متى تستثمر أفريقيا ثرواتها وتقود العالم؟

تمتلك نصف احتياطي الذهب في العالم و12% من النفط و32% ثروة معدنية

عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)
عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)
TT

متى تستثمر أفريقيا ثرواتها وتقود العالم؟

عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)
عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)

تتلقى القارة الأفريقية الضربة تلو الأخرى من الخارج والداخل، لتكون الأكثر تأثرا بالأحداث والتغيرات العالمية التي تتسارع حول العالم، سواء كان ذلك جيوسياسياً أو اقتصادياً، مما وضعها كأفقر قارة في العالم.

تعاني الدول الأفريقية كثيراً مع كل تغير إقليمي أو عالمي، كان آخرها تفشي جائحة «كورونا»، مع تأثر سلاسل الإمدادات العالمية، والتي زادت نسبة الجوع في أفريقيا بنحو 20 في المائة إلى 230 مليونا يعانون من سوء التغذية في القارة، وفق برنامج الغذاء العالمي.

بينما يرى الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، أكبر شبكة إنسانية في العالم، أن أفريقيا، تشهد واحدة من أكثر الأزمات الغذائية إثارة للقلق منذ عقود، ووصفتها بأنها «هائلة من حيث شدّتها ونطاقها الجغرافي». وتقول عبر موقعها: «يعاني حوالي 146 مليون شخص من انعدام حاد للأمن الغذائي، وهم بحاجة إلى مساعدة إنسانية طارئة».

ومع اختلاف عدد الجوعى في القارة وتضارب الأرقام، إلا أن الجميع يتفق على أن هناك أزمة حقيقية، ناتجة من عوامل محلّية وعالمية عدّة أوصلت إليها، بما في ذلك انعدام الأمن والنزاع المسلّح، والأحداث الجويّة القاسية، والتقلّب المناخي، والآثار السلبية على الاقتصاد الكلّي.

كل هذا رغم أن أفريقيا، البالغ عدد دولها 54 دولة، تمتلك نحو 60 في المائة من مساحة الأرض الزراعية الصالحة للزراعة في العالم، وتمثل حرفة الزراعة والري 80 في المائة من حرف شعوب القارة، بالإضافة إلى العمل في الغابات والثروة الطبيعية.

يصل حجم السوق الأفريقية إلى نحو 1.3 مليار نسمة، وهي سوق استهلاكية بالدرجة الأولى، 60 في المائة من ثروتها البشرية في سن الشباب، مما تعد فرصة حقيقية للشركات والمصانع والقطاعات الإنتاجية بكل أنواعها.

تمتلك دول القارة نحو نصف احتياطي الذهب في العالم، الذي يتركز في السودان وغانا وزامبيا ونيجيريا وزيمبابوي ومصر، ونحو 12 إلى 15 في المائة من احتياطي النفط العالمي، بالإضافة إلى 32 في المائة من احتياطي الثروة المعدنية في العالم.

ووفقاً للأمم المتحدة، فإن أفريقيا موطن لنحو 8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم. كما تمتلك أفريقيا ثلث جميع المعادن في العالم، وأنتجت في عام 2019 ما يقرب من مليار طن من المعادن بقيمة 406 مليارات دولار.

تعطي هذه المعطيات والبيانات المقتضبة عن القارة إجابات شافية عما يحدث في القارة داخلياً، ومحاولات التدخل خارجياً. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: متى تنتهز القارة الأفريقية الفرصة وتستقل بقراراتها وتستثمر مواردها وتعيش برفاهية لا سيما مع تسارع الدول الغربية، أميركا وأوروبا والصين، لحجز نصيب لها في موارد القارة؟

مع الإشارة هنا إلى أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة كثيراً بوصفها لاعبا اقتصاديا في أفريقيا. فهي أكبر شريك تجاري ثنائي الاتجاه لأفريقيا، حيث بلغ حجم التجارة بينهما 254 مليار دولار في عام 2021، متجاوزة بذلك بأربعة أضعاف حجم التجارة بين الولايات المتحدة وأفريقيا. كما أن الصين هي أكبر مزود للاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تدعم مئات الآلاف من الوظائف الأفريقية.

مؤخراً، حصلت تغيرات جيوسياسية في أفريقيا، السودان ثم مالي ثم النيجر والغابون، وكلها ستؤثر على العالم الخارجي لا محالة، إذ إن أي تغيرات داخلية من شأنها أن ترفع أسعار المعادن والموارد الطبيعية التي تصدرها هذه الدول بأسعار تحددها الدول الأجنبية مسبقاً، وتستوردها في شكلها الخام. وقد تساهم في إبقاء معدلات التضخم مرتفعة لفترة من الزمن حتى يعود الاستقرار من جديد.

موارد القارة الأفريقية الطبيعية

-الذهب: تمتلك القارة 40 - 50 في المائة من احتياطي الذهب في العالم، الذي يتركز في السودان وغانا وزامبيا ونيجيريا وزيمبابوي ومصر.

ووفق دراسات، فإن خرائط مناجم الذهب في أفريقيا، كشفت عن صراعات محلية ودولية سُميت بالوريد الصحراوي للذهب، المكتشف عام 2012، والممتد من السودان شرق القارة إلى موريتانيا في أقصى غربها.

ومالي، التي شهدت انقلاباً عسكرياً مؤخراً، هي ثالث منتج للذهب في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا وغانا. ووفقا لإحصاءات رسمية، فإن أغلب عمليات استخراج الذهب تقوم بها شركات متعددة الجنسيات.

زاد الإنتاج الصناعي للذهب في مالي بنسبة 4 في المائة عام 2022 ليصل إلى 66.2 طن، مقابل 63.4 طن في عام 2021، ووفق وزارة المناجم، فإن المعدن الأصفر يدر 400 مليون يورو سنويا، وهو ما يمثل 75 في المائة من صادراتها و25 في المائة من موازنتها.

-اليورانيوم: أفريقيا لديها رواسب معدنية كبيرة، بما في ذلك اليورانيوم.

والنيجر، التي شهدت هي الأخرى انقلاباً عسكرياً مؤخراً، هي سابع أكبر منتج لليورانيوم في العالم، وفقا للجمعية النووية العالمية.

والمعدن المشع هو الوقود الأكثر استخداماً للطاقة النووية. كما أنه يستخدم في علاج السرطان، للدفع البحري، وفي الأسلحة النووية.

وقد أنتجت النيجر، التي تمتلك أعلى خامات اليورانيوم في أفريقيا، 2020 طناً مترياً من اليورانيوم في عام 2022، أي حوالي 5 في المائة من إنتاج التعدين العالمي، وفقاً للجمعية النووية العالمية. وانخفض هذا من 2991 طناً في عام 2020.

ولدى النيجر عملية تعدين رئيسية واحدة في الشمال تديرها «أورلاندو» المملوكة لفرنسا، وهو منجم رئيسي آخر أغلق في عام 2021، مع واحد قيد التطوير.

-الكوبالت: تحتوي جمهورية الكونغو الديمقراطية على كميات ضخمة من الكوبالت، ومنها يتم إنتاج 50 في المائة على الأقل من خام الكوبالت الموجود في أسواق العالم.

ويحظى هذا المعدن بأهمية كبيرة لاستخدامه في بطاريات الهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة الإلكترونية والسيارات الكهربائية، كما يستعمل في اللوحات الرقمية.

وقد بات محط اهتمام كبريات الشركات التقنية في العالم، إذ يرتبط به مستقبل قطاع الاتصالات.

-الكروم: جنوب أفريقيا هي موطن للغالبية العظمى من رواسب الكروم في العالم، وهي أكبر منتج للفيروكروم والكروم. ويعتمد الكثير من البلدان على جنوب أفريقيا لواردات الكروم.

وقد أنتجت جنوب أفريقيا 18 مليون طن متري من الكروم في عام 2022، وارتفع إنتاج البلاد بشكل كبير منذ عام 2020 حين كان يبلغ 13.2 مليون طن متري، ويستمر في التغلب على بقية منتجي الكروم في العالم بهامش واسع.

والكروم هو معدن رمادي صلب وهش مع نقطة انصهار عالية ومقاومة للتآكل، وهذه الخصائص تجعله عنصراً أساسياً في إنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ.

ويبيع منتجو الكروم حوالي 60 في المائة من إنتاجهم لصناعة الصلب في الأساس، ويتم استخدام الكروم لإنتاج الفيروكروم، والذي يستخدم بعد ذلك في صناعة الفولاذ.

وتعد الصين أكبر مستهلك للكروم في العالم، وكذلك أكبر منتج للفولاذ المقاوم للصدأ. ولدى الصين أيضا خيارات محدودة فيما يتعلق بواردات الكروم، يظهر أحدث تقرير للمسح الجيولوجي الأميركي عن الكروم أن خمس دول فقط أنتجت المعدن في عام 2022.

-المنغنيز: تعتبر جنوب أفريقيا أكبر منتج للمنغنيز في العالم، حيث تمثل 33.5 في المائة من الإنتاج العالمي. ويبلغ إنتاجها السنوي من المنغنيز 6.2 مليون طن، وتتركز غالبية تعدين المنغنيز في صحراء كالاهاري، التي يعتقد أنها تمتلك أكثر من 70 في المائة من الاحتياطيات العالمية.

يستخدم المنغنيز، وهو مادة خام مهمة في صناعة الحديد والصلب، في تقوية الفولاذ ومنعه من الصدأ.

كما يستخدم في بطاريات الخلايا الجافة، وفي تشكيل كثير من السبائك، وفي الصناعات الكيميائية والزجاجية والكهربائية.

-التعدين: أفريقيا هي القارة الثانية في صناعة التعدين، فمساحة القارة تقدّر بـ 30 مليون كيلومتر مربع؛ مما يعني وجود كميات كبيرة من المواد الخام.

تهيمن كل من جنوب أفريقيا وموريتانيا والجزائر على إنتاج خام الحديد في أفريقيا.

وتنتج القارة نحو 12 - 15 في المائة من احتياطي النفط العالمي، أبرزها نيجيريا والغابون، التي شهدت انقلابا عسكريا الأربعاء.

جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة

يرى رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، الدكتور يسري الشرقاوي، أن فلسفة إدارة الاقتصاد العالمي تضع القارة الأفريقية في مكانة محدودة بالنظر إلى مواردها الطبيعية الغنية، وهو الأمر الذي يثير حفيظة شعوب القارة، التي بدأت بعض دولها تنتفض من حيث زيادة عدد المتعلمين والمطالبين بالتغيير.

قال الشرقاوي لـ«الشرق الأوسط»، إن «جزءاً من خطة وضعتها بعض الدول المتقدمة، تعتمد منهجيتها على الحصول على موارد القارة الأفريقية بأسعار زهيدة، وهو ما يتطلب إبقاء الوضع الاقتصادي لهذه الدول على ما هو عليه، لأنه ببساطة في حال استثمرت الدول الأفريقية مواردها وبدأت تصديرها في شكل منتج نهائي وليس في صورة خام، فسترتفع الأسعار على الدول المتقدمة ويزيد التضخم، وتقل رفاهيتهم، فرفاهية الدول المتقدمة تعتمد على فقر أفريقيا».

وعن مدى إمكانية استمرار هذه السياسات، أوضح الشرقاوي: «صعب... لبنة التغيير في القارة بدأت...».


مقالات ذات صلة

مصر تشدد على وحدة الصومال وتُحذر من زعزعة استقرار «القرن الأفريقي»

العالم العربي وزير الخارجية المصري يلتقي الممثل الشخصي لسكرتير عام حلف «الناتو» لشؤون الجوار الجنوبي الثلاثاء (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على وحدة الصومال وتُحذر من زعزعة استقرار «القرن الأفريقي»

شددت مصر، الثلاثاء، على تمسكها بوحدة وسيادة الصومال على أراضيه، محذرةً من أن يؤدي الاعتراف إسرائيل بما يسمى "أرض الصومال"، إلى تقويض أسس الاستقرار في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيلة يستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

آبي أحمد يزور جيبوتي ويعيد الجدل بشأن «صفقة المنفذ البحري»

زار رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، جيبوتي، وركز على قضايا التجارة والخدمات اللوجيستية، وسط جدل مستمر بسبب تمسكه بحصول بلاده، الحبيسة، على منفذ بالبحر الأحمر.

محمد محمود (القاهرة)
خاص وزير الخارجية الصومالي عبد السلام علي (الخارجية الصومالية)

خاص وزير الخارجية الصومالي: أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية غير قابل للحياة

وجّه وزير الخارجية الصومالي تحذيراً واضحاً من مغبة أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية، معتبراً أن مثل هذه الخطوات غير قابلة للحياة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
أفريقيا جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

«اجتماع زامبيا» لمعالجة تراجع فرص السلام شرق الكونغو

تشهد أزمة شرق الكونغو الديمقراطية، اجتماعاً في زامبيا؛ بحثاً عن تهدئة وإمدادات إنسانية، وسط تصاعد أعمال القتال المستمر منذ العام الماضي، امتداداً لعقود من العنف

محمد محمود (القاهرة )
تحليل إخباري الرئيس الصومالي خلال استقبال رئيس الوزراء الأسبق عبدي فارح شيردون في أبريل الماضي (وكالة الأنباء الصومالية)

تحليل إخباري انطلاق مُبكر لحراك الانتخابات الرئاسية في الصومال

انطلاق مبكر لحراك الانتخابات الرئاسية بدأه رئيس الوزراء الصومالي الأسبق المعارض البارز، عبدي فرح شيردون، بعقد مؤتمر في العاصمة مقديشو.

محمد محمود (القاهرة )

المعادن الحيوية كأصول استراتيجية... السعودية تقود تحولاً جذرياً في سلاسل القيمة العالمية

جانب من مؤتمر التعدين الدولي 2026 في الرياض (الشرق الأوسط)
جانب من مؤتمر التعدين الدولي 2026 في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

المعادن الحيوية كأصول استراتيجية... السعودية تقود تحولاً جذرياً في سلاسل القيمة العالمية

جانب من مؤتمر التعدين الدولي 2026 في الرياض (الشرق الأوسط)
جانب من مؤتمر التعدين الدولي 2026 في الرياض (الشرق الأوسط)

في وقت تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية وتشتد فيه المنافسة العالمية على المعادن الحيوية، تشهد سلاسل الإمداد إعادة رسم عميقة لقواعدها التقليدية مدفوعة بارتفاع غير مسبوق في الطلب ومترافقة مع قيود متزايدة على العرض.

وفي مقابلة مع «الشرق الأوسط» على هامش فعاليات «مؤتمر التعدين الدولي»، المقام حالياً في الرياض، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، قدّم نيكولاس لانغ، المدير الإداري والشريك في مجموعة بوسطن الاستشارية ومدير مركز الأبحاث الفكري ونائب الرئيس العالمي في الميزة التنافسية العالمية، إلى جانب مارسِن ليتش، المدير الإداري والشريك في المجموعة، قراءة معمقة لمشهد المعادن الحيوية عالمياً، ودور الذكاء الاصطناعي، وموقع السعودية في هذه السلاسل، إضافة إلى أبرز المخاطر والفرص التي تلوح في أفق القطاع.

سلاسل الإمداد

يرى لانغ أن سلاسل إمداد المعادن العالمية تمر بمرحلة إعادة هيكلة شاملة، نتيجة الارتفاع الحاد في الطلب على المعادن الحيوية المرتبطة بالتحول في الطاقة والكهرباء والتصنيع المتقدم، مقابل عرض يظل مقيداً هيكلياً من حيث محدوديته أو تركزه الجغرافي أو تسييسه.

ويشير إلى أن الطلب على هذه المعادن مرشح للنمو بمعدل يتراوح بين ضعفين وثلاثة أضعاف بحلول عام 2040، مدفوعاً بقطاعات المركبات الكهربائية وإنتاج البطاريات، ما يرفع الطلب على الليثيوم والنيكل والكوبالت والنحاس والعناصر الأرضية النادرة إلى مستويات تفوق بكثير الطلب الحالي.

في المقابل، يوضح لانغ أن ما بين 20 و30 في المائة من الإمدادات المستقبلية المطلوبة بحلول عام 2035 لم يتم بعد تحديدها أو تمويلها، في حين تتركز أنشطة المعالجة في عدد محدود من الدول. وقد تحول هذا التركز إلى مصدر مباشر للمخاطر الجيوسياسية، في ظل قيود تصدير فرضتها دول مثل الصين وإندونيسيا، وتصاعد النزعة القومية للموارد في أجزاء من أميركا اللاتينية.

ويضيف أن هذه العوامل غيرت نظرة المستثمرين إلى المعادن الحيوية، التي لم تعد تُعامل كسلع دورية، بل كأصول استراتيجية شديدة الحساسية للسياسات التجارية والأمنية، مع تقلبات سعرية أعلى وفترات تطوير أطول، ما يضع نماذج الجدوى التقليدية تحت ضغط متزايد.

نيكولاس لانغ المدير الإداري والشريك في «مجموعة بوسطن الاستشارية» ومدير مركز الأبحاث الفكري ونائب الرئيس العالمي في الميزة التنافسية العالمية (الشرق الأوسط)

الذكاء الاصطناعي

حول دور الذكاء الاصطناعي، يؤكد لانغ أنه أصبح أحد أبرز عوامل التمكين في سباق المعادن الحيوية، في ظل الضغوط المتزامنة لتوسيع قاعدة المشروعات وتسريع دورات التطوير وتحسين معدلات النجاح مع السيطرة على التكاليف والمخاطر، مشيراً إلى أن نماذج التعدين التقليدية لم تعد قادرة على تلبية متطلبات الحجم والسرعة التي يفرضها التحول في مجال الطاقة.

وفي مجال الاستكشاف، يوضح أن تقنيات تعلم الآلة باتت قادرة على تحليل البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية وصور الأقمار الاصطناعية وسجلات الحفر التاريخية في آن واحد، ما يرفع معدلات نجاح الاستكشاف إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف، مع خفض ملموس في التكاليف. كما يسهم الذكاء الاصطناعي في مراحل تطوير المناجم والتشغيل عبر تحسين التصميم وتسلسل العمليات، وتقليص تجاوزات الإنفاق الرأسمالي، وتحقيق خفض في تكاليف التشغيل يتراوح بين 5 و15 في المائة.

وبحسب لانغ، فإن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة محورية في إدارة المخاطر، من خلال دمج بيانات الأسعار وسلاسل التوريد والتراخيص والمؤشرات الجيوسياسية لاختبار متانة المشروعات قبل تخصيص رأس المال. غير أنه يلفت إلى تحديات لا تزال قائمة، أبرزها تشتت البيانات، والأنظمة القديمة، ونقص المهارات، إلى جانب المخاوف التنظيمية، مؤكداً أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تتحقق إلا عند بنائه على بيانات عالية الجودة وقابلة للتكامل.

الثروات السعودية

من جانبه، يرى مارسِن ليتش أن السعودية تقف اليوم عند نقطة تحول محورية في سلاسل إمداد المعادن الحيوية عالمياً. ورغم أنها لا تعد بعد منتجاً رئيسياً لمعظم هذه المعادن، فإنها تبرز بسرعة كلاعب موثوق في بناء منظومة متكاملة للتعدين والتصنيع، تجمع بين الاستكشاف المحلي والتصنيع التنافسي والشراكات الدولية.

ويشير إلى أن المملكة تعد من بين أكبر خمسة منتجين عالميا لصخور الفوسفات، ومن بين أكبر 10 دول من حيث احتياطياته، إلى جانب امتلاكها قاعدة راسخة في البوكسيت، مع تسارع وتيرة الاستكشاف واكتشاف إمكانات واعدة في العناصر الأرضية النادرة والذهب والنحاس.

ووفق ليتش، ما يميز السعودية فعلياً هو المنظومة المتكاملة التي عملت على بنائها، مدعومة بتحسينات تنظيمية عززت الشفافية وسرعت إجراءات الترخيص وحسنت حماية المستثمرين. وقد انعكس ذلك في تصنيفات دولية، من بينها تقرير معهد «فريزر»، الذي أشار إلى تحسن ملحوظ في موقع المملكة على مؤشر تصورات السياسات.

مارسِن ليتش المدير الإداري والشريك في «مجموعة بوسطن الاستشارية» (الشرق الأوسط)

اقتصادياً، يلفت إلى أن السعودية تتمتع بمزايا تنافسية يصعب مجاراتها، تشمل تكاليف معالجة أقل، وتوفر طاقة منخفضة التكلفة، وبنية تحتية صناعية، وقدرة على التوسع في الإنتاج.

واستراتيجياً، لا يقتصر طموحها على التعدين، بل يمتد إلى التحول إلى مركز عالمي يربط بين موارد أفريقيا وآسيا الوسطى وقدرات المعالجة والتمويل والطلب في المراحل اللاحقة من سلسلة القيمة، مستفيدة من حياديتها الجيوسياسية وقدرتها على العمل مع شركاء من الشرق والغرب.

المخاطر والفرص

في ظل تصاعد التقلبات الجيوسياسية والمخاطر المناخية، يؤكد لانغ أن هذه العوامل لم تعد صدمات مؤقتة، بل سمات هيكلية دائمة، ما يتطلب من شركات التعدين إدماج التخطيط القائم على السيناريوهات في صلب قراراتها الاستثمارية، وبناء محافظ قادرة على الصمود عبر أصول منخفضة التكلفة ومرنة من حيث الطاقة والمعالجة واللوجيستيات، إضافة إلى تعزيز التعاون مع الحكومات عبر آليات تقاسم المخاطر.

ويرى أن الخطر الأكبر الذي واجه القطاع في عام 2025 لا يكمن في الطلب، بل في قدرة الإمدادات على مواكبته، في ظل تصاعد قيود التصدير ومتطلبات التوطين والتشدد التنظيمي. ويحذر من أن التأثير التراكمي لهذه السياسات قد يؤدي إلى نقص هيكلي في الاستثمارات وزيادة التقلبات.

في المقابل، يبرز الفرص في ظهور منظومات جديدة للمعادن، تقوم على تعاون أوثق بين الحكومات والشركات والمؤسسات المالية والمستخدمين النهائيين، بما يتيح خفض المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد. ويخلص إلى أن الفرصة الحقيقية لا تقتصر على اكتشاف رواسب جديدة، بل تكمن في بناء نماذج جديدة للتعاون عبر المناطق الجغرافية وعلى امتداد سلسلة القيمة، قادرة على إطلاق الاستثمارات وتعزيز أمن الإمدادات عالمياً.


«السعودية للكهرباء» تبدأ طرح صكوك دولية مقومة بالدولار لتعزيز استثماراتها

كابلات لنقل الكهرباء في الرياض (أ.ف.ب)
كابلات لنقل الكهرباء في الرياض (أ.ف.ب)
TT

«السعودية للكهرباء» تبدأ طرح صكوك دولية مقومة بالدولار لتعزيز استثماراتها

كابلات لنقل الكهرباء في الرياض (أ.ف.ب)
كابلات لنقل الكهرباء في الرياض (أ.ف.ب)

أعلنت الشركة السعودية للكهرباء بدء طرح صكوك ذات أولوية وغير مضمونة مقومة بالدولار الأميركي، وذلك ضمن برنامجها الدولي لإصدار الصكوك. وتأتي هذه الخطوة لتمويل مستهدفات الشركة وتوسيع قاعدة استثماراتها من خلال استقطاب المستثمرين المؤهلين في الأسواق المحلية والدولية.

تفاصيل وإطار عملية الطرح

وفقاً للبيان المنشور على موقع السوق المالية السعودية (تداول)، بدأت عملية الطرح يوم الخميس الموافق 15 يناير (كانون الثاني) 2026، ومن المتوقع أن تستمر حتى يوم الجمعة. وسيتم تنفيذ الإصدار عبر شركة ذات غرض خاص، على أن تُحدد القيمة النهائية وشروط الصكوك ومدد استحقاقها والعائد المرتبط بها بناءً على ظروف السوق السائدة خلال فترة الاكتتاب.

شروط الاكتتاب والحد الأدنى

استهدفت الشركة في إصدارها فئة المستثمرين المؤهلين داخل المملكة وخارجها، حيث حددت الحد الأدنى للاكتتاب بمبلغ 200 ألف دولار، مع إمكانية الزيادة بمضاعفات الألف دولار. كما أشارت الشركة إلى إمكانية استرداد هذه الصكوك قبل تاريخ استحقاقها في حالات معينة مفصلة في نشرة الإصدار الأساسية.

تحالف دولي لإدارة الإصدار والإدراج

لإدارة هذا الطرح الضخم، عينت «السعودية للكهرباء» قائمة واسعة من المديرين شملت مؤسسات مالية عالمية وإقليمية ومحلية، من أبرزها: «جي بي مورغان» و«إتش إس بي سي» و«بنك أوف أميركا» و«الراجحي المالية» و«الأهلي المالية» و«الإنماء المالية»، بالإضافة إلى مصارف من الإمارات والكويت والصين.

الإدراج في الأسواق العالمية

من المقرر إدراج هذه الصكوك في السوق المالية الدولية التابعة لسوق لندن للأوراق المالية. وأوضحت الشركة أن عملية الطرح والبيع ستتم خارج الولايات المتحدة فقط ولأشخاص غير أميركيين، وذلك بالاعتماد على اللائحة (S) من قانون الأوراق المالية الأميركي لعام 1933. كما أكدت الشركة التزامها بالإعلان عن أي تطورات جوهرية أخرى في حينها وفقاً للأنظمة المتبعة.


ترمب: لا خطط حالية لإقالة باول رغم التحقيقات الجنائية

ترمب وباول خلال زيارة الأول مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي للاطلاع على أعمال التأهيل (رويترز)
ترمب وباول خلال زيارة الأول مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي للاطلاع على أعمال التأهيل (رويترز)
TT

ترمب: لا خطط حالية لإقالة باول رغم التحقيقات الجنائية

ترمب وباول خلال زيارة الأول مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي للاطلاع على أعمال التأهيل (رويترز)
ترمب وباول خلال زيارة الأول مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي للاطلاع على أعمال التأهيل (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه لا ينوي حالياً إقالة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول من منصبه، وذلك في خضم ضغوط قانونية وتحقيقات تجريها وزارة العدل تتعلق بالبنك المركزي الأميركي.

وفي مقابلة مع وكالة «رويترز» يوم الأربعاء، أكد ترمب بوضوح: «ليس لدي أي خطة للقيام بذلك»، رداً على سؤال حول نيته الإطاحة بباول. ومع ذلك، وصف الرئيس الموقف الحالي بأنه حالة من «الانتظار والترقب»، مشيراً إلى أنه من السابق لأوانه تحديد الخطوات المستقبلية التي قد يتخذها كنتيجة للتحقيقات الجارية.

تحقيقات جنائية تلاحق «الفيدرالي»

تأتي هذه التصريحات بعد أن فتحت وزارة العدل تحقيقاً في عملية تجديد المقر الرئيسي للاحتياطي الفيدرالي في واشنطن، والتي تُقدر تكلفتها بنحو 2.5 مليار دولار. وكان باول قد أكد في بيان سابق تلقي الفيدرالي مذكرات استدعاء من هيئة محلفين كبرى، مع وجود تهديدات بتوجيه اتهامات جنائية تتعلق بشهادته أمام لجنة الخدمات المصرفية بمجلس الشيوخ في يونيو (حزيران) الماضي حول ميزانية التجديد.

علاقة متوترة وتاريخ من الانتقاد

على الرغم من أن ترمب هو مَن عيّن باول في منصبه عام 2017، فإن العلاقة بينهما شهدت توترات حادة؛ حيث دأب الرئيس على انتقاد سياسات باول النقدية، لا سيما فيما يخص أسعار الفائدة.

وسبق لترمب أن وصف باول بأنه «عديم الفائدة» و«شخص غبي». لكنه نفى وجود أي معرفة مسبقة لديه بالتحقيق الجنائي الذي تجريه وزارة العدل حالياً.

ختم ترمب حديثه بالإشارة إلى أن الإدارة لا تزال في مرحلة تقييم الموقف، قائلاً: «سوف نحدد ما يجب فعله، لكن لا يمكنني الخوض في ذلك الآن... الوقت لا يزال مبكراً جداً». ويترقب المستثمرون والأسواق العالمية تداعيات هذا التوتر، لما له من أثر مباشر على استقلالية القرار النقدي في الولايات المتحدة ومسار أسعار الفائدة العالمي.