الفيدرالي يصدم الجميع: طريق التضخم لا تزال طويلة

الشكوك تسبب نزفاً بصناديق الأسهم والسندات العالمية

أحد المتداولين في وول ستريت يتابع مؤشرات الأسهم بينما يتحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في بث مباشر من منتدى جاكسون هول (أ.ف.ب)
أحد المتداولين في وول ستريت يتابع مؤشرات الأسهم بينما يتحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في بث مباشر من منتدى جاكسون هول (أ.ف.ب)
TT

الفيدرالي يصدم الجميع: طريق التضخم لا تزال طويلة

أحد المتداولين في وول ستريت يتابع مؤشرات الأسهم بينما يتحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في بث مباشر من منتدى جاكسون هول (أ.ف.ب)
أحد المتداولين في وول ستريت يتابع مؤشرات الأسهم بينما يتحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في بث مباشر من منتدى جاكسون هول (أ.ف.ب)

ما إن بدأ رئيس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) كلمته في منتدى البنوك المركزية المنعقد في بلدة جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية، حتى بدأ تراجع كبير لكل من الدولار وعوائد السندات في الأسواق العالمية، فبدلا من أن يفتح بابا أمام احتمال التوقف عن التشديد النقدي، أكد أن الطريق لا يزال طويلا... ومع استمرار حديثه عن عدم اليقين، عادت الدولار والسندات إلى القفز عاليا، مع اتجاه المستثمرين لمزيد من التحوط.

وأكد باول في الخطاب الذي تمت مراقبته من كثب أن استمرار مرونة الاقتصاد الأميركي قد يتطلب مزيدا من الزيادات في أسعار الفائدة... مشيرا إلى أن الاقتصاد ينمو بشكل أسرع من المتوقع، وأن المستهلكين استمروا في الإنفاق بسرعة، وهي اتجاهات يمكن أن تبقي ضغوط التضخم مرتفعة. كما كرر تصميم بنك الاحتياطي الفيدرالي على إبقاء سعر الفائدة الرئيسي مرتفعاً حتى يتم تخفيض زيادات الأسعار إلى هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وقال باول: «نحن على استعداد لرفع أسعار الفائدة أكثر إذا كان ذلك مناسباً، ونعتزم الإبقاء على السياسة عند مستوى مقيد حتى نكون واثقين من أن التضخم يتحرك بشكل مستدام نحو هدفنا».

وقد سلط خطابه الضوء على الشكوك المحيطة بالاقتصاد، ومدى تعقيد استجابة بنك الاحتياطي الفيدرالي لها... وكان ذلك بمثابة تناقض حاد مع تصريحات جاكسون هول قبل عام، عندما حذر بصراحة وول ستريت من أن البنك المركزي سيواصل حملته المتشددة في رفع الفائدة لكبح جماح الأسعار المرتفعة، بحسب «أسوشييتد برس».

وقال باول أيضاً إن بنك الاحتياطي الفيدرالي يعتقد أن سعر الفائدة الرئيسي مرتفع بما يكفي لتقييد الاقتصاد وتهدئة النمو والتوظيف والتضخم؛ لكنه قال إنه من الصعب معرفة مدى ارتفاع تكاليف الاقتراض لتقييد الاقتصاد: «وبالتالي هناك دائما عدم يقين» حول مدى فاعلية سياسات بنك الاحتياطي الفيدرالي في خفض التضخم.

وقال باول إنه نتيجة لذلك، فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي «سيتحرك بحذر عندما نقرر ما إذا كنا سنزيد من تشديد السياسة النقدية أو - بدلاً من ذلك - نبقي سعر الفائدة ثابتاً وننتظر المزيد من البيانات».

أوضاع مربكة

ومنذ تحدث باول في مؤتمر جاكسون هول العام الماضي، رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة القياسي إلى أعلى مستوى له منذ 22 عاما عند 5.4 في المائة. ومن ذروة بلغت 9.1 في المائة في يونيو (حزيران) 2022، تباطأ التضخم إلى 3.2 في المائة الشهر الماضي، وإن كان لا يزال أعلى من هدف بنك الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة.

لكن معدلات القروض المرتفعة بشكل كبير جعلت من الصعب على الأميركيين شراء منزل أو سيارة أو تمويل الشركات للتوسعات. ولا تزال عناصر مثل الإيجار ووجبات المطاعم والخدمات الأخرى أكثر تكلفة. وظل التضخم «الأساسي»، الذي يستثني أسعار المواد الغذائية والطاقة المتقلبة، مرتفعا على الرغم من قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة 11 مرة ابتداء من مارس (آذار) 2022،

ومع ذلك، فقد تحرك الاقتصاد الشامل للأمام. وظل سوق التوظيف سليما، الأمر الذي أربك الاقتصاديين الذين توقعوا أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى تسريح العمال على نطاق واسع والركود. ويستمر الإنفاق الاستهلاكي في النمو بمعدل صحي. ويقف معدل البطالة في الولايات المتحدة عند المستوى الذي كان عليه بالضبط عندما تحدث باول في العام الماضي، 3.5 في المائة، وهو أعلى بالكاد من أدنى مستوى له منذ نصف قرن.

في يونيو الماضي، عندما أصدر صناع السياسات الثمانية عشر في بنك الاحتياطي الفيدرالي توقعاتهم ربع السنوية آخر مرة، توقعوا أنهم سيرفعون أسعار الفائدة مرة أخرى هذا العام. لكن ربما تغير هذا التوقع في ضوء قراءات التضخم المعتدلة التي أصدرتها الحكومة في الأسابيع الأخيرة. وسيقوم المسؤولون بتحديث توقعاتهم لأسعار الفائدة عندما يجتمعون في الفترة من 19 إلى 20 سبتمبر (أيلول) المقبل.

انقلاب التوقعات

وقام العديد من الاقتصاديين بتأجيل أو عكس توقعاتهم السابقة للركود في الولايات المتحدة. وازداد التفاؤل بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي سوف ينفذ «هبوطاً ناعماً» صعباً، حيث يتمكن من خفض التضخم إلى المستوى المستهدف من دون التسبب في ركود حاد.

ولا يتصور العديد من المتداولين في الأسواق المالية هبوطاً سلساً فحسب، بل يتصورون تسارعاً في النمو. وقد ساعدت هذه التوقعات في زيادة عائدات السندات، لا سيما سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، التي تؤثر بشكل كبير على أسعار الرهن العقاري طويل الأجل. وبناء على ذلك، بلغ متوسط سعر الفائدة الثابت على الرهن العقاري لمدة 30 عاما 7.23 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 22 عاما. كما ارتفعت أسعار قروض السيارات وبطاقات الائتمان، وقد تؤدي إلى إضعاف الاقتراض والإنفاق الاستهلاكي، شريان الحياة للاقتصاد.

تخارجات قياسية من الأسهم والسندات

ووسط هذا المشهد المربك، شهدت صناديق الأسهم والسندات العالمية انسحابات كبيرة في الأسبوع الأخير، وسط مخاوف من أن البيانات الاقتصادية الأميركية القوية قد تبقي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة طويلة.

وتجنب المستثمرون أيضاً وضع الأموال في الأصول ذات المخاطر العالية قبل خطاب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر جاكسون هول؛ حيث كان يسود التوقع بمزيد من التلميحات حول توقعات أسعار الفائدة من صناع السياسات.

وفقاً لبيانات «ريفنتيف»، باع المستثمرون ما قيمته 11.1 مليار دولار صافية من صناديق الأسهم العالمية، وهو أكبر حجم في أسبوع منذ أكثر من شهرين. كما سحبوا صافي 3.1 مليار دولار من صناديق السندات العالمية، وهو أكبر صافي بيع أسبوعي في نحو ثمانية أشهر.

وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى أعلى مستوياتها منذ 16 عاماً خلال الأسبوع؛ حيث أشارت القراءات الاقتصادية من الولايات المتحدة، مثل الوظائف والاستهلاك، إلى نمو أقوى، ما دفع المستثمرين إلى تقليص توقعاتهم لتخفيف السياسة العام المقبل.

وشهدت صناديق الأسهم الأميركية والأوروبية تدفقات خارجة بنحو 11.07 و1.52 مليار دولار على التوالي، لكن الصناديق الآسيوية شهدت صافي مشتريات بقيمة 1.14 مليار دولار.

وحسب القطاع، شهدت الصناديق المالية والتكنولوجيا والصناديق الاستهلاكية الأساسية صافي مبيعات يقدر بنحو 734 و702 و357 مليون دولار على التوالي.

ومن بين صناديق السندات، شهدت الصناديق العالمية ذات العائد المرتفع تدفقات خارجية أسبوعية بقيمة نحو 1.96 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، اجتذبت صناديق السندات الحكومية وسندات الشركات 2.03 مليار دولار و209 ملايين دولار من التدفقات الداخلة على التوالي.

وفي السلع، قلص المستثمرون مراكزهم في صناديق المعادن الثمينة للأسبوع الثالث عشر على التوالي، مع صافي مبيعات بقيمة 675 مليون دولار. كما خسرت صناديق الطاقة 164 مليون دولار من التدفقات الخارجة.

وأظهرت بيانات صناديق الأسواق الناشئة أن صناديق الأسهم واجهت صافي بيع بقيمة 2.02 مليار دولار، وهو الأكبر في أحد عشر أسبوعا، في حين سجلت صناديق السندات 658 مليون دولار من صافي المبيعات.

حذر واسع النطاق

وقبيل انطلاق أعمال اجتماع جاكسون هول، توخى المستثمرون الحذر في الأسواق، فيما واصل ارتفاع عائدات السندات الضغط على الأسهم، مدفوعة على وجه الخصوص بمكاسب قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وفتحت الأسهم الأميركية على ارتفاع يوم الجمعة، وزاد المؤشر داو جونز الصناعي 117.64 نقطة أي 0.34 في المائة عند الفتح إلى 34217.06 نقطة. وارتفع المؤشر ستاندرد أند بورز 500 عند الفتح 13.07 نقطة أي 0.30 في المائة إلى 4389.38 نقطة، وارتفع المؤشر ناسداك المجمع 50.40 نقطة أي 0.37 في المائة إلى 13514.37 عند الفتح.

ولكن على الجانب الآخر ارتفعت عائدات السندات صباح الجمعة على مستوى أوروبا، إذ زادت عائدات السندات الألمانية القياسية في القارة إلى 2.54 في المائة، وتراجعت أسهم الشركات العقارية شديدة التأثر بأسعار الفائدة 0.1 في المائة.

وتراجع اليورو إلى أدنى مستوى منذ منتصف يونيو (حزيران) يوم الجمعة متأثرا بازدياد التوقعات بأن البنك المركزي الأوروبي يمكن أن يوقف قريبا رفع أسعار الفائدة، بينما ارتفع الدولار.

ونقلت «رويترز» عن ثمانية مصادر مطلعة أن واضعي السياسات في البنك المركزي الأوروبي يشعرون بقلق متزايد من ضعف آفاق النمو، وأن النقاش لا يزال مفتوحا؛ إلا أن الزخم للتوقف مؤقتا عن رفع أسعار الفائدة يزداد.

وتراجع اليورو إلى مستوى منخفض جديد بعد هذا التقرير، ليسجل أدنى مستوى منذ منتصف يونيو عند 1.0766 دولار تقريبا، وانخفض اليورو 0.3 في المائة في أحدث تعاملات الجمعة.

وصعد مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل ست عملات رئيسية أخرى، إلى أعلى مستوى منذ السابع من يونيو عند 104.25 نقطة. وارتفع المؤشر بأكثر من اثنين في المائة في أغسطس (آب) الحالي متجها إلى إنهاء سلسلة خسائر استمرت شهرين.

وتأثر اليورو والجنيه الإسترليني بشكل سلبي هذا الأسبوع بسبب بيانات النشاط التجاري الضعيفة التي دفعت المستثمرين إلى خفض توقعاتهم لمزيد من رفع أسعار الفائدة في منطقة اليورو وبريطانيا.

ولامس الإسترليني أدنى مستوى منذ يونيو عند نحو 1.2560 دولار، قبل أن يقلص خسائره إلى نحو 1.2591 دولار. وتراجع الإسترليني واحدا في المائة تقريبا هذا الأسبوع ويقترب من تسجيل أكبر انخفاض أسبوعي في خمسة أسابيع.

وتراجعت أسعار الذهب الجمعة مع ارتفاع الدولار إلى أعلى مستوى في عشرة أسابيع، لكن المعدن النفيس كان يتجه إلى تسجيل أفضل أداء في ستة أسابيع. وانخفض الذهب 0.2 في المائة إلى 1913.10 دولار للأوقية (الأونصة) بحلول الساعة 0527 بتوقيت غرينتش. كما انخفضت العقود الآجلة الأميركية للذهب 0.3 في المائة إلى 1941.30 دولار.

وارتفع الذهب نحو 1.3 في المائة منذ بداية الأسبوع، الذي يمكن أن يكون أول أسبوع من المكاسب هذا الشهر، مع صعود الأسعار إلى أعلى مستوى منذ العاشر من أغسطس يوم الخميس.

وقال مات سيمبسون، كبير المحللين في سيتي إندكس «من الممكن أن يعيد باول الذهب إلى 1900 دولار، ويمكن أن يرفعه إلى 1940 دولارا». وأضاف: «من الواضح أن قوة الدولار بمثابة رياح معاكسة للذهب».


مقالات ذات صلة

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

الاقتصاد لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

تستضيف فرنسا، يوم الاثنين، اجتماعاً طارئاً «افتراضياً» يجمع وزراء المالية والطاقة ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة السبع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)

الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

لم تعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مجرد تهديد لخطوط الملاحة، بل انتقلت لتضرب قلب البنية التحتية الصناعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

بعد عام من قرارات ولي العهد لتنظيم السوق العقارية بالرياض، انخفضت قيمة الصفقات 64 في المائة مقارنة بالفترة نفسها قبل صدور القرارات.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية، الجمعة، التصنيف الائتماني طويل الأجل لإسرائيل بالعملة الأجنبية عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية.

«الشرق الأوسط» (القدس)

النفط يقفز مع دخول الحوثيين خط المواجهة... وبرنت يقترب من 117 دولاراً

ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
TT

النفط يقفز مع دخول الحوثيين خط المواجهة... وبرنت يقترب من 117 دولاراً

ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً، يوم الاثنين، مع تصاعد الأزمة في الشرق الأوسط ودخول المتمردين الحوثيين في اليمن خط المواجهة المباشرة، وسط مخاوف متزايدة من تدخل بري أميركي قد يستهدف المنشآت الحيوية للطاقة في إيران.

ومع دخول الصراع أسبوعه الخامس، أعلن الحوثيون استهداف مواقع استراتيجية في إسرائيل بصواريخ كروز وطائرات مسيرّة، مما أثار قلقاً دولياً من اتساع رقعة الحرب لتشمل البحر الأحمر؛ الممر الذي أعادت السعودية توجيه جزء كبير من صادراتها النفطية إليه لتجنب مضيق هرمز الذي أغلقته طهران فعلياً.

قفزة في العقود الآجلة

دفعت هذه التطورات أسعار الخام إلى أعلى مستوياتها منذ بدء الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. وقفزت العقود الرئيسية بأكثر من 3 في المائة، حيث اقترب سعر خام برنت من 117 دولاراً للبرميل (تحديداً 116.15 دولار)، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 3 في المائة ليصل إلى 102.61 دولار للبرميل.

تهديدات ترمب وجزيرة خرج

وما زاد من قلق الأسواق هي تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب لصحيفة «فاينانشال تايمز»، التي أبدى فيها رغبته في «السيطرة على النفط في إيران»، ملوّحاً بإمكانية الاستيلاء على جزيرة خرج، وهي محطة تصدير النفط الحيوية لإيران. وقال ترمب: «ربما نسيطر على جزيرة خرج وربما لا، لدينا خيارات كثيرة.. لكن هذا سيعني بقاءنا هناك لفترة».

مخاوف الإمدادات وتكاليف التأمين

ويرى محللون أن قدرة الحوثيين على تعطيل الملاحة عبر مضيق باب المندب، الذي يمر عبره نحو 12 في المائة من التجارة العالمية، تمثل المخاطر الأبرز حالياً. وأشار كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في مجموعة «بيبرستون» المالية، إلى أن الخلل في الإمدادات مقترناً بارتفاع حاد في تكاليف التأمين قد يدفع أسعار النفط لمستويات أعلى، خاصة وأن الصدمة الحالية لم تعد تقتصر على النفط وحده، بل تمتد لتشمل البتروكيميائيات والأسمدة.

ويأتي هذا التصعيد بعد فترة من الهدوء النسبي الأسبوع الماضي، عقب قرار ترمب تأجيل الهجوم على البنية التحتية للطاقة في إيران لمنح فرصة للمفاوضات، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة أعادت ملف «أمن الإمدادات» إلى الواجهة من جديد.


الدولار يتماسك مع ترقب الأسواق لحرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط

 أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
TT

الدولار يتماسك مع ترقب الأسواق لحرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط

 أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)

استقر الدولار الأميركي بشكل عام يوم الاثنين، متجهاً نحو تحقيق أقوى مكاسبه الشهرية منذ يوليو (تموز)، وسط مخاوف المستثمرين من تداعيات حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط، مما أدى إلى انخفاض الين إلى ما دون مستوى 160 ينًا الحرج، وإثارة مخاوف من التدخلات الاقتصادية.

وقد شهدت الأسواق اضطراباً هذا الشهر بعد أن أدى الصراع فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لنحو خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، مما دفع خام برنت نحو أكبر ارتفاع شهري له، وأثار شكوكاً حول توقعات أسعار الفائدة.

امتدت الحرب، التي اندلعت إثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، إلى مختلف أنحاء الشرق الأوسط، مع تزايد المخاوف من هجوم بري ودخول الحوثيين الموالين لإيران إلى اليمن يوم السبت، مما زاد من حدة التوتر.

من جهتها، أعلنت باكستان استعدادها لاستضافة «محادثات جادة» لإنهاء الصراع في الأيام المقبلة، رغم تأكيد طهران استعدادها للرد في حال شنت الولايات المتحدة عملية برية.

لم تتأثر آراء المستثمرين بشكل كبير بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن واشنطن أجرت محادثات «مباشرة وغير مباشرة» مع إيران، وأن قادتها الجدد كانوا "معقولين للغاية".

وأدى ذلك إلى ارتفاع الدولار مع لجوء المستثمرين إلى الملاذات الآمنة هذا الشهر. وبلغ سعر اليورو 1.1512 دولار، متجهاً نحو انخفاض بنسبة 2.5 في المائة في مارس (آذار)، وهو أضعف انخفاض شهري له منذ يوليو.

وبلغ سعر الجنيه الإسترليني 1.32585 دولار، دون تغيير يُذكر خلال اليوم، ولكنه يتجه نحو انخفاض بنسبة 1.7 في المائة هذا الشهر. بلغ مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمة العملة الأميركية مقابل ست عملات أخرى، 100.14 في بداية التداولات.

وصرّح كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في شركة «بيبرستون»، بأن «اللافت للنظر هو سرعة تغير الاحتمالات. فقبل أسبوعين فقط، كان يُنظر إلى إرسال قوات أميركية برية إلى إيران على أنه احتمال ضعيف. لكن هذا الوضع تغيّر بشكل واضح، مما يُعزز ضرورة أن تبقى الأسواق منفتحة على جميع الاحتمالات. وتتمثل الاستراتيجية في بيع الأسهم عند ارتفاع أسعار المخاطر والحفاظ على تحوّطات ضد التقلبات».

التركيز على النفط

في الوقت الراهن، ينصبّ تركيز السوق بشكل أساسي على أسعار النفط، حيث استقرت العقود الآجلة لخام برنت عند 114.6 دولار للبرميل، بزيادة قدرها 58 في المائة تقريباً في مارس، مسجلةً بذلك أقوى ارتفاع شهري لها على الإطلاق.

وقال براشان نيوناها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في شركة «تي دي» للأوراق المالية، «إن اتجاه الدولار من الآن فصاعدًا يعتمد ببساطة على أسعار النفط. فمع اتجاه أسعار النفط، يتجه الدولار».

أدت أسعار النفط المرتفعة إلى تجدد المخاوف من التضخم، ما دفع العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأميركية إلى البدء في تسعير مخاطر رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام، وهو تحول حاد عن بداية هذا العام عندما كان المتداولون يراهنون على خفضين محتملين لأسعار الفائدة في عام 2026.

في الوقت نفسه، يُولي المستثمرون اهتماماً متزايداً للتداعيات الاقتصادية طويلة الأجل لحرب مطولة.

وقال مارك تشاندلر، كبير استراتيجيي السوق في «بانوكبيرن كابيتال ماركتس»: «تجد البنوك المركزية نفسها في موقف بالغ الصعوبة: إذ تواجه أسعاراً تُشير إلى تشديد السياسة النقدية، بينما تُشير مؤشرات النمو إلى ضرورة توخي الحذر. إنها علامة فارقة للركود التضخمي، وقد ظهرت قبل أن يكون معظم المستثمرين مستعدين لها».

عودة الين الضعيف إلى دائرة الضوء

ارتفع الين الياباني إلى 159.77 ين للدولار بعد أن سجل 160.47 ين في وقت سابق من الجلسة، وهو أضعف مستوى له منذ يوليو (تموز) 2024 عندما تدخلت طوكيو آخر مرة في أسواق العملات.

وقد جاء هذا التراجع في ظل تصعيد اليابان لتهديدها بالتدخل في سوق الين، وإشارتها إلى أن المزيد من الانخفاضات في قيمة العملة قد يبرر رفع أسعار الفائدة على المدى القريب. وقد انخفض الين بأكثر من 2 في المائة في مارس وسط مخاوف من ارتفاع أسعار النفط.

وقال كبير مسؤولي السياسة النقدية في اليابان، أتسوكي ميمورا، إن السلطات قد تضطر إلى اتخاذ خطوات حاسمة إذا استمرت المضاربات في سوق العملات. بينما صرّح محافظ بنك اليابان، كازو أويدا، بأن البنك المركزي سيراقب عن كثب تحركات الين وتأثيرها على الاقتصاد والأسعار.

وفيما يتعلق بالعملات الأخرى، انخفض الدولار الأسترالي بنسبة 0.3 في المائة ليصل إلى 0.6851 دولار أميركي، متجهاً نحو تسجيل انخفاض شهري بنسبة 3.8 في المائة، وهو أكبر انخفاض له منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024. كما انخفض الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.4 في المائة ليصل إلى 0.57275 دولار أميركي، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 4.4 في المائة في مارس.


الذهب يسجل أكبر انخفاض شهري منذ 2008 نتيجة قوة الدولار وتضخم الطاقة

امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
TT

الذهب يسجل أكبر انخفاض شهري منذ 2008 نتيجة قوة الدولار وتضخم الطاقة

امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار الذهب، يوم الاثنين، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تأجيج المخاوف من التضخم وتراجع التوقعات بخفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام.

انخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 0.6 في المائة إلى 4466.99 دولار للأونصة بحلول الساعة 02:38 بتوقيت غرينتش. كما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 0.6 في المائة إلى 4496.30 دولار.

وقد خسر الذهب أكثر من 15 في المائة هذا الشهر، مسجلاً أكبر انخفاض شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008، مع ارتفاع قيمة الدولار الأميركي. وارتفعت قيمة العملة بأكثر من 2 في المائة منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وقال نيكولاس فرابيل، الرئيس العالمي للأسواق المؤسسية في شركة «إي بي سي»: «يكمن السبب الرئيسي وراء ضعف أداء الذهب في التحول الكبير في توقعات أسعار الفائدة... وقد تأثر الدولار الأميركي بذلك، وبما أن توقعات الذهب كانت مرتبطة أيضاً بأسعار الفائدة، مع توقعات بانخفاض سعر الفائدة في ظل رئيس جديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، فقد كان لذلك أثر سلبي على الذهب«.

ويرى المتداولون الآن أن فرص خفض سعر الفائدة الأميركي هذا العام ضئيلة، حيث تهدد أسعار الطاقة المرتفعة بتغذية التضخم العام والحد من نطاق التيسير النقدي. ويتناقض هذا مع التوقعات بخفض سعر الفائدة مرتين قبل بدء النزاع.

وبينما يعزز التضخم عادةً جاذبية الذهب كأداة تحوط، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يؤثر سلباً على الطلب على هذا المعدن الذي لا يدرّ عائداً. وارتفع سعر خام برنت فوق 115 دولاراً للبرميل بعد أن شن الحوثيون اليمنيون هجمات على إسرائيل خلال عطلة نهاية الأسبوع، مما وسّع نطاق الحرب الدائرة وزاد من حدة التضخم. وكان العقد قد ارتفع بنسبة 60 في المائة في مارس، مسجلاً بذلك ارتفاعاً شهرياً قياسياً.

وصرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مقابلة مع صحيفة «فاينانشال تايمز» نُشرت يوم الأحد، بأنه يريد «السيطرة على النفط في إيران» وقد يستولي على مركز التصدير في جزيرة خرج.

وقال فرابيل: «أشارت تحركات أسعار الذهب الأسبوع الماضي إلى رد فعل على عمليات البيع المفرط، واحتمال انعكاس الانخفاضات الأخيرة. ومع ذلك، يحتاج هذا إلى تأكيد من خلال تحركات الأسعار هذا الأسبوع. ونظرًا للتدفق السريع للأخبار، فمن الأسهل توقع تقلبات في الأسعار».

وانخفض سعر الفضة الفوري بنسبة 1.3 في المائة إلى 68.67 دولار للأونصة. وارتفع سعر البلاتين الفوري بنسبة 0.3 في المائة إلى 1868.11 دولار، وارتفع سعر البلاديوم بنسبة 1 في المائة إلى 1391 دولاراً.