.35 مليون برميل يومياً.