مشكلات السوريين في تركيا محدودة... و«تسييس» الملف بين الجنسية والتحريض

عددهم 3 ملايين و10 في المائة منهم في المخيمات

لاجئون سوريون في مخيم كلس في تركيا  (غيتي)
لاجئون سوريون في مخيم كلس في تركيا (غيتي)
TT

مشكلات السوريين في تركيا محدودة... و«تسييس» الملف بين الجنسية والتحريض

لاجئون سوريون في مخيم كلس في تركيا  (غيتي)
لاجئون سوريون في مخيم كلس في تركيا (غيتي)

مع طول أمد الأزمة السورية وانتقال نحو 3 ملايين سوري للعيش في تركيا كلاجئين فروا من نيران الحرب التي مزقت بلادهم وتركز أعداد كبيرة منهم داخل المدن، بدأت تظهر مشكلة حقيقية في اندماجهم في المجتمع التركي بسبب وجود بعض الشرائح التي ترفض وجودهم، وليس لكونهم مصدراً للاضطرابات.
ومنذ بدء تدفق السوريين على تركيا في عام 2011، لم تقع حوادث كبيرة أو استهداف للسوريين بشكل متعمد، لا سيما في ظل تقارب العادات والتقاليد وعلاقات التصاهر القائمة بين العائلات في المحافظات الحدودية مع سوريا، مثل شانلي أوروفا وهاتاي وغازي عنتاب وكيليس وأخرى على الجانب الآخر من الحدود، فضلاً عن أن السوريين شكلوا قوة دافعة للاقتصاد التركي في فترة كانت المؤشرات العالمية تشير إلى حالة من الركود، لكن وجود قوة شرائية كبيرة بهذا الحجم أسهمت في تنشيط الأسواق في تركيا، فضلاً عن حركة البضائع من تركيا إلى سوريا.

مشكلات محدودة
الإحصاءات الرسمية التي أصدرتها وزارة الداخلية التركية خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي في رد على حملة ضد السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بعودتهم إلى بلادهم، كشفت أن نسبة تورط السوريين، الذين وصل عددهم إلى 3 ملايين سوري، 300 ألف منهم فقط في مخيمات اللاجئين، والباقي في المدن بينها إسطنبول التي تنفرد وحدها بنصف مليون سوري يقيمون فيها بلا حوادث تذكر تقريباً، بالمشكلات والجرائم في تركيا لا تتجاوز 1.3 في المائة بين عامي 2014 و2017، لافتة إلى أنها نسبة ضئيلة جداً مقارنة بعدد الجرائم التي تسجل في تركيا، علاوة على أنها في غالبيتها نزاعات وخلافات بين بعضهم بعضاً.
وسجلت في الآونة الأخيرة توترات بين مواطنين أتراك وسوريين تسببت في سلسلة من المشاحنات انعكس صداها في مواقع التواصل الاجتماعي، وأدت إلى صدور ردود فعل من بعض فئات الشعب التركي، حيث يؤخذ على بعض السوريين، بحسب ما يتداول عبر هذه المواقع، عدم مراعاتهم أو احترامهم عادات وتقاليد الأتراك التي هي عادات وتقاليد شرقية إسلامية في مجملها، وارتباط بعض السوريين ببعض جرائم النصب أو السلوكيات التي لا تراعي نمط الحياة الاجتماعية في تركيا. وقالت الداخلية التركية إنه رغم ازدياد أعداد السوريين المقيمين في تركيا تراجعت الجرائم التي تورط فيها سوريون بنسبة 5 في المائة خلال النصف الأول من العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

حملة منظمة
وعلى خلفية انتشار عدد من التسجيلات المصورة لعدد من المخالفات لبعض السوريين، عبر بعض الأتراك، بينهم فنانون، عن استيائهم من هذه التصرفات وبقائهم في تركيا ووجهوا انتقادات للحكومة التي سمحت باستقبال 3 ملايين لاجئ، قالوا إنهم «ينازعون الأتراك جميع الفرص داخل البلاد».
وكانت الحادثة الأكثر لفتاً للأنظار ظهور «هاشتاغ» انتشر في تركيا بسرعة كبيرة خلال الشهر الماضي بعنوان «أيها السوريون عودوا إلى بلادكم» قوبل باستياء رسمي وشعبي واسع بعد أن حاول البعض من خلاله تصوير السوريين، الذين فروا إلى تركيا من نيران الحرب في بلادهم والذين أكدت الإحصاءات الرسمية أنهم أعطوا الاقتصاد التركي قوة دفع كبيرة من خلال الإنفاق والأنشطة التي يقومون بها، بأنهم سبب في ارتفاع معدل الجريمة في البلاد عبر التهويل الكبير في وقائع صغيرة لكن يجري تضخيمها كون المتورطين فيها غير أتراك. وظهور هذا «الهاشتاغ» تزامن مع وقوع اشتباكات متفرقة بين بعض الأتراك والسوريين في عدد من المدن التركية، لا سيما في جنوب البلاد مثل مرسين وأضنة، ثم فجأة في العاصمة أنقرة.
ورغم البعد الاجتماعي الذي يعد الأساس في بعض المناطق التي يقيم بها السوريون وليس في جميع المناطق، يبقى هناك بعد سياسي للموقف من السوريين تقول الحكومة التركية إنه نابع من محاولات البعض استغلال الأمر داخلياً بالقول إن الجنود الأتراك يرسلون للموت في سوريا، بينما الشباب السوريون «يتسكعون» مع فتياتنا في ميدان تقسيم أو يتنزهون في الحدائق وعلى الشواطئ.
وبدا في الأسابيع الأخيرة أن هناك نوعاً من التعبئة ضد السوريين وأعمال تحريض واستفزاز تطورت إلى اشتباكات معهم من جانب مواطنين أتراك، آخرها مشادات وقعت في منطقة يني محلة، في العاصمة أنقرة، أسفرت عن إصابة شخص وتحطيم عدد من المحال التجارية لسوريين وتركمان عراقيين يقيمون في المنطقة.
وكانت المغنية عارضة الأزياء، دامات أكالين، وهي من أكثر الفنانين الأتراك تأثيراً في مواقع التواصل من حيث حجم المتابعة، بين الذين أيدوا الهاشتاغ، حيث غردت قائلة: «أيها السوريون اذهبوا إلى بلادكم. لقد طفح الكيل من أخبار السرقة والطعن». وعلى المنوال نفسه، قال لاعب كرة القدم سنان كورومش: «شبان أقوياء كالصخر في بلدي تركيا يستمتعون بتدخين النرجيلة والحانات المنتشرة على شواطئ البحر، بينما يحارب جنودنا في سوريا. عودوا إلى دياركم يا سوريون، عودوا إلى بلادكم». لكن الناشطة التركية في مجال حقوق الإنسان إران كيسكن قالت إن من أيد الهاشتاغ «هم فاشيون وعنصريون».
وقال معارضو الهاشتاغ إن سبب انتشاره يرجع إلى قيام شاب سوري بتصوير فتيات تركيات في البحر، الأمر الذي أثار غضب المصطافين الأتراك، مما حدا بهم إلى إطلاقه واتهموهم باستغلال الحادثة وتوظيفها سياسياً ودعوا إلى عدم التعميم. وأطلق مجموعة من الأتراك الرافضين لهذا المطلب هاشتاغاً آخر هو «السوريون إخوتنا»، وصف المتفاعلون معه المطالبة بطرد السوريين بأنها عنصرية بغيضة وغير إنسانية.

رفض واسع
وقال النائب البرلماني في صفوف «حزب العدالة والتنمية» الحاكم فورال كافونجو لـ«الشرق الأوسط»، إننا لا نلمس أي مشكلات حقيقية تسبب فيها إخواننا السوريون على مدى 6 سنوات من إقامتهم بيننا، معتبراً أن هناك أطرافاً معينة تسعى لتوظيف موضوع اللاجئين السوريين أداة سياسية للضغط على الحكومة. وأضاف أن السوريين قوة بشرية واقتصادية مهمة شكلوا قوة دافعة للاقتصاد التركي وتتم الإفادة منهم في كثير من المجالات، قائلاً إنه لا يجب الالتفات إلى الجهات التي تحاول زرع الفتنة بين الأتراك والسوريين وعدم الاهتمام بالمعلومات الملفقة التي يتم الترويج لها في بعض وسائل الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي.
أما الكاتب والمحلل السياسي يوسف قبلان، فاعتبر أن الهاشتاغ الذي انتشر داعياً السوريين للعودة إلى بلادهم لا يخرج عن كونه دعوة عنصرية بغيضة، قائلاً: «إذا طالبنا السوريين بالعودة إلى بلادهم في ظروفها الراهنة، فمن باب أولى علينا أن نطرد البوسنيين والجورجيين والشيشانيين والألبان والمقدونيين والتركمان، هذا نوع من الفاشية».
ورأى سوريون أن هذه الدعوات لا تعبر عن «روح الأخوة الحقيقية» التي يلمسونها عموماً في تركيا باستثناء بعض الفئات التي تتعمد استفزازهم. وقال أحمد رضوان الذي افتتح محلاً لبيع البضائع والمأكولات السورية في حي الفاتح في إسطنبول: «إننا نعيش هنا كأننا في بلادنا تماماً لا نلمس روحاً عدائية والأتراك يعاملوننا كإخوة وبدأوا يرتادون محلاتنا ومطاعمنا».
وأضاف: «نحن نعمل إما في محلاتنا الخاصة التي نستأجرها وفقاً للقانون، وغيرنا يعمل في مصانع ومحلات وورش تركية بأجور أقل من الأتراك، وهذه نقطة أخرى تثير البعض ضدنا، لكننا في النهاية ندفع إيجارات منازل وفواتير كهرباء ومياه وغاز ونسهم في حركة الاقتصاد في البلاد».
ويعمل غالبية السوريين في ورش ومصانع تركية تدفع لهم أقل بكثير مما يتقاضاه العمال الأتراك، نظراً لقلة الأعمال التي تناسب اللاجئين السوريين، لا سيما الذين لا يجيدون اللغة التركية.

أيادٍ خارجية
ويبدو أن الأزمات الأخيرة المفتعلة للسوريين ليست فقط نابعة من الداخل؛ سواء من بعض طبقات المجتمع التركي أو النخب السياسية، لكن المفاجأة كانت فيما كشف عنه والي العاصمة التركية أنقرة إرجان طوبجو بشأن وجود «أيادٍ أجنبية» تسعى لـ«إشعال الفتنة» بين المواطنين الأتراك والسوريين، لافتاً إلى إبعاد 8 أجانب بعد ثبوت قيامهم بأنشطة تهدف إلى «التحريض وإثارة الفتنة» بين المواطنين والسوريين المقيمين في بعض مناطق العاصمة.
وقال طوبجو في بيان، أول من أمس، إن قوات الأمن التركية ضبطت الأسبوع الماضي 8 أجانب (لم يحدد جنسياتهم)، في منطقة ألتن داغ التي تقطنها أعداد كبيرة من السوريين بضواحي أنقرة، وأبعدتهم خارج البلاد.
وعلى خلفية هذه الحوادث التي تكررت في مدن أخرى يقيم بها سوريون بأعداد كبيرة مثل مرسين وأضنة في جنوب البلاد، أصدرت وزارة الداخلية التركية بياناً حذرت فيه من أن بعض الحوادث التي تقع أحياناً بين المواطنين الأتراك واللاجئين السوريين في بعض الأماكن تهدف إلى زرع الفتنة بين الطرفين، وجعلها أداة لاستخدامها من أجل تحقيق غايات سياسية.
ودعا رئيس الوزراء بن علي يلدريم الشهر الماضي إلى تجنب التعرض للسوريين لأنهم ضيوف على تركيا، وتجنب الانجرار إلى الفوضى والفتنة، قائلاً: «لن نترك المسيئين من دون عقاب، سيتم إبعادهم خارج الحدود التركية في حال اضطررنا إلى ذلك... كل من يتجاوز حدوده سيعاقب أمام القانون، وإن لزم الأمر سيبعد خارج الحدود». لكن يلدريم لفت إلى أنه يوجد من بين السوريين الذين استضافتهم بلاده العالِم والأكاديمي، وستمنح الجنسية التركية لذوي المؤهلات العلمية وأصحاب الكفاءات.
وأشار إلى أن وزارة الداخلية والجهات المعنية الأخرى تواصل إجراء الدراسات اللازمة حول السوريين الذين تتوفر لديهم شروط الحصول على الجنسية.
كما دعا نائب رئيس الوزراء السابق ويسي كايناك إلى التسامح، قائلاً: «إننا نرى ردات فعل اجتماعية ضد السوريين، لو كانت هناك منطقة آمنة لهم في بلادهم لعادوا إليها». وأضاف أن «الحجة القائلة إن (جنودنا يذهبون للموت في سوريا والسوريون ينعمون بالحياة هنا) هي مقولة صحيحة لكنها غير كافية، فالناس الذين في سن تتراوح بين 20 و45 عاماً يمكنهم أن يذهبوا للقتال، لكنهم يحتاجون إلى تعليم وتدريب، وهذه ليست مسؤولية تركيا وحدها، تركيا تتصرف بمفردها بدافع إنساني. هناك مليون و200 ألف امرأة سورية بلا عائل في تركيا، وليس من الممكن لتركيا أن تتخلى عنهم».

إحصاءات
* في أحدث مسح ميداني أجري في تركيا (في 10 مدن تركية هي الأكبر من حيث تركز السوريين) بمعرفة مؤسسة التنمية الإنسانية وشركة إبسوس بعنوان «رصد سبل العيش للاجئين»، قال نحو 74 في المائة من السوريين الذين فروا من بلادهم، إنهم يريدون الحصول على الجنسية التركية. وأوضح المسح أن 52 في المائة من المستطلعة آراؤهم يخططون لبناء مستقبلهم في تركيا.
واستهدف المسح تتبع الأوضاع المعيشية للاجئين السوريين الذين يعيشون خارج مخيمات اللاجئين، ومشاعرهم العامة وخططهم المستقبلية فيما يتعلق بالعيش في تركيا، فضلاً عن سلوكهم في الاستهلاك والتسوق.
وذكر أن 74 في المائة بينما بلغت نسبة المستطلعة آراؤهم الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً الراغبين في الحصول على جواز سفر تركي 80 في المائة.
وقال إن نحو 70 في المائة من المستطلعين لا يعرفون اللغة التركية. وأضاف 45 في المائة أنهم تعرضوا للتمييز، بينما قال 42 في المائة إنهم يبحثون عن سبل للانتقال إلى الدول الأوروبية.
وفيما يتعلق بتأسيس مستقبل لأطفالهم في تركيا، قال 52 في المائة إنهم يريدون البقاء، في حين قال 44 في المائة إنهم لم يفكروا أبداً في مغادرة تركيا.
وأشار المسح إلى أن القوة الشرائية اليومية للسوريين في تركيا أقل من دولارين، ويبلغ الإنفاق الاستهلاكي الشهري للأسرة السورية 867 ليرة تركية، مع تخصيص 140 ليرة في المتوسط لكل شخص.
وبلغت نسبة العاملين السوريين المسجلين 31 في المائة، وقال 70 في المائة إن ظروف عملهم أسوأ من ظروف عمل المواطنين الأتراك. وأجري المسح، الذي نشرت نتائجه الأسبوع الماضي، في الفترة بين 27 أبريل (نيسان) و20 مايو (أيار) في 10 مدن هي إسطنبول وشانلي أورفا وهاتاي وغازي عنتاب وأضنة ومرسين وكيليس وماردين وبورصا وإزمير على عينة من 2821 أجريت معهم مقابلات وجهاً لوجه.
ويدرس مجلس الوزراء التركي حالياً منح 7 آلاف سوري الجنسية التركية، وبات القرار جاهزاً للتوقيع، إذ أنهت الحكومة التركية إجراءات البحث والتدقيق وتشكيل القوائم النهائية للتجنيس التي امتدت لمدة عامين كاملين استهدفت فيها أصحاب المهن الذين لا توجد لديهم مشكلات أمنية، وسيصدر قرار تجنيسهم في أول قائمة قريباً، يتبعها فيما بعد قوائم أخرى.
وبحسب مصادر في إدارة شؤون الهجرة التركية، فإن الاستعدادات الخاصة بالقوائم بدأت منذ بداية العام الحالي، وأعدت القائمة الأولى الشهر الماضي وتتضمن 7 آلاف اسم معروضة للتوقيع عليها.
وبحسب الأرقام الرسمية لوزارة الداخلية، بلغ عدد اللاجئين السوريين في تركيا نحو 3 ملايين شخص، ويبلغ عدد النساء والأطفال منهم مليونين، 10 في المائة منهم يقطنون في 26 مخيماً تابعاً لمؤسسة الكوارث التركية، ويتوزع باقي اللاجئين في الولايات التركية.



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.