مشكلات السوريين في تركيا محدودة... و«تسييس» الملف بين الجنسية والتحريض

عددهم 3 ملايين و10 في المائة منهم في المخيمات

لاجئون سوريون في مخيم كلس في تركيا  (غيتي)
لاجئون سوريون في مخيم كلس في تركيا (غيتي)
TT

مشكلات السوريين في تركيا محدودة... و«تسييس» الملف بين الجنسية والتحريض

لاجئون سوريون في مخيم كلس في تركيا  (غيتي)
لاجئون سوريون في مخيم كلس في تركيا (غيتي)

مع طول أمد الأزمة السورية وانتقال نحو 3 ملايين سوري للعيش في تركيا كلاجئين فروا من نيران الحرب التي مزقت بلادهم وتركز أعداد كبيرة منهم داخل المدن، بدأت تظهر مشكلة حقيقية في اندماجهم في المجتمع التركي بسبب وجود بعض الشرائح التي ترفض وجودهم، وليس لكونهم مصدراً للاضطرابات.
ومنذ بدء تدفق السوريين على تركيا في عام 2011، لم تقع حوادث كبيرة أو استهداف للسوريين بشكل متعمد، لا سيما في ظل تقارب العادات والتقاليد وعلاقات التصاهر القائمة بين العائلات في المحافظات الحدودية مع سوريا، مثل شانلي أوروفا وهاتاي وغازي عنتاب وكيليس وأخرى على الجانب الآخر من الحدود، فضلاً عن أن السوريين شكلوا قوة دافعة للاقتصاد التركي في فترة كانت المؤشرات العالمية تشير إلى حالة من الركود، لكن وجود قوة شرائية كبيرة بهذا الحجم أسهمت في تنشيط الأسواق في تركيا، فضلاً عن حركة البضائع من تركيا إلى سوريا.

مشكلات محدودة
الإحصاءات الرسمية التي أصدرتها وزارة الداخلية التركية خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي في رد على حملة ضد السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بعودتهم إلى بلادهم، كشفت أن نسبة تورط السوريين، الذين وصل عددهم إلى 3 ملايين سوري، 300 ألف منهم فقط في مخيمات اللاجئين، والباقي في المدن بينها إسطنبول التي تنفرد وحدها بنصف مليون سوري يقيمون فيها بلا حوادث تذكر تقريباً، بالمشكلات والجرائم في تركيا لا تتجاوز 1.3 في المائة بين عامي 2014 و2017، لافتة إلى أنها نسبة ضئيلة جداً مقارنة بعدد الجرائم التي تسجل في تركيا، علاوة على أنها في غالبيتها نزاعات وخلافات بين بعضهم بعضاً.
وسجلت في الآونة الأخيرة توترات بين مواطنين أتراك وسوريين تسببت في سلسلة من المشاحنات انعكس صداها في مواقع التواصل الاجتماعي، وأدت إلى صدور ردود فعل من بعض فئات الشعب التركي، حيث يؤخذ على بعض السوريين، بحسب ما يتداول عبر هذه المواقع، عدم مراعاتهم أو احترامهم عادات وتقاليد الأتراك التي هي عادات وتقاليد شرقية إسلامية في مجملها، وارتباط بعض السوريين ببعض جرائم النصب أو السلوكيات التي لا تراعي نمط الحياة الاجتماعية في تركيا. وقالت الداخلية التركية إنه رغم ازدياد أعداد السوريين المقيمين في تركيا تراجعت الجرائم التي تورط فيها سوريون بنسبة 5 في المائة خلال النصف الأول من العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

حملة منظمة
وعلى خلفية انتشار عدد من التسجيلات المصورة لعدد من المخالفات لبعض السوريين، عبر بعض الأتراك، بينهم فنانون، عن استيائهم من هذه التصرفات وبقائهم في تركيا ووجهوا انتقادات للحكومة التي سمحت باستقبال 3 ملايين لاجئ، قالوا إنهم «ينازعون الأتراك جميع الفرص داخل البلاد».
وكانت الحادثة الأكثر لفتاً للأنظار ظهور «هاشتاغ» انتشر في تركيا بسرعة كبيرة خلال الشهر الماضي بعنوان «أيها السوريون عودوا إلى بلادكم» قوبل باستياء رسمي وشعبي واسع بعد أن حاول البعض من خلاله تصوير السوريين، الذين فروا إلى تركيا من نيران الحرب في بلادهم والذين أكدت الإحصاءات الرسمية أنهم أعطوا الاقتصاد التركي قوة دفع كبيرة من خلال الإنفاق والأنشطة التي يقومون بها، بأنهم سبب في ارتفاع معدل الجريمة في البلاد عبر التهويل الكبير في وقائع صغيرة لكن يجري تضخيمها كون المتورطين فيها غير أتراك. وظهور هذا «الهاشتاغ» تزامن مع وقوع اشتباكات متفرقة بين بعض الأتراك والسوريين في عدد من المدن التركية، لا سيما في جنوب البلاد مثل مرسين وأضنة، ثم فجأة في العاصمة أنقرة.
ورغم البعد الاجتماعي الذي يعد الأساس في بعض المناطق التي يقيم بها السوريون وليس في جميع المناطق، يبقى هناك بعد سياسي للموقف من السوريين تقول الحكومة التركية إنه نابع من محاولات البعض استغلال الأمر داخلياً بالقول إن الجنود الأتراك يرسلون للموت في سوريا، بينما الشباب السوريون «يتسكعون» مع فتياتنا في ميدان تقسيم أو يتنزهون في الحدائق وعلى الشواطئ.
وبدا في الأسابيع الأخيرة أن هناك نوعاً من التعبئة ضد السوريين وأعمال تحريض واستفزاز تطورت إلى اشتباكات معهم من جانب مواطنين أتراك، آخرها مشادات وقعت في منطقة يني محلة، في العاصمة أنقرة، أسفرت عن إصابة شخص وتحطيم عدد من المحال التجارية لسوريين وتركمان عراقيين يقيمون في المنطقة.
وكانت المغنية عارضة الأزياء، دامات أكالين، وهي من أكثر الفنانين الأتراك تأثيراً في مواقع التواصل من حيث حجم المتابعة، بين الذين أيدوا الهاشتاغ، حيث غردت قائلة: «أيها السوريون اذهبوا إلى بلادكم. لقد طفح الكيل من أخبار السرقة والطعن». وعلى المنوال نفسه، قال لاعب كرة القدم سنان كورومش: «شبان أقوياء كالصخر في بلدي تركيا يستمتعون بتدخين النرجيلة والحانات المنتشرة على شواطئ البحر، بينما يحارب جنودنا في سوريا. عودوا إلى دياركم يا سوريون، عودوا إلى بلادكم». لكن الناشطة التركية في مجال حقوق الإنسان إران كيسكن قالت إن من أيد الهاشتاغ «هم فاشيون وعنصريون».
وقال معارضو الهاشتاغ إن سبب انتشاره يرجع إلى قيام شاب سوري بتصوير فتيات تركيات في البحر، الأمر الذي أثار غضب المصطافين الأتراك، مما حدا بهم إلى إطلاقه واتهموهم باستغلال الحادثة وتوظيفها سياسياً ودعوا إلى عدم التعميم. وأطلق مجموعة من الأتراك الرافضين لهذا المطلب هاشتاغاً آخر هو «السوريون إخوتنا»، وصف المتفاعلون معه المطالبة بطرد السوريين بأنها عنصرية بغيضة وغير إنسانية.

رفض واسع
وقال النائب البرلماني في صفوف «حزب العدالة والتنمية» الحاكم فورال كافونجو لـ«الشرق الأوسط»، إننا لا نلمس أي مشكلات حقيقية تسبب فيها إخواننا السوريون على مدى 6 سنوات من إقامتهم بيننا، معتبراً أن هناك أطرافاً معينة تسعى لتوظيف موضوع اللاجئين السوريين أداة سياسية للضغط على الحكومة. وأضاف أن السوريين قوة بشرية واقتصادية مهمة شكلوا قوة دافعة للاقتصاد التركي وتتم الإفادة منهم في كثير من المجالات، قائلاً إنه لا يجب الالتفات إلى الجهات التي تحاول زرع الفتنة بين الأتراك والسوريين وعدم الاهتمام بالمعلومات الملفقة التي يتم الترويج لها في بعض وسائل الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي.
أما الكاتب والمحلل السياسي يوسف قبلان، فاعتبر أن الهاشتاغ الذي انتشر داعياً السوريين للعودة إلى بلادهم لا يخرج عن كونه دعوة عنصرية بغيضة، قائلاً: «إذا طالبنا السوريين بالعودة إلى بلادهم في ظروفها الراهنة، فمن باب أولى علينا أن نطرد البوسنيين والجورجيين والشيشانيين والألبان والمقدونيين والتركمان، هذا نوع من الفاشية».
ورأى سوريون أن هذه الدعوات لا تعبر عن «روح الأخوة الحقيقية» التي يلمسونها عموماً في تركيا باستثناء بعض الفئات التي تتعمد استفزازهم. وقال أحمد رضوان الذي افتتح محلاً لبيع البضائع والمأكولات السورية في حي الفاتح في إسطنبول: «إننا نعيش هنا كأننا في بلادنا تماماً لا نلمس روحاً عدائية والأتراك يعاملوننا كإخوة وبدأوا يرتادون محلاتنا ومطاعمنا».
وأضاف: «نحن نعمل إما في محلاتنا الخاصة التي نستأجرها وفقاً للقانون، وغيرنا يعمل في مصانع ومحلات وورش تركية بأجور أقل من الأتراك، وهذه نقطة أخرى تثير البعض ضدنا، لكننا في النهاية ندفع إيجارات منازل وفواتير كهرباء ومياه وغاز ونسهم في حركة الاقتصاد في البلاد».
ويعمل غالبية السوريين في ورش ومصانع تركية تدفع لهم أقل بكثير مما يتقاضاه العمال الأتراك، نظراً لقلة الأعمال التي تناسب اللاجئين السوريين، لا سيما الذين لا يجيدون اللغة التركية.

أيادٍ خارجية
ويبدو أن الأزمات الأخيرة المفتعلة للسوريين ليست فقط نابعة من الداخل؛ سواء من بعض طبقات المجتمع التركي أو النخب السياسية، لكن المفاجأة كانت فيما كشف عنه والي العاصمة التركية أنقرة إرجان طوبجو بشأن وجود «أيادٍ أجنبية» تسعى لـ«إشعال الفتنة» بين المواطنين الأتراك والسوريين، لافتاً إلى إبعاد 8 أجانب بعد ثبوت قيامهم بأنشطة تهدف إلى «التحريض وإثارة الفتنة» بين المواطنين والسوريين المقيمين في بعض مناطق العاصمة.
وقال طوبجو في بيان، أول من أمس، إن قوات الأمن التركية ضبطت الأسبوع الماضي 8 أجانب (لم يحدد جنسياتهم)، في منطقة ألتن داغ التي تقطنها أعداد كبيرة من السوريين بضواحي أنقرة، وأبعدتهم خارج البلاد.
وعلى خلفية هذه الحوادث التي تكررت في مدن أخرى يقيم بها سوريون بأعداد كبيرة مثل مرسين وأضنة في جنوب البلاد، أصدرت وزارة الداخلية التركية بياناً حذرت فيه من أن بعض الحوادث التي تقع أحياناً بين المواطنين الأتراك واللاجئين السوريين في بعض الأماكن تهدف إلى زرع الفتنة بين الطرفين، وجعلها أداة لاستخدامها من أجل تحقيق غايات سياسية.
ودعا رئيس الوزراء بن علي يلدريم الشهر الماضي إلى تجنب التعرض للسوريين لأنهم ضيوف على تركيا، وتجنب الانجرار إلى الفوضى والفتنة، قائلاً: «لن نترك المسيئين من دون عقاب، سيتم إبعادهم خارج الحدود التركية في حال اضطررنا إلى ذلك... كل من يتجاوز حدوده سيعاقب أمام القانون، وإن لزم الأمر سيبعد خارج الحدود». لكن يلدريم لفت إلى أنه يوجد من بين السوريين الذين استضافتهم بلاده العالِم والأكاديمي، وستمنح الجنسية التركية لذوي المؤهلات العلمية وأصحاب الكفاءات.
وأشار إلى أن وزارة الداخلية والجهات المعنية الأخرى تواصل إجراء الدراسات اللازمة حول السوريين الذين تتوفر لديهم شروط الحصول على الجنسية.
كما دعا نائب رئيس الوزراء السابق ويسي كايناك إلى التسامح، قائلاً: «إننا نرى ردات فعل اجتماعية ضد السوريين، لو كانت هناك منطقة آمنة لهم في بلادهم لعادوا إليها». وأضاف أن «الحجة القائلة إن (جنودنا يذهبون للموت في سوريا والسوريون ينعمون بالحياة هنا) هي مقولة صحيحة لكنها غير كافية، فالناس الذين في سن تتراوح بين 20 و45 عاماً يمكنهم أن يذهبوا للقتال، لكنهم يحتاجون إلى تعليم وتدريب، وهذه ليست مسؤولية تركيا وحدها، تركيا تتصرف بمفردها بدافع إنساني. هناك مليون و200 ألف امرأة سورية بلا عائل في تركيا، وليس من الممكن لتركيا أن تتخلى عنهم».

إحصاءات
* في أحدث مسح ميداني أجري في تركيا (في 10 مدن تركية هي الأكبر من حيث تركز السوريين) بمعرفة مؤسسة التنمية الإنسانية وشركة إبسوس بعنوان «رصد سبل العيش للاجئين»، قال نحو 74 في المائة من السوريين الذين فروا من بلادهم، إنهم يريدون الحصول على الجنسية التركية. وأوضح المسح أن 52 في المائة من المستطلعة آراؤهم يخططون لبناء مستقبلهم في تركيا.
واستهدف المسح تتبع الأوضاع المعيشية للاجئين السوريين الذين يعيشون خارج مخيمات اللاجئين، ومشاعرهم العامة وخططهم المستقبلية فيما يتعلق بالعيش في تركيا، فضلاً عن سلوكهم في الاستهلاك والتسوق.
وذكر أن 74 في المائة بينما بلغت نسبة المستطلعة آراؤهم الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً الراغبين في الحصول على جواز سفر تركي 80 في المائة.
وقال إن نحو 70 في المائة من المستطلعين لا يعرفون اللغة التركية. وأضاف 45 في المائة أنهم تعرضوا للتمييز، بينما قال 42 في المائة إنهم يبحثون عن سبل للانتقال إلى الدول الأوروبية.
وفيما يتعلق بتأسيس مستقبل لأطفالهم في تركيا، قال 52 في المائة إنهم يريدون البقاء، في حين قال 44 في المائة إنهم لم يفكروا أبداً في مغادرة تركيا.
وأشار المسح إلى أن القوة الشرائية اليومية للسوريين في تركيا أقل من دولارين، ويبلغ الإنفاق الاستهلاكي الشهري للأسرة السورية 867 ليرة تركية، مع تخصيص 140 ليرة في المتوسط لكل شخص.
وبلغت نسبة العاملين السوريين المسجلين 31 في المائة، وقال 70 في المائة إن ظروف عملهم أسوأ من ظروف عمل المواطنين الأتراك. وأجري المسح، الذي نشرت نتائجه الأسبوع الماضي، في الفترة بين 27 أبريل (نيسان) و20 مايو (أيار) في 10 مدن هي إسطنبول وشانلي أورفا وهاتاي وغازي عنتاب وأضنة ومرسين وكيليس وماردين وبورصا وإزمير على عينة من 2821 أجريت معهم مقابلات وجهاً لوجه.
ويدرس مجلس الوزراء التركي حالياً منح 7 آلاف سوري الجنسية التركية، وبات القرار جاهزاً للتوقيع، إذ أنهت الحكومة التركية إجراءات البحث والتدقيق وتشكيل القوائم النهائية للتجنيس التي امتدت لمدة عامين كاملين استهدفت فيها أصحاب المهن الذين لا توجد لديهم مشكلات أمنية، وسيصدر قرار تجنيسهم في أول قائمة قريباً، يتبعها فيما بعد قوائم أخرى.
وبحسب مصادر في إدارة شؤون الهجرة التركية، فإن الاستعدادات الخاصة بالقوائم بدأت منذ بداية العام الحالي، وأعدت القائمة الأولى الشهر الماضي وتتضمن 7 آلاف اسم معروضة للتوقيع عليها.
وبحسب الأرقام الرسمية لوزارة الداخلية، بلغ عدد اللاجئين السوريين في تركيا نحو 3 ملايين شخص، ويبلغ عدد النساء والأطفال منهم مليونين، 10 في المائة منهم يقطنون في 26 مخيماً تابعاً لمؤسسة الكوارث التركية، ويتوزع باقي اللاجئين في الولايات التركية.



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.