السعودية توسّع قدرات اقتصادها من الأرض إلى الفضاء

تبدأ العام الحالي خطوة عملية لوضع موطئ قدم في رحلات الاستكشاف والبحث والابتكار

جانب من معرض الرياض للفضاء الذي عقد في واحة الملك سلمان للعلوم الشهر الماضي تحت شعار «الإنسان والفضاء» (واس)
جانب من معرض الرياض للفضاء الذي عقد في واحة الملك سلمان للعلوم الشهر الماضي تحت شعار «الإنسان والفضاء» (واس)
TT

السعودية توسّع قدرات اقتصادها من الأرض إلى الفضاء

جانب من معرض الرياض للفضاء الذي عقد في واحة الملك سلمان للعلوم الشهر الماضي تحت شعار «الإنسان والفضاء» (واس)
جانب من معرض الرياض للفضاء الذي عقد في واحة الملك سلمان للعلوم الشهر الماضي تحت شعار «الإنسان والفضاء» (واس)

فتح إعلان السعودية أخيراً عن إرسال رائدي فضاء سعوديين إلى محطة الفضاء الدولية خلال الربع الثاني من العام الحالي، إحداهما سيدة، في خطوة هي الأولى من نوعها، باب التساؤلات حول توجهات السعودية الجادة نحو الاستفادة من اقتصاد الفضاء باعتباره قطاعاً مستقبلياً عملاقاً تتقاطع فيه رؤى عالمية نحو الاستدامة والتكنولوجيا.
وأعلنت السعودية إنشاء «المجلس الأعلى للفضاء» برئاسة ولي العهد، وتعديل هيئة الاتصالات لتكون تحت اسم «هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية» ليكثر معه الحديث عن الاستثمارات والصناعات المتوقعة في هذا المجال، والعوائد المرجوة في المرحلة المقبلة على الناتج المحلي، والتي أشار إليها وزير الاتصالات وتقنية المعلومات في وقت سابق، بقوله إن التركيز سيكون على صناعة سوق الفضاء وتحفيز البحث والابتكار فيه، ومن ثم الانتقال نحو مرحلة تنظيمه وحوكمته.
هذا القرار وضع السعودية ضمن المبادرين لقيادة الفضاء الجديد وتبنِّي أنشطته الناشئة، كما أنه سيسهم في توفير البنية التحتية الداعمة لتمكين القطاع وازدهاره، في حين ستلعب الهيئة دوراً محورياً في استحداث التنظيمات والتراخيص والتنسيق والتعاون مع منظمي الفضاء محلياً وعالمياً، وبناء العلاقات مع الجهات الفاعلة في الصناعة، وتوفير الخبرات والقدرات التنظيمية الوطنية بالقطاع.

صنع الكفاءات

وأطلقت الهيئة السعودية للفضاء في سبتمبر (أيلول) الماضي، برنامج المملكة لرواد الفضاء، الذي يهدف لتأهيل كوادر وطنية متمرسة لخوض رحلات فضائية طويلة وقصيرة المدى، وكذلك يهدف البرنامج أيضاً إلى تأهيل رواد الفضاء السعوديين للمشاركة في التجارب العلمية والأبحاث الدولية والمهام المستقبلية المتعلقة بالفضاء.
ويرمي البرنامج للاستفادة من الفرص الواعدة التي يقدمها قطاع الفضاء وصناعاته عالمياً والإسهام في الأبحاث، التي تصبّ في صالح خدمة البشرية في عدد من المجالات ذات الأولية مثل الصحة والاستدامة وتكنولوجيا الفضاء.
وبعد أقل من 6 أشهر فقط، قالت وكالة الأنباء السعودية، الأسبوع الماضي، إن رائدة الفضاء ريانة برناوي، ورائد الفضاء علي القرني سينضمان إلى طاقم مهمة فضائية تنظمها «سبايس إكس» بهدف «بناء القدرات الوطنية في مجال الرحلات المأهولة لأجل البشرية، والاستفادة من الفرص الواعدة التي يقدمها قطاع الفضاء وصناعاته عالمياً».
وذكرت أنّ «الرحلة العلمية ستنطلق من الولايات المتحدة الأميركية إلى محطة الفضاء الدولية، بينما سيشارك كذلك كل من رائدي الفضاء السعوديين مريم فردوس وعلي الغامدي في التدريبات، من دون أن يكونا جزءاً من المهمة إلى الفضاء».
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز، هو أول رائد فضاء عربي شارك في رحلة للفضاء انطلقت من الولايات المتحدة أيضاً في عام 1985، لكنها المرة الأولى التي يشارك فيها سعوديان في رحلة إلى محطة الفضاء الدولية.

إعلان «ناسا»

وأعلنت وكالة «ناسا»، أخيراً، أنّ برناوي والقرني سيقلعان «في ربيع عام 2023» من مركز كيندي الفضائي في فلوريدا بالولايات المتحدة على متن صاروخ تابع لشركة «سبايس إكس» باتجاه محطّة الفضاء الدولية.
وأوضح بيان «ناسا» أنّه سيرافق رائدي الفضاء السعوديين في رحلتهما شخصان آخران هما بيغي ويتسون، وهي رائدة فضاء سابقة في «ناسا» ذهبت إلى محطة الفضاء الدولية ثلاث مرات حتى الآن وستتولّى قيادة المهمّة، في حين سيكون الشخص الرابع رجل الأعمال الأميركي جون شوفنر، لفترة 10 أيام.

توجه اقتصادي

وفي الجانب الاقتصادي فإن لغة الأرقام التي أشار إليه وزير الاتصالات السعودي عبد الله السواحة، بأن اقتصاد الفضاء تريليونياً على مستوى العالم، يؤكد ما ذهب إليه المختصون على أهمية القرار الذي جاء في وقت مهم للنهوض ودعم التجربة السابقة، خاصة مع تحويل المشروع إلى وكالة، الذي سيرفعه رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للفضاء خلال الفترة المقبلة، وهذا يتوافق مع النسق الذي اتبعته السعودية في طرح البرامج والمشاريع التي تتوافق مع قدراتها المالية والبشرية في إيجاد صناعات تكميلية لهذا القطاع، وسوق متخصصة في عالم الفضاء.

اتفاقيات فضاء

وكانت السعودية من خلال الهيئة، أبرمت في وقت سابق العديد من الاتفاقيات والعقود منها اتفاقية «أرتميس» مع وكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، للانضمام للتحالف الدولي في مجال الاستكشاف المدني واستخدام القمر والمريخ والمذنبات والكويكبات للأغراض السلمية، والتي تتضمن الانضمام للتحالف العالمي لعودة الإنسان مجدداً إلى القمر، والتي تدخل هذه الاتفاقية ضمن خطط السعودية للابتكار، التي جرى الإعلان عنها.

عناية حكومية

ويعطي ترؤس ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لـ«المجلس الأعلى للفضاء» قيمة وقوة لهذا القطاع الحيوي، كما ذكر وزير الاتصالات وتقنية المعلومات أن «ترؤس ولي العهد للمجلس الأعلى للفضاء هو رسالة واضحة لما يمثله القطاع من أهمية استراتيجية كونه الاقتصاد التريليوني العالمي المقبل، والمحرك الأساسي لتحفيز الابتكار وإلهام الأجيال المقبلة»، فيما ستتركز أدوار «المجلس الأعلى للفضاء» على ثلاثة عوامل رئيسية تتمثل في اعتماد السياسات والاستراتيجيات لبرامج القطاع، والموافقة على خططه السنوية ومراقبة تنفيذ استراتيجيته الوطنية، وتحقيق التوافق مع مختلف القطاعات والاحتياجات الوطنية.

التحول السعودي

وقرار إنشاء المجلس جاء متوافقاً مع التحولات الصناعية والاقتصادية التي تعيشها السعودية مرتكزة في ذلك على الخطوات الأولية التي قامت بها الهيئة السعودية للفضاء منذ تأسيسها في عام 2018 والتي كان الهدف منها قراءة المستقبل في هذا القطاع، والتي نتج عنها إبرام اتفاقية في منتصف مارس (آذار) مع وكالة الفضاء البريطانية، للتعاون في مجال الاستخدام السلمي للفضاء الخارجي تهدف لتوفير إطار للتعاون في الأنشطة الفضائية، خاصة أن القرار جاء في إطار التكامل في التنظيم بين عالم الاتصالات والفضاء والتقنية منها الطيف الترددي، والشبكات غير الأرضية، وحجز المدارات، وشبكات الأقمار الصناعية، والتقنيات الناشئة الفضائية.

أقمار سعودية

وما بين أعوام 2000 و2019 تمكنت المملكة من إطلاق 16 قمراً صناعياً سعودياً إلى الفضاء بإشراف مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية «كاكست» سُجل آخرها القمر السعودي للاتصالات «SGS1» الذي أطلِق في 6 فبراير (شباط) 2019 حاملاً توقيع الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد السعودي، الذي كتب عليه عبارة «فوق هام السحب».
ويعمل القمر السعودي (SGS1) على خدمة قطاع الاتصالات الفضائية الحديثة المتعددة التي تشمل اتصالات النطاق العريض والاتصالات العسكرية الآمنة، وتوفير الاتصالات للمناطق شبه النائية والمناطق المنكوبة لاستخدامها في شتى مجالات التنمية المستدامة مثل: تطبيقات (اتصالات النطاق العريض عالي السرعة، والاتصالات الآمنة للجهات الحكومية) وسيتم تشغيل وإدارة القمر من خلال محطات تحكم أرضية متطورة في المملكة.

خريطة دولية

ويرى الدكتور فيصل آل فاضل، عضو مجلس الشورى السعودي، أن قرار إنشاء المجلس الأعلى للفضاء، يأتي ضمن القرارات التي اتخذتها السعودية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية كافة، التي تهدف في مجملها إلى وضع السعودية في موقعها الطبيعي على الخريطة الدولية في العلوم والاقتصاد والسياسة، وهذه الفروع الثلاثة تعتمد على ركيزتين؛ الكوادر، والاستراتيجية التي تبنيها الدول للوصول إلى مبتغاها وتحقيق أهدافها، وهو ما عملت عليه السعودية منذ سنوات عدة، وتسير في هذا النهج للوصول إلى القمة.
وشدد آل فاضل على قوة المجلس، التي يستمدها من ترؤس ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وعلى التجربة السابقة في شكل الهيئة، وهذان عاملان يدعمان التوجه السعودي في تكثيف قدراتها العلمية والأبحاث في هذا القطاع، إضافة إلى الجانب الاستثماري، الذي ستكون له عوائد كبيرة على الاقتصاد السعودي على المستوى المنظور والبعيد، خاصة أن هذا القطاع تخرج من رحمه مجموعات قطاعات وخدمات مساندة تزيد في التنوع الاقتصادي، موضحاً أن التقديرات تشير إلى أن حجم الاستثمار في هذا القطاع يتجاوز 2 تريليون.

عشرون شركة

وتعمل هيئة الفضاء، حالياً، على استقطاب 20 شركة ناشئة في مجالات سياحة الفضاء والاستكشاف واتصالات الأقمار الصناعية والتصوير الفضائي، وصقل مهاراتهم في تنظيم المشاريع، وفهم عملائهم المستهدفين بشكل أفضل، كما سيمكنهم البرنامج من العمل والتواصل مع موارد عالمية عالية المستوى لتعزز فرص نجاحهم، وذلك بالشراكة مع «Techstars» التي تعد شركة استثمارية عالمية توفر الوصول إلى رأس المال، والإرشاد الفردي، وشبكة عالمية، وبرمجة مخصصة لرواد الأعمال في المراحل المبكرة.

اقتصاد الفضاء

وتشير تقارير إلى أن عالم الفضاء رحب، ويمثّل قوة اقتصادية للدول في تفرعاته، التي تشمل تطوير وتوفير المنتجات والخدمات الفضائية للمستخدمين النهائيين، كما أنه يشكل سلسلة طويلة من القيم المضافة من الجهات الفاعلة في البحث والتطوير من خلال الشركات المصنعة للأجهزة والمعدات الفضائية، إلى مقدمي المنتجات والخدمات الفضائية التي يتم تقديمها للمستخدمين النهائيين.
ووفق تقرير ستانلي مورغان لعام 2018، يبلغ حجم اقتصاد الفضاء في العالم 360 مليار دولار، بينما من المتوقع أن يصل إلى 1.1 تريليون دولار في عام 2040م و2.7 تريليون دولار بحلول عام 2050. يشكل حصة مجموعة العشرين النصيب الأكبر بنحو 92 في المائة منه. وبلغ اقتصاد الفضاء العالمي في عام 2018 ما يعادل 320 مليار دولار، مقسمة للإنفاق الحكومي بقيمة 66 مليار دولار، والإنفاق المدني قرابة 63 في المائة والإنفاق العسكري 3 في المائة.
وهنا يؤكد عضو مجلس الشورى آل فاضل، أن اقتصاد الفضاء مهم في الدخل المحلي لأي دولة، إذ تشير التقديرات لوجود تباين في حجم اقتصاد الفضاء بين دول مجموعة العشرين، حيث يبلغ متوسط الإنفاق الحكومي على برامج الفضاء في عام 2018 نحو 3.3 مليار دولار، في حين بلغ إجمالي الإنفاق الحكومي على القطاع في أكبر خمسة اقتصادات في الفضاء 87 في المائة من إجمالي الإنفاق الحكومي في بقية دول مجموعة العشرين، مؤكداً أن القطاع سيفتح مجالاً كبيراً في الوظائف بين الكوادر المتدربة ذات الاختصاصات الفنية المعقدة.

القطاع الخاص

يلعب القطاع دوراً محورياً في صناعة الفضاء وما يترتب عليه من عوائد مادية ونجاحات في تقوية هذا القطاع بالخدمات الأساسية والمساندة التي يحتاجها عالم الفضاء، إذ حقق - وفقاً لآخر الإحصائيات - عوائد ضخمة قوامها 254 مليار دولار شملت في مجملها 6 أنشطة رئيسية تضمنت خدمات وتطبيقات الاتصال عبر الأقمار الصناعية بنحو 36 في المائة، وشرائح وأجهزة استقبال للملاحة عبر الأقمار الصناعية 23 في المائة، كذلك معدات وأجهزة أرضية بنحو 23 في المائة، وتصنيع الأقمار الصناعية بـ9 في المائة، إضافة إلى تطبيقات الفضاء والاستشعار عن بعد، وخدمات إطلاق المركبات والرحلات الفضائية البشرية بنحو 5 في المائة لكل نشاط.
لذلك، فإن الفترة المقبلة حبلى بالكثير من التطورات في هذا القطاع، وستتسارع خطوات الاستفادة منه في مكوناته كافة، وسيهتم القطاع الخاص بالدخول فيه، وخاصة الشركات العاملة في مجال التقنية التي سيكون لها دور في مواكبة الطفرة الاقتصادية في عالم الفضاء، مما يفرض على السعودية حجز موقعها على خريطة الاقتصاد المحلي والدولي في هذا القطاع الواعد.


مقالات ذات صلة

السعودية تعزز «كفاءة المياه» باستثمارات تتجاوز 26.7 مليار دولار منذ 2018

خاص محطة تحلية الشعيبة (الهيئة السعودية للمياه)

السعودية تعزز «كفاءة المياه» باستثمارات تتجاوز 26.7 مليار دولار منذ 2018

ترتكز «الاستراتيجية الوطنية للمياه» في السعودية على تعزيز كفاءة القطاع واستدامته، عبر توسيع دور القطاع الخاص بوصفه أحد المحركات الرئيسة لرفع كفاءة الإنفاق.

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أ.ف.ب)

الجدعان: «اجتماعات الربيع» تناقش آفاق الاقتصاد العالمي في ظل التطورات الجيوسياسية

أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين تمثل منصة مهمة لمناقشة آفاق الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير الطاقة السعودي ملتقياً رئيس المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية (وزارة الطاقة)

وزير الطاقة السعودي يبحث مع مسؤول كوري تعزيز استقرار الإمدادات

التقى وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، في الرياض، يوم الأحد، رئيس المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الجدعان مترئساً اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية في الصندوق خلال اجتماعات الخريف (صندوق النقد)

وزير المالية السعودي يرأس وفد المملكة في «اجتماعات الربيع» بواشنطن

يترأس وزير المالية السعودي محمد الجدعان وفد المملكة المشارك في اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافق الشركة (أرامكو)

التعافي السريع للمرافق النفطية يكرّس موثوقية السعودية مورداً عالمياً للطاقة

برهنت السعودية على جاهزية استثنائية وسرعة استجابة عالية في احتواء تداعيات الأزمة الأخيرة جرّاء الهجمات التي تعرضت لها بعض مرافقها النفطية.

بندر مسلم (الرياض)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.