بدء تطبيق مرسوم ترمب الخاص بالهجرة في مطارات أميركية وعربية

غضب محلي ودولي وإدانات وتحديات قضائية للقرار

متظاهرون يرفعون يافطات في مطار «جي إف كي» الدولي في نيويورك احتجاجًا على المرسوم الرئاسي (أ.ف.ب)
متظاهرون يرفعون يافطات في مطار «جي إف كي» الدولي في نيويورك احتجاجًا على المرسوم الرئاسي (أ.ف.ب)
TT

بدء تطبيق مرسوم ترمب الخاص بالهجرة في مطارات أميركية وعربية

متظاهرون يرفعون يافطات في مطار «جي إف كي» الدولي في نيويورك احتجاجًا على المرسوم الرئاسي (أ.ف.ب)
متظاهرون يرفعون يافطات في مطار «جي إف كي» الدولي في نيويورك احتجاجًا على المرسوم الرئاسي (أ.ف.ب)

اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) مكانا لتوقيع مرسومه الرئاسي الخاص بمنع دخول اللاجئين والمهاجرين إلى الأراضي الأميركية لفترات محددة في قراره الأخير المثير للجدل، في دلالة على إشراك البنتاغون في مهمة تنفيذ القرار خصوصا ما يتعلق بإبقاء اللاجئين السوريين في بلادهم. كما اختير تسمية القرار «أمر تنفيذي لحماية الأمة من هجمات إرهابية بأيدي رعايا أجانب». وبمجرد أن بدأ سريان مفعول القرار مساء الجمعة بدأ تطبيقه في مطارات أميركية وعربية كثيرة فكان أولى ضحاياه مسافرين ينتمون إلى العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان والصومال وإيران وهي الدول الإسلامية السبع التي ينص القرار على حرمان رعاياها من دخول الأراضي الأميركية لمدة ثلاثين يوما هي الفترة التجريبية لمرسوم ترمب قبل أن يتم تعميم الإجراءات على المزيد من الدول ذات الأغلبية المسلمة. ويواجه القرار تحديات قانونية وقضايا يعتزم رفعها مسلمون أميركيون متضررون من القرار، علاوة على أنه قوبل بعاصفة قوية من الغضب والانتقاد داخل الولايات الأميركية وخارجها، بسبب ما تضمنه القرار من خلط في التعامل مع مشكلة الإرهاب والهجرة في حزمة واحدة وعدم تفريقه بين استهداف عناصر تنظيم داعش، واستهداف اللاجئين الأبرياء من ضحايا «داعش».
* دور البنتاغون
في أولى زيارات الرئيس الأميركي إلى مبنى وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية، مساء الجمعة، جرى توقيع قرارين جعلهما ترمب مرتبطين ببعضهما، الأول هو الأمر التنفيذي «لحماية الأمة من هجمات إرهابية بأيدي رعايا أجانب»، ويتضمن قيودا سيأتي تفصيلها على الهجرة واللجوء من الدول الإسلامية، والثاني كان توجيها رئاسيا لوزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس، وكبار قادة الجيش الأميركي برفع مستوى الجيش الأميركي لكن أهم ما فيه يمهلهم فيه 30 يوما ليس لوضع خطط تجمع بين إيجاد سبل جديدة لمواجهة تنظيم داعش ومواجهة مشكلة اللجوء عن طريق فتح معسكرات حماية وإقامة مناطق آمنة للاجئين السوريين داخل بلادهم بما قد يتسنى لاحقا إعادة الواصلين إلى الدول الغربية إلى تلك المناطق الآمنة. وقال ترمب أثناء وجوده في البنتاغون وقبيل توقيع القرار «أنا أضع معايير فحص جديدة لإبقاء الإرهابيين المتشددين الإسلاميين خارج الولايات المتحدة الأميركية. لا نريدهم هنا». وأضاف ترمب «نريد فقط أن نقبل في بلادنا هؤلاء الذين يدعمون بلادنا ويحبون شعبنا بعمق».
وخلال الزيارة، أدى وزير الدفاع أمام الرئيس اليمين الدستورية في مراسم علنية قبل أن يعقد الرئيس اجتماعه مع الوزير المعين وأعضاء هيئة الأركان الأميركية المشتركة، لمناقشة مضامين التوجيه الرئاسي، وفقا لما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى على اطلاع بما دار بين الرئيس الأميركي وكبار مسؤولي وزارة الدفاع مدنيين وعسكريين.
وفي الوقت الذي تم إعلان مضامين المرسوم الرئاسي المتعلق بالهجرة واللجوء فإن التوجيه الرئاسي للبنتاغون لم يعلن عن نصه رسميا لكن مسؤولين أميركيين أبلغوا «نيويورك تايمز» أنه يتضمن أمرا ملزما للبنتاغون بعرض خيارات جديدة لتوجيه ضربات أكثر فعالية ضد تنظيم داعش وخطط إقامة مناطق لجوء آمنة يتم تقديمها للرئيس خلال 30 يوما.
وأضاف المسؤولون وفقا لـ«نيويورك تايمز» أن الرئيس الأميركي منح الجنرالات ومسؤولي العمليات صلاحية استخدام قطع المدفعية الأميركية على الأرض في سوريا وتكثيف هجمات المروحيات العسكرية لإسناد الهجوم على مدينة الرقة معقل التنظيم في سوريا، وهو ما اعتبر مؤشرا لانفتاح ترمب على خيار خوض المواجهات البرية التي حرص سلفه باراك أوباما على تجنبها، في سبيل نجاح تنفيذ خطة المناطق الآمنة وحل مشكلة اللجوء من جذورها.
وفيما يتعلق بالمرسوم الرئاسي بشأن الهجرة واللجوء فقد جاء بصيغة دفاعية أكثر منها أمنية أو إدارية حيث اختار له البيت الأبيض تسمية: «أمر تنفيذي لحماية الأمة من هجمات إرهابية بأيدي رعايا أجانب». كما نص على إنشاء مناطق آمنة في سوريا للسكان المعرضين للخطر، وتكليف وزير الدفاع بتقديم خطة تأسيس المناطق الآمنة في غضون شهر.
ويوضح المرسوم في ديباجته أن الغرض من إصداره، وهو حماية الأميركيين من عمليات إرهابية قد ينفذها أجانب قادمون إلى الولايات المتحدة بتأشيرات هجرة أو زيارة. ويتضمن الكثير من الإجراءات أبرزها منع قبول اللاجئين القادمين من سوريا نهائيا. وتعليق قبول اللاجئين من جميع أنحاء العالم لمدة 120.
كما يتطرق إلى فرض حظر لمدة 30 يوما، على دخول أي مهاجرين أو زائرين من العراق وسوريا وإيران والسودان وليبيا والصومال واليمن، ويعلق إصدار التأشيرات لمدة 60 يوما لمواطني البلدان «المثيرة للقلق»، إلى أن تتلقى الولايات المتحدة معلومات من البلدان المستهدفة تساعد على فرز الصالحين من رعاياها للحصول على تأشيرات، على أن يتولى بعد ذلك وزير الأمن الداخلي ومدير الاستخبارات الوطنية، وضع قائمة بالدول التي لا تفي بمطالب توفير المعلومات. ويمنع رعايا تلك البلدان من دخول الولايات المتحدة.
كما يتضمن إجراءات أخرى تطرقت «الشرق الأوسط» إلى تفاصيلها في أعداد سابقة.
ويستثني المرسوم الدبلوماسيين أو الموظفين الدوليين والعاملين في حلف شمال الأطلسي، كما يعطي المرسوم الحق في استثناء أي شخص إذا ما وجد في ذلك مصلحة للولايات المتحدة.
* تطبيق فوري وتحديات قضائية للقرار
وبمجرد بدء سريان القرار الرئاسي تواردت تقارير إعلامية أن السلطات في الموانئ والمطارات الأميركية باشرت تنفيذه الأمر حيث احتجزت قادمين من دول إسلامية بعد ساعات من توقيع ترمب عليه.
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» مسافرين من رعايا الدول الإسلامية السبع كانوا في طريقهم جوا إلى الولايات المتحدة عندما وقع ترمب أمره التنفيذي فجرى منعهم من الدخول.
وقالت الصحيفة إن احتجاز المسافرين ووجه بطعون قضائية حيث قدم محامو لاجئين عراقيين يحتجزان في مطار جون كيندي في نيويورك طعنا أمام المحكمة للمطالبة بالإفراج عنهما، وقالوا: إن احتجازهما غير قانوني. كما تعهد مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية ومنظمات أخرى برفع قضايا قانونية لإبطال القرار كونه من وجهة نظر هذه المنظمات يستهدف المسلمين مما يتعارض مع حرية الاعتقاد المنصوص عليها في الدستور الأميركي. وأكدت مديرة الدعاوى الوطنية بمجلس العلاقات الأميركية الإسلامية لينا المصري أن الهدف من قرار ترمب هو استهداف المسلمين، مضيفة أن هناك أكثر من 20 من القادة المسلمين يساندون المجلس في رفع قضية ضد ترمب، مشيرة إلى أن تفاصيل الدعوى ستُكشف غدا الاثنين لدى تسليمها إلى محكمة القطاع الغربي بولاية فرجينيا.
وفي مطار القاهرة ذكرت مصادر رسمية لوكالة رويترز أن خمسة عراقيين ويمنيا واحدا على الأقل منعوا يوم السبت من ركوب طائرة لمصر للطيران المتجهة إلى نيويورك بعد دخول قرار ترمب حيز التنفيذ. وأوضحت الوكالة نقلا عن المصادر ذاتها أن الستة الذين كانت وجهتهم مطار جون كيندي في نيويورك منعوا من ركوب رحلة مصر للطيران 985 رغم أنهم يحملون تأشيرات هجرة سارية وسيعادون لبلادهم.
ومن جانبها نصحت شركة الخطوط الجوية القطرية الركاب المتوجهين إلى الولايات المتحدة من الدول السبع بعدم السفر ما لم يكونوا حاصلين على بطاقة خضراء (إقامة دائمة) أو تأشيرة دخول دبلوماسية، أو يحملون جوازات سفر حكومات أجنبية والأمم المتحدة ومنظمات.
جاء ذلك في بيان على موقعها على الإنترنت موجه لرعايا السودان وليبيا والصومال وسوريا وإيران والعراق واليمن. وقالت وكالتا سفر لوكالة الصحافة الفرنسية إن طيران الاتحاد وطيران الإمارات والخطوط الجوية التركية أصدرت أوامر بعدم بيع تذاكر للسفر إلى الولايات المتحدة أو السماح لرعايا الدول السبع بمن فيهم الإيرانيون الذين لديهم تأشيرات سفر إلى الولايات المتحدة بركوب الطائرات المتجهة إلى الولايات المتحدة.
وفي أول رد فعل إيراني على مرسوم ترمب أعلنت وزار الخارجية الإيرانية تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل ما لم تتراجع واشنطن عن تدابير المنع. وأكدت الوزارة في بيان بثه التلفزيون الرسمي أن «جمهورية إيران الإسلامية.... التي تحترم الشعب الأميركي، ومن أجل الدفاع عن حقوق مواطنيها، قررت تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل بعد القرار المهين للولايات المتحدة المتعلق بالرعايا الإيرانيين، وما لم يرفع هذا التدبير».
وفي ذات السياق أعلنت منظمة الطيران الإيرانية أن الخطوط الجوية الإيرانية غير معنية بالأمر لأنها ليس لديها رحلات مباشرة إلى الولايات المتحدة في غياب العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، غير أن أكثر من مليون إيراني في الولايات المتحدة، لا بد أنهم يشعرون بالقلق حول تبعات قرار ترمب، وقد قالت طالبة إيرانية تدرس في كاليفورنيا وتزور بلادها حاليا إنها لا تستطيع العودة إلى الولايات المتحدة بعد إلغاء تذكرتها بسبب القيود الجديدة. وصرحت الطالبة التي طلبت عدم كشف اسمها «كان لدي تذكرة على الخطوط التركية في 4 فبراير (شباط)، ولكنها ألغيت». وأضافت: «لقد أبلغت المسؤولين في الجامعة عبر البريد، وفوجئوا. وسيبعثون لي برسالة لكي أحاول السفر من أوروبا».
وفي الخرطوم عبرت الخارجية السودانية السبت عن «الأسف» لإدراج السودانيين في قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفقا لبيان صادر عن الناطق باسم الخارجية السودانية قريب الله خضر، وزعته وكالة الصحافة الفرنسية. وأضاف بيان الخارجية السودانية أنه «لمن المؤسف حقا أن القرار جاء متزامنا مع إنجاز البلدين لخطوة تاريخية مهمة برفع العقوبات الاقتصادية والتجارية الأميركية عن السودان».
واعتبر وزير خارجية لوكسمبورغ يان اسلبورن في مقابلة نشرت مقتطفات منها السبت أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمنع مواطني سبع دول مسلمة من دخول الولايات المتحدة سيزيد «الكراهية حيال الغرب». وقال اسلبورن في مقابلة مع صحيفة «تاغسبيغل» الألمانية إنه بهذا القرار «فإن الرئيس الأميركي قسم العالم الإسلامي بين أخيار وأشرار». وأضاف أن «القرار سيئ أيضا بالنسبة إلى أوروبا لأنه سيزيد الحذر والكراهية حيال الغرب داخل العالم الإسلامي».
ومن جانبها دعت منظمة الأمم المتحدة الرئيس الأميركي إلى الاستمرار في استقبال اللاجئين في بلاده، والامتناع عن التمييز على أساس العرق أو الجنسية أو الدين. كما أعربت المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية العليا للاجئين عن أملها في أن «تواصل الولايات المتحدة دورها الريادي والحماية التي تقدمها منذ زمن للهاربين من النزاعات والاضطهادات»، وشددت المنظمتان في بيان مشترك «على قناعتهما الراسخة بأن اللاجئين يجب أن يتلقوا معاملة عادلة، وفرصًا لإعادة إدماجهم أيًا كان دينهم أو جنسيتهم أو عرقهم». إلى ذلك وصف وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرو قرار الرئيس الأميركي بأنه يبعث على القلق. وقال في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الألماني زيجمار غابرييل في باريس «يمكن لهذا أن يثير قلقنا. إن الترحيب باللاجئين الذين يفرون من الحرب والقمع جزء من واجبنا».
* غضب داخل أميركا
وقوبل مرسوم ترمب الرئاسي كذلك بغضب على الصعيد المحلي الأميركي حيث وصف السيناتور الديمقراطي تشاك شومر قرار ترمب بأنه «أكثر القرارات التنفيذية الرئاسية رجعية». وفي تعليق غاضب للسيناتور الأميركي شومر قال: «الدموع تنهمر على خدي تمثال الحرية الليلة، بعد أن كان ترحيب أميركا بالمهاجرين موجودا منذ التأسيس، والآن تم الدوس على ذلك... استقبال اللاجئين والمهاجرين ليس عملا إنسانيا فقط بل أيضا أدى إلى تحفيز اقتصادنا وخلق فرص عمل على مدار عقود من الزمن».
وقالت السيناتور الديمقراطية، كامالا هاريس، في تعقيب على قرار ترمب: «هذا حظر للمسلمين، لا تشكوا بذلك أبدا». وقالت جماعة (مسلم أدفوكيتس) المعنية بالحقوق المدنية في واشنطن إن السكان المقيمين في الولايات المتحدة بصفة دائمة وقانونية أي من يحملون «البطاقة الخضراء» تلقوا نصيحة باستشارة محامين للهجرة قبل السفر إلى الخارج أو محاولة العودة للبلاد. وقال عبد أيوب مدير الشؤون القانونية والسياسية للجنة الأميركية العربية لمكافحة التمييز إنه تلقى نحو 100 استفسار من أناس قلقين بشأن الأمر الذي قال: إنه قد يؤثر على حاملي البطاقة الخضراء والطلاب والقادمين إلى الولايات المتحدة طلبا للرعاية الطبية وآخرين. وأضاف: «إنها فوضى». واتهم آخرون ترمب باستغلال مخاوف الأميركيين من تنظيم داعش وتدفق المهاجرين على أوروبا نتيجة للحرب الأهلية السورية لتنفيذ رغبته في حظر دخول كل المسلمين للولايات المتحدة في انتهاك للدستور الأميركي.
ويقدر عدد المسلمين في أميركا بنحو 3.3 ملايين نسمة، أو ما يعادل 1 في المائة من مجموع السكان البالغ عددهم 320 مليون نسمة. وكانت الولايات المتحدة قد استقبلت 38 ألف مهاجر مسلم العام الماضي، وهو أكبر عدد منذ 2002، كما استقبلت عددا قليلا نسبيا من اللاجئين السوريين بلغ «نحو 12500 لاجئ».



متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.


سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن واشنطن لا تمانع عودة تركيا إلى برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35»، متوقعاً أن يتم معالجة مسألة العقوبات الأميركية المفروضة عليها بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس - 400» قريباً.

وفي تكرار لتصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال براك، خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي انطلقت دورته الخامسة، الجمعة، في مدينة أنطاليا جنوب تركيا،: «أعتقد أن مشكلة منظومة (إس – 400) ستحل قريباً، ومن وجهة نظر رئيسي (دونالد ترمب)، لا مانع من قبول تركيا في برنامج طائرات (إف - 35)».

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف - 35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، عقب حصولها على منظومة «إس - 400» في صيف عام 2019، لتعارضها مع منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض عليها ترمب عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات «إف - 35».

منظومة «إس - 400» الروسية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف - 35».

وفي ديسمبر الماضي، قال براك، إن أنقرة باتت أقرب إلى التخلي عن المنظومة الروسية، متوقعاً إمكانية حل هذا الملف خلال فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، لافتاً إلى أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة المنظومة الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

واقترحت تركيا، في مارس (آذار) الماضي، تشغيل منظومة «إس - 400» بشكل مستقل عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لحل الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنهاء أزمة استبعادها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35» والحصول عليها.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

ولم تفعّل تركيا المنظومة الروسية منذ حصولها عليها، بموجب الصفقة التي وقعت مع روسيا في عام 2017، أو نقلها إلى مكان آخر أو بيعها لدولة أخرى.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، «إن الحل الذي اقترحته تركيا بات واضحاً، تم إبلاغ نظرائنا الأميركيين بفكرة تشغيل منظومة (إس – 400) كنظام مستقل، دون دمجها في أنظمة الناتو، وإن هذا هو الحل الأمثل».

وعن مسار العلاقات التركية - الأميركية، قال براك إن العلاقات بين أنقرة وواشنطن شهدت تقدماً ملحوظاً خلال الـ16 شهراً الماضية يفوق ما تحقق خلال الـ15 عاماً الماضية.

ولفت إلى إحراز تقدم في مجالات السياسة الخارجية والاستخبارات والشؤون العسكرية والتجارية، لا سيما في ظل العلاقات الجيدة بين الرئيسين، رجب طيب إردوغان ودونالد ترمب.

براك متحدثاً عن العلاقات التركية - الأميركية خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (إعلام تركي)

وأضاف براك: «يجري إعادة تشكيل التحالف بين البلدين، ما حدث في سوريا (منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024) كان في صالح تركيا إلى حد كبير، تستحق تركيا والسعودية ثناءً كبيراً لدعمهما هذا «الهيكل الناشئ» في سوريا.

وتابع أنه «حتى مع وجود بعض العيوب؛ في الواقع، كانت تركيا العامل الحاسم في هذه العملية، العلاقات بين البلدين أفضل من أي وقت مضى، أعتقد أنه سيتم التوصل إلى حل لمسألة منظومة (إس – 400) قريباً، ومن وجهة نظري، فإن إعادة قبول تركيا في برنامج (إف - 35) أمر ممكن أيضاً».