النظام يواصل «قضم» غوطة دمشق... وتعزيزات لـ«رسم حدود» في درعا

دخان يتصاعد من درعا بعد غارات شنتها قوات النظام أمس (وكالة نبأ)
دخان يتصاعد من درعا بعد غارات شنتها قوات النظام أمس (وكالة نبأ)
TT

النظام يواصل «قضم» غوطة دمشق... وتعزيزات لـ«رسم حدود» في درعا

دخان يتصاعد من درعا بعد غارات شنتها قوات النظام أمس (وكالة نبأ)
دخان يتصاعد من درعا بعد غارات شنتها قوات النظام أمس (وكالة نبأ)

دفع النظام السوري بتعزيزات عسكرية إلى الجبهة الجنوبية؛ تمهيداً لمعركة استراتيجية ينوي خوضها، تهدف إلى «تثبيت خطوط انتشاره» في الأحياء التي يسيطر عليها في مدينة درعا، والمناطق المحيطة بالطريق الرئيسة المؤدية إلى المدينة في موازاة مواصلته عمليات «القضم البطيء» التي يتبعها في ريف دمشق، لتوسيع رقعة انتشاره على حساب مناطق المعارضة.
ولا يخرج التصعيد العسكري في درعا وريفها والقصف الجوي والمدفعي المتقطع منذ أيام، عن سياق التحضيرات للمعركة التي ينوي النظام إطلاقها. وقادت مؤشرات إلى الاعتقاد بأن المعركة ستنطلق قريباً، لعل أبرزها «وصول تعزيزات من الفرقة الرابعة (بقيادة العميد ماهر الأسد في الحرس الجمهوري) إلى درعا وريفها»، حيث استهدفت المعارضة بعض تلك التعزيزات وخطوط الإمداد إلى المدينة.
وقالت مصادر المعارضة في الجنوب لـ«الشرق الأوسط» إن قواتها أيضاً «تستعد للمعركة»، مشيرة إلى أنها حققت تقدماً على جبهة المنشية، كما استهدفت التعزيزات النظامية إلى درعا قبل أيام، مضيفة أن معركة النظام «ورغم كثافة القصف الجوي خلال الأيام الأخيرة، لن تكون سهلة».
وجاءت تلك التعزيزات بعد ساعات على زيارة العميد ماهر شقيق بشار الأسد وقائد الفرقة الرابعة إلى مدينة إزرع في محافظة درعا، بحسب ما نشر موقع «عنب بلدي» المعارض قبل أيام قليلة، موضحاً أن عدداً من ضباط الفرقة الرابعة رافقوا ماهر الأسد في الزيارة المفاجئة، وغادر الأسد في غضون ساعات، فيما بقي القادة في إزرع.
وتتضارب التقديرات حول طبيعة المعركة التي تنوي قوات النظام خوضها في جنوب البلاد. وتتحدث وسائل الإعلام الموالية للنظام عن «معركة لاستعادة السيطرة على درعا، على غرار معركة حلب» التي أفضت لاستعادة سيطرته على كامل أحياء المدينة، فيما قال مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» رامي عبد الرحمن، إن المعطيات الميدانية «تشير إلى أن النظام السوري يسعى لتثبيت خطوطه في المدينة والأحياء المحاذية لها، ووضع حد للاستنزاف الذي طال قواته على خطوط التماس في المدينة»، مشيراً إلى أن التعزيزات التي دفع بها، والتحضيرات العسكرية «لا ترقى إلى مستوى استعداده لخوض عملية واسعة في الجنوب». وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» إن النظام «يسعى لاستعادة حي المنشية وتثبيت نقاط (حماية) في مدينة درعا، وتأمين خطوط إمداده إلى المدينة وتعزيز وجوده في إزرع، وتحقيق قضم بطيء في الريف الغربي انطلاقاً من الشيخ مسكين».
ورغم أن حجم التعزيزات، يشير إلى أن سياق المعركة سيكون أكبر من تثبيت النقاط أو استعادة حي المنشية الذي خسر النظام القسم الأكبر منه في فبراير (شباط) الماضي، فإن التقديرات تشير إلى أن استعادة السيطرة على مدينة درعا «باتت هاجساً أساسيا للنظام في الوقت الحالي».
وقال الناطق باسم الجبهة الجنوبية عصام الريس لـ«الشرق الأوسط» إن النظام «بدأ بالدفع بالتعزيزات منذ نحو أسبوع، وتضمن تعزيزاً بالقوة البشرية والقوات والميليشيات الأجنبية المساندة لها»، فضلاً عن الدبابات والمدافع وراجمات الصواريخ. وقال إن الأرتال التي دفع النظام بها إلى درعا «تشير إلى أن النظام يريد أن يستعيد حي المنشية الذي بات كابوساً بالنسبة له، كما يريد استعادة المناطق التي خسرها في المدينة»، لافتاً إلى أن حملة القصف الجوي والمدفعي المستمرة منذ أسبوعين «تصاعدت بشكل غير مسبوق خلال الأيام القليلة الماضية، ما يشير إلى أن المعركة اقتربت».
وتحدث ناشطون في درعا أمس عن استهداف «درعا البلد» بـ30 «صاروخ فيل»، و29 غارة جوية، و38 برميلا متفجّرا، بالتزامن مع اشتباكات عنيفة يشهدها حي المنشية بمدينة درعا، في حين نقلت مواقع سورية معارضة عن مصادر ميدانية تأكيدها بأن «فصائل الثوار قصفت تعزيزات قوات النظام المستقدمة لمدينة درعا بغية شنهم لهجوم باتجاه المناطق المحررة».
بدوره، قال المرصد إن «اشتباكات تواصلت بشكل عنيف بين قوات النظام والمسلحين الموالين لها من جانب، والفصائل المقاتلة والإسلامية وهيئة تحرير الشام من جانب آخر، على محاور في حي المنشية بدرعا البلد، في محاولة من كل طرف تحقيق تقدم على حساب الطرف الآخر، وتسبب القصف المكثف بدمار في ممتلكات مواطنين، فيما شهدت مناطق سيطرة قوات النظام في مدينة درعا، سقوط قذائف أطلقتها الفصائل على مناطق سيطرة قوات النظام، ما تسبب في وقوع عدة جرحى.
وتعد جولة الاشتباك التي شهدتها مدينة درعا أمس، ثالث معركة عنيفة تشهدها المدينة، منذ بدء تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في مناطق «تخفيف التصعيد» الممتدة من الشمال إلى الجنوب السوري، إذ وقعت اشتباكات في 22 مايو (أيار) الفائت، بعد خمسة أيام على معارك اندلعت في 17 مايو، وترافقت المعركتان مع عشرات الغارات والضربات الصاروخية والمدفعية المتبادلة.
وفي مقابل التخفيف من سقف التوقعات حول تصعيد النظام، تحدثت صفحات موالية عن التعزيزات العسكرية البرية التي «تهدف إلى استعادة حي المنشية، وطرد جبهة النصرة من درعا البلد، واستعادة السيطرة على كامل المحافظة». ونشرت تلك المواقع صوراً لدبابات حديثة وآليات ثقيلة محمولة على شاحنات أثناء مرورها في المنطقة الجنوبية.
وانطلقت تلك التعزيزات من منطقة خربة غزالة، أبرز تجمع عسكري للنظام في جنوب سوريا، وذلك بعد استقدام العناصر والآليات على مراحل من مناطق دمشق وريفها، حيث أتاحت الاتفاقات المحلية لقوات النظام فرصة سحب المقاتلين ونقلهم إلى جبهات أخرى. وتقول مصادر المعارضة إن تلك الآليات التي اتجهت إلى درعا، هي من القوات التي كانت تنتشر حول برزة وأحياء دمشق أخرى التي عقدت مصالحات مع النظام، كما أن المدافع والدبابات الثقيلة تم سحبها من مناطق القلمون الغربي.
ورغم اتفاق «آستانة» وفرض مناطق التهدئة التي تشمل ريف دمشق أيضاً، واصل النظام «قضم مساحات في ريف دمشق والغوطة الشرقية حين يجد الفرصة سانحة لذلك»، بحسب ما يقول مصدر عسكري معارض رفيع لـ«الشرق الأوسط»، إذ «يحاول استغلال الوقت لزيادة مساحة انتشاره وتنفيذ انقضاضه على مناطق دخوة وجيوب ضعيفة لدى قوات المعارضة».
وأفاد «المرصد» أمس بـ«سقوط عدة قذائف هاون أطلقتها قوات النظام على مناطق في مدينة دوما في الغوطة الشرقية، كما قصفت قوات النظام بصاروخ يعتقد أنه من نوع أرض - أرض، أماكن في منطقة حوش الضواهرة». كما دارت معارك عنيفة في الريف الجنوبي لحلب شمال البلاد.
* ...ويجدد محاولة اقتحام ريف حماة
بدأت قوات النظام السوري أمس محاولة اقتحام مدينة اللطامنة في ريف حماة الشمالي، حيث تصدت لها قوات المعارضة، في وقت منيت قوات النظام بخسائر على جبهة دير الزور، حيث حقق تنظيم داعش التقدم في بعض الأحياء.
وأكد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن مناطق في محيط بلدة اللطامنة تعرضت لقصف من قبل قوات النظام بالتزامن مع اشتباكات عنيفة قرب بلدة اللطامنة، بين الفصائل الإسلامية والمقاتلة من جهة، وقوات النظام والمسلحين الموالين من جهة أخرى، تركزت في محور الزلاقيات وعلى نقاط متقدمة للفصائل قرب اللطامنة. وعلم «المرصد» أن قوات النظام تمكّنت من تحقيق تقدم في عدة مواقع ونقاط، أعقبها بدء الفصائل هجوما معاكسا يهدف لاستعادة السيطرة على هذه النقاط، وترافقت الاشتباكات مع استهدافات متبادلة بين طرفي القتال.
ودارت اشتباكات بين قوات النظام والمسلحين الموالين من جهة، والفصائل المقاتلة والإسلامية من جهة أخرى، على محاور في الريف الجنوبي لحلب، إثر هجوم من قوات النظام على أحد المحاور في محيط كفر بيش، في وقت قصفت قوات النظام أماكن في بلدة تلذهب بمنطقة الحولة في ريف حمص الشمالي.
وعلى صعيد المعارك بين النظام و«داعش»، سيطر تنظيم داعش على مدرسة ودوار البانوراما وتلة الصنوف المطلة على اللواء 137 جنوب غربي المدينة، بحسب ما أفاد «فرات بوست» الذي قال إن ذلك يمكن التنظيم من قطع طريق إمداد اللواء 137 من جهة طريق (دير الزور - دمشق) وبقي للنظام طريق واحد للإمداد عبر الطلائع، وما يعني أيضاً سقوط المنطقة الممتدة من دوار البانوراما وحتى السكن الجامعي نارياً بيد التنظيم.
وفي مقابل هذه المعركة، شن النظام معركة لإبعاد التنظيم من ريف حماة الشرقي، دارت اشتباكات عنيفة، شرق مدينة سلمية في ريف حماة الشرقي، إثر محاولة القوات النظامية التقدم والسيطرة على قرى خاضعة لتنظيم داعش، ينطلق منها لمهاجمة مواقع النظام في المنطقة.
وقال الناشط الإعلامي المعارض أحمد الحموي من ريف حماة، إن القوات النظامية تحاول التقدم إلى قرى عرشونة وأبو حبيلات وأبو حنايا وغيرها، بالتزامن مع استهداف الطيران الحربي الروسي والنظامي بعشرات الغارات مناطق سيطرة التنظيم بريف حماة الشرقي، مشيراً في تصريحات لـ«مكتب أخبار سوريا»، إلى أن القوات النظامية بدأت، قبل عدة أيام، حملة عسكرية واسعة للسيطرة على مواقع التنظيم في ريف حماة الشرقي، بعدما هاجم قريتي المبعوجة وعقارب الصافية قبل نحو 20 يوما، وقتل 60 شخصا، وجرح أكثر من مائة آخرين.
جددت الطائرات الحربية تنفيذ غاراتها على مناطق في ريف حماة الشرقي، حيث استهدفت الضربات أماكن في ناحية عقيربات التي يسيطر عليها تنظيم داعش.
يشار إلى أن التنظيم يسيطر على بلدة عقيربات وعدة قرى في محيطها بريف حماة الشرقي منذ نحو أربع سنوات، ويتخذ منها مركز انطلاق لعملياته العسكرية باتجاه مواقع القوات النظامية في المنطقة، ويقطن في مناطق سيطرة التنظيم نحو 8000 شخص، يفتقدون لأبرز مقومات الحياة ويمنعهم التنظيم من المغادرة، بحسب ناشطين معارضين من المنطقة.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.