بارزاني: وضع العرب السنة صعب جدًا ومشكلتهم غياب المرجعية الدينية والسياسية

قال لـ «الشرق الأوسط» إن إزاحة زيباري كانت ترمي إلى إفشال معركة الموصل وإطاحة حكومة العبادي

الرئيس مسعود بارزاني خلال حديثه للزميل غسان شربل رئيس التحرير ({الشرق الأوسط})
الرئيس مسعود بارزاني خلال حديثه للزميل غسان شربل رئيس التحرير ({الشرق الأوسط})
TT

بارزاني: وضع العرب السنة صعب جدًا ومشكلتهم غياب المرجعية الدينية والسياسية

الرئيس مسعود بارزاني خلال حديثه للزميل غسان شربل رئيس التحرير ({الشرق الأوسط})
الرئيس مسعود بارزاني خلال حديثه للزميل غسان شربل رئيس التحرير ({الشرق الأوسط})

هذا موعدي «الداعشي» الثالث مع مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان العراق؛ في العاشر من يونيو (حزيران) 2014 كنت على موعد معه في باريس. قبل وصولي كانت الشاشات تتحدث عن سقوط الموصل في يد تنظيم داعش قبل ساعات. توقع بارزاني أن تكون مرحلة ما بعد سقوط المدينة صعبة ومريرة، وهذا ما حصل. في شتاء 2015 طلبت موعدًا لمقابلته فاستقبلني في كردستان في مقر قيادة ميداني أقامه على خط الجبهة مع «داعش»، وقال يومها إن الحدود الجديدة بين الدول أو داخلها ترسم بالدم... وقبل أيام التقيته في دافوس الغارقة بالثلوج، لكن كان لا بد من بدء الحوار بالسؤال عن معركة الموصل وأوضاع «داعش» قبل الانتقال إلى شجون عراقية أخرى... وهنا نص الحوار:
* فخامة الرئيس، ما آخر تطورات معركة الموصل؟
- آخر التطورات تحرير الجزء الأيسر وهذا يعني تحرير نصف الموصل. إنه نصر كبير وضربة قاصمة لـ«داعش».
* متى تتوقع تحرير ما تبقى من الموصل؛ خلال أشهر أم أكثر؟
- كل الاحتمالات ورادة في هذه الحرب. في بعض المناطق كنا نتوقع أن مقاومة «داعش» ستكون عنيفة جدًا، ووقت المعركة لم تكن كذلك. وفي مناطق أخرى كنا نتوقع أن المقاومة ستكون ضعيفة ووجدنا أنها كانت عنيفة جدًا. بالتأكيد الموصل تعتبر أهم موقع بالنسبة لـ«داعش» هي وعاصمتهم، وسيستميتون للدفاع عنها. لذا من الصعب جدًا تخمين الوقت.
* هل نستطيع أن نعرف حجم خسائر البيشمركة في المعركة ضد «داعش»؟
- نعم. الخسائر مع الأسف الشديد كانت فادحة كمًّا ونوعًا. الشهداء عددهم 1668 من العام 2014 وحتى الآن، والجرحى 9725. وخسائر «داعش» في المعارك ضد الإقليم حسب كل التقارير والمعلومات المتوفرة من أجهزة المخابرات التابعة لنا وللتحالف تتجاوز 15 ألف قتيل.
* هل حصلتم خلال هذه الحرب على المساعدة التي كنتم تتمنون الحصول عليها؟
- فيما يخص الإسناد الجوي نعم، كان الإسناد قويًا جدًا. لكن تسليح البيشمركة لم يكن بالشكل المطلوب.
* هل يمكن القول إن الغارات الأميركية تساهم في اختصار الحرب ولولاها لطالت الحرب أكثر؟
- دون شك. سواء فيما يخص البيشمركة أو الجيش العراقي، الجيش الأميركي والتحالف بصورة عامة كان لهما دور كبير.
* هل كانت الضربات الجوية دقيقة ومؤثرة؟
- دقيقة جدًا ومؤثرة جدًا. في جبهتنا أقولها بكل ثقة وفخر إن التنسيق بين البيشمركة والجيش الأميركي والتحالف كان ممتازًا، وإلى اليوم لم يُضرب أي هدف مدني ولم يُقتل أي مدني نتيجة العمليات، وهذا غير مسبوق في تاريخ الحروب.
* لديكم جهاز استخبارات ناشط. هل لديكم معلومات عن مكان وجود أبو بكر البغدادي؟
- فعلا لدينا جهاز استخبارات قوي جدًا وقام بدور مهم في هذه الحرب. لكن في الحقيقة، لم يتم التأكد من مكان البغدادي ولا نعرف عنه شيئًا.
* هل كان يتحرك؟
- نعم في السابق كان في الموصل، لكن في أي حي أو منطقة أيضًا لم يكن معروفًا. كان يتحرك من الموصل إلى تلعفر وبين سوريا والعراق. في الأشهر الأخيرة صار متحفظًا جدًا في تنقلاته ولا نعرف شيئًا عنه.
* هل لدى «داعش» براعة عسكرية وأمنية؟
- في الحقيقة لا أستطيع أن أقول براعة عسكرية استثنائية، لكن لديهم بفعل عملية غسل الأدمغة إرادة قوية واستعداد للموت، وهذا ما لاحظناه لا البراعة العسكرية.
* كم يبلغ عدد عناصر «داعش» الأسرى لدى البيشمركة، وما جنسياتهم؟
- الأسرى من جنسيات مختلفة. ولا أستطيع الإشارة إلى العدد.
* هل هناك أحد يراجع بشأنهم؟
- حتى الآن لم يراجعنا أحد.
* ما هي نسب المشاركة غير العراقية في التنظيم؟
- العدد الأكبر من المقاتلين الأجانب من الشيشان، ثم يأتي المتكلمون باللغة التركية من أوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان وتركيا وأذربيجان، وصولا إلى إحدى المناطق في الصين، أما المشاركة العربية الأكبر فتأتي من التونسيين.
** معركة بعشيقة
* خضتم معركة عنيفة لتحرير مدينة بعشيقة من «داعش» فما طبيعة هذه المعركة؟
- بعشيقة تقع على بعد 15 كيلومترًا شمال الموصل. وهذه مدينة مهمة، لأنها تتشكل من قوميات وأديان ومذاهب مختلفة، بين عرب وكرد ومسيحيين وإيزيديين. «داعش» تحصّن في هذه المدينة بشكل عجيب.
عندما بدأت معركة تحرير الموصل ترك مقاتلو البيشمركة «داعش» وراءهم وحاصروا المدينة لمدة أسبوعين ثم بدأوا عملية الاقتحام، كان هناك 113 مقاتلاً من «داعش» لم يستسلم واحد منهم. قتل 110 مسلحين ووقع ثلاثة في الأسر لأنهم أصيبوا إصابات بالغة. تصور أي تعبئة هذه وأي عملية لغسل الأدمغة.
بعشيقة رمز للتعايش القومي والديني والمذهبي، زرتها بعد التحرير مباشرة وحدث تجمع جماهيري رائع جدًا. استقبلني ممثلو المسلمين والمسيحيين والإيزيديين، ومن المذاهب والطوائف الأخرى، وقدموا لي باقة ورد أعتبرها ثمينة جدًا لأنها ترمز إلى حقيقة مبدأ التعايش. هي مدينة غنية بالزيتون، وأهميتها برمزيتها أكثر من الناحية الاقتصادية.
* هل صحيح أن «داعش» أقام مخازن وتحصينات داخل المساجد والكنائس؟
- نعم هذا صحيح. لأن التحالف أعطى تعليمات صريحة لقواته بعدم ضرب المساجد والكنائس والمستشفيات، فاستغل «داعش» هذه النقطة وأقام مقراته فيها.
* هل اضطر التحالف إلى ضربها في النهاية؟
- حسب علمي لم يضرب التحالف أي موقع من هذه الموقع، إلا نادرًا.
* قلت إن غارات التحالف على الجبهة بين «داعش» والبيشمركة اتسمت بالدقة؟
- اتسمت بدقة متناهية وغير مسبوقة في الحروب وبحسب علمي لم يقتل أي مدني في الإسناد الذي قدموه للبيشمركة. كان أداؤهم دقيقًا ورائعًا جدًا ونموذجًا يحتذى به.
* إلى أي عراق ستعود الموصل بعد استعادتها؟
- الموصل مدينة تختلف عن بقية مدن العراق سواء مركز المحافظة أو كمحافظة. الموصل أيضًا مدينة تعددية، داخل الموصل قبل «داعش» كان هناك 300 ألف كردي يعيشون فيها، الآن نزح أغلبهم، كان هناك مسيحيون وتركمان وكرد شيعة وأعتقد أن هناك أيضًا عربًا شيعة. لهذا أعتقد أن وضع الموصل يحتاج إلى صيغة استثنائية.
وكان من المفترض عندما كنا نخطط مع بغداد والأميركيين أن نضع خطة كاملة لما بعد تحرير الموصل، لكن كان هناك استعجال لتنفيذ العملية العسكرية واتفقنا على تشكيل لجنة عليا لاحتواء المشاكل إذا طرأت بعد التحرير.
الموصل طبعًا فيها مناطق تتبع للإقليم، مثل سنجار ذات الأكثرية الكردية، ومثلها الشيخان، حتى قضاء عقرة، كلها استقطعت منذ زمن البعث، ومن غير المعقول أن نقبل بأن تبقى، لأنه كيف يقال إن كل قرارات مجلس قيادة الثورة والبعث تعتبر ملغاة وتبقى هذه القرارات! ومع ذلك نبقى مع قرار الاستفتاء.
* كم سنة أمضيت من حياتك في الحرب؟
- ثلاثة أرباع عمري قضيته في الجبال والنضال والحرب. كان عمري 16 سنة عندما حملت البندقية لأول مرة وإلى اليوم.
* من كان الأقسى في حياتك صدام حسين أم أبو بكر البغدادي؟
- الطغاة والقساة كثيرون، وكل واحد يمثل مرحلة.
* هل هناك حقد خاص من «داعش» على الأكراد؟
- هذا حقد على الإنسانية، الكرد مسلمون سنة في غالبيتهم ومنفتحون ويؤمنون بالتعايش، وما نؤمن به يناقض ما تدعيه «داعش»، هم أرادوا بسط سلطتهم على كل المنطقة، والكرد أوقفوهم وصدوهم وهذا ما جعلهم يحقدون على الأكراد.
* لديكم أسرى هل عرفتم مثلا ما إذا كانوا يخططون للتحصن في إقليم كردستان؟
- طبعًا كان هدفهم أخذ أربيل وبقية مدن كردستان. هدفهم ليس أربيل، خرائطهم توضح أن هدفهم السيطرة من الهند إلى إسبانيا، ولو سيطروا على إقليم كردستان لا أعلم من سيستطيع إخراجهم من تلك المناطق والجبال، يعتبرون الكرد العقبة الرئيسية التي وقفت أمام تمددهم وتسلطهم.
فشلنا في إقامة شراكة حقيقية
* كيف تصف علاقة الإقليم مع بغداد؟
- في عملية تحرير الموصل كان هناك تنسيق جيد بين البيشمركة والجيش العراقي، ومن الممكن أن نؤسس على هذا التطور الإيجابي مستقبلاً. لكن في المجالات الأخرى في الحقيقة ليس هناك تقدم في علاقة الإقليم مع بغداد. وفي زيارتي الأخيرة لبغداد خلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي قلت لهم بصراحة للأسف فشلنا في إقامة شراكة حقيقية بيننا، لذلك ينبغي أن نبحث عن صيغة أخرى. لنكن جيرانًا طيبين وجيدين.
* قلت ذلك لرئيس الوزراء حيدر العبادي؟
- قلتها للعبادي ولقادة «التحالف الوطني».
* ماذا كان ردهم؟
- كانوا متفهمين.
* لماذا لم تحوّل بغداد حتى الآن ميزانية الإقليم؟
- هذا كلام صحيح. وفعلا يوجه هذا السؤال إلى بغداد، هم يدعون أننا نصدّر النفط بدونهم، واستُقطعت ميزانية الإقليم لأن النفط صُدّر لكن الإقليم صدر النفط بعدما قطعوا هم الميزانية.
* ألم يعدك العبادي بعودة الميزانية؟
- هناك وعود كثيرة لم تنفذ. هناك عقبات ومشاكل.
* هل هناك من يمنع حيدر العبادي أن يحكم؟
- في تصوري هناك عقبات وضغوط وتآمر على العبادي لكي يفشل. حتى في عملية تحرير الموصل، الذين سلموا الموصل لـ«داعش» وانهاروا، حاولوا بشتى الوسائل أن تفشل عملية تحرير الموصل؟
* أليس هناك دور لـ«الحشد الشعبي» في عملية تحرير الموصل؟
- في المدينة لا. لكن غرب الموصل نعم، تلعفر هم الذين حرروها.
* نسمع أحيانًا تصريحات لقادة من «الحشد الشعبي» ضد الإقليم. هل تخشى أن تكون المواجهة المقبلة بين «الحشد الشعبي» والبيشمركة؟
- أحيانًا نسمع بعض التصريحات غير المسؤولة. طبعًا في «الحشد» أيضًا أناس يشعرون بالمسؤولية. نحن نريد أن نطوي صفحة الحروب وأن نتفرغ للتنمية وتحسين ظروف معيشة الناس.
لا شك أن التصريحات المتوترة هي مبعث قلق بالنسبة لنا. وبالتأكيد أي أحد سيعتدي على الإقليم سوف يلقى الرد الحاسم، ونأمل ألا تصل الأمور إلى هذه المرحلة.
هناك فعلاً عناصر منفلتة وغير مسؤولة في «الحشد»، وهناك أيضاً من يشعر بالمسؤولية.
* هل تنسقون مع إيران في المعارك الحالية؟
- بالنسبة للإقليم اقتصر تنسيقنا على التحالف الدولي. لكن الحشد ينسق مع إيران.
* كيف تصف علاقتكم مع تركيا اليوم. وهل تشكل عبئًا على علاقتكم مع إيران؟
- علاقة ممتازة، علاقتنا مع تركيا ليست على حساب علاقتنا مع إيران.
إيران صاحبة النفوذ الأكبر
* يقال إن إيران هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في بغداد. هل يصدق هذا الوصف على أربيل؟
- وحتى على بغداد لا أعتقد أنها صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة، لكنها صاحبة النفوذ الأكبر في بغداد.
* هل تستطيع أربيل مثلاً أن تتفاهم مع بغداد من دون أن تتفاهم مع طهران؟
- لإيران النفوذ الأكبر في بغداد، وأي تفاهم بين أربيل وبغداد لا أعتقد أن يتم من دون مباركة إيرانية.
* قيل إن البعثيين سهلوا دخول «داعش» إلى الموصل. هل لديهم دور الآن؟
- تقلص دورهم كثيرًا، عندما دخل «داعش» الموصل كان عدد عناصره لا يزيد على 500 مسلح. البعثيون وآخرون ساعدوا «داعش» ثم انقلب عليهم وصفى معظمهم.
* هل لدى أجهزتكم علم بمكان وجود عزت الدوري نائب صدام حسين؟
- لا توجد أي معلومات عن عزت الدوري أو مكان وجوده، لكن حسب المعلومات السابقة فإنه كان خارج العراق.
* أين خارج العراق؟
- في فترة كان في اليمن، لكن بعد أحداث اليمن لا أتصور أنه يستطيع أن يبقى هناك.
* ألم يحاول الاتصال بكم؟
- أبدًا.
* يتردد أحيانًا أن لديكم علاقات سرية مع بعض البعثيين السابقين؟
- لا توجد علاقات سرية، لو كان هناك علاقات فستكون علاقات علنية. إقليم كردستان مفتوح لجميع المواطنين العراقيين ما لم تكن عليهم قضايا قانونية. لقد فتحنا صفحة جديدة مع الكل.
السنة العرب والإقليم
* كيف تنظر إلى وضع السنة العرب في العراق اليوم؟
- السنة العرب ليسوا في أفضل حالاتهم. المشكلة الرئيسية مع الأسف الشديد، أنهم يفتقرون إلى المرجعية الدينية والسياسية. وهي مشكلتهم الكبرى. مشتتون وغير متفقين.
* هل صحيح أن التوازن التاريخي بين الشيعة والسنّة في العراق انكسر، خصوصًا بعد الذي حصل في الأنبار؟
- دون شك. ميزان القوى ليس في صالح السنّة.
* قيل إن وفدًا من زعماء السنّة زارك غداة سقوط صدام حسين ونصحتهم بالسعي إلى الحصول على إقليم...
- نعم صحيح. وساعدناهم على عقد مؤتمرات في أربيل.
حتى أكون صريحًا أكثر، أنا تحدثت مع زعمائهم وممثليهم. وشرحت لهم أن العراق تغير، وأن الإقليم تغير، وأن العالم تغير. فغيروا عقليتكم، وإذا كنتم تتصورون أن الشيعة أو الكرد سيظلمونكم أو يغدرون بكم فأنا أتعهد لكم بالوقوف إلى جانبكم. لكن إذا كنتم تتصورون أن إعادة الماضي ممكنة فأنتم واهمون. اقبلوا بالفيدرالية، مع الأسف الشديد لم يلتفتوا إلى أهمية الموضوع، وكانوا تحت تأثير الثقافة القديمة السابقة، ثقافة الحزب الواحد. كان قسم منهم (السنة) يدرك ما يحصل لكنه خاف من المزايدات.
* هل كان الشيعة يومها على استعداد للقبول بمسألة الإقليم السني، وهل تحدثت مع أحدهم عن ذلك؟
- كان لدى الشيعة استعداد للقبول بالإقليم، وطبعًا تحدثت معهم لكن السنة لم يقبلوا بالفكرة. والآن تغيرت المعادلة؛ السنة يقبلون والشيعة يرفضون. وضع السنة العرب صعب جدًا اليوم؛ مناطقهم مدمرة وأعداد النازحين هائلة وليس لديهم مرجعية.
* كيف تقيّم النفوذ الأميركي في العراق. هل هو ضعيف؟
- لا أرى نفوذًا أميركيًا في العراق، هذا على الأقل في الظاهر، لكن لا أدري إن كان هناك شيء من وراء الستار.
في عهد ترمب
* هل تتوقع تغييرًا في التعامل مع الملف العراقي في عهد الرئيس دونالد ترمب؟
- الكل يتوقع أن تتغير السياسة الأميركية كاملة وليس فيما يتعلق بالعراق وحسب.
* هل تعتقد أن ترمب سيكون أكثر تأييدًا للأكراد؟
- هذا المتوقع.
*هل لديكم علاقة بأركان الإدارة الأميركية الجديدة؟
- نعم هناك علاقة جيدة مع الإدارة الجديدة ونعرفهم جيدًا، وهناك قسم منهم عمل في المنطقة أو زار كردستان، ولديهم معرفة جيدة بأوضاعنا.
* هل تقصد الفريق الدفاعي والأمني؟
- الدفاعي والأمني، ووزير الخارجية أيضًا، التقيت به عدة مرات وأعرفه جيدًا عندما كان رئيسًا لشركة «إيكسون موبيل».
* في تقديرك، هل تعتقد أن ترمب سيكون مختلفًا عن أوباما بالنسبة لإيران؟
- هذا هو المتوقع، وهذا الذي يُقرأ من تصريحاته ومواقفه، بأنه سيكون أكثر تشددًا مع إيران.
* على ماذا بنيت هذه الحسابات؟
- على تصريحاته ومواقفه، وتصريحات فريقه سواء للدفاع أو الأمن القومي، وعلى معرفتي بالفريق الجديد.
* هل هناك عودة لعراق موحد؟
- صعب، صعب جدًا.
* هل سقط التعايش العربي الكردي في العراق؟
- إذا لم يسقط تمامًا فهو وصل لمرحلة كبيرة من التردي للأسف. الإخوة العرب لم يقبلوا بالشراكة الحقيقية مع الكرد.
* هل تحب بغداد؟
- موضوع مدينة بغداد يختلف عن الساسة الذين يحكمون بغداد. أنا عشت في بغداد ودرست فيها، وكمدينة أحبها، لكن مهمتي واضحة، وأنا هدفي أن أحقق شيئًا للشعب الكردي.
في سنة 2005، بقيت في بغداد 53 يومًا وساهمنا بجدية في صياغة الدستور، وتعرضت 36 مرة للقصف على مقري في ذلك الوقت.
عملنا كل شيء من أجل الحفاظ على وحدة العراق، لكن بعض السياسيين الذين يحكمون باسم العراق نسفوا كل الجسور، والتاريخ، والعلاقة، ولم يأخذوا بحسن النية، والنية الصادقة الاندفاع الذي أبديناه لإقامة شراكة حقيقية، عليهم ألا يلوموني الآن وأن يلوموا أنفسهم.
* إذا استيقظت ورأيت نوري المالكي مجددًا رئيسًا للحكومة في بغداد، ماذا ستفعل؟
- أنا لا أريد شخصنة الأمور، لكنني أتمنى عدم حدوث ذلك من أجل مصلحة كل العراقيين.
* سأكرر سؤالي: ماذا ستفعل إذا عاد المالكي؟
- سأعلن استقلال كردستان في اللحظة التي يتولى فيها المالكي رئاسة الوزراء وليكن ما يكون. ومن دون الرجوع إلى أحد. لا نريد استكمال تدمير العراق. في عهده تم اغتيال الآلاف من أبناء العراق من مختلف القطاعات ولدينا الأسماء. أنا لا أقول إنه ذهب بنفسه وفعلها، لكن هذا حدث تحت حكمه، ومن دون شك كان راضيًا. لقد تبنى للأسف نهجًا طائفيًا تسلطيًا وضرب الشيعة والسنة والكرد، وتصور أنه الحاكم الأوحد للعراق. لا يمكن أن أقبل بالبقاء في عراق يحكمه المالكي، مع الأسف الشديد لم أكن أتوقع أن يصل المالكي إلى هذه الدرجة من الحقد والعداء للكرد.
* لهذه الدرجة كان المالكي صعبًا عليك؟
- خان ثقة الأخوة والتعاون.
* هل كان المالكي يريد أن يكون مثل صدام ولو من موقع آخر؟
- لو كانت لديه القوة التي كانت لدى صدام لتجاوزه بمراحل.
*ماذا بعد تحرير الموصل؟ هل ستفاوض على وضع الإقليم وتفتح موضوع الميزانية مجددًا؟
- سنفاوض على كيفية أن نصبح جيرانًا طيبين وجيدين.
* هل لديك مشروع جاهز؟
- نعم.
* ماذا تعني بجيران طيبين... هل ستبقى جزءًا من العراق؟
- سنرى كيف تؤول الأمور، لكن بهذه الصيغة القديمة الأمور غير موفقة. وكل هدفي يتمثل في تجنيب العراق وكردستان جولات دموية جديدة.
* هل تقصد أنكم ستشتبكون إذا لم تتحولوا جيرانًا طيبين؟
- أخشى ذلك، وأتمنى ألا يحصل ذلك في المستقبل.
* ما هو وضع الرئاسة في الإقليم؟
- الرئاسة لدورتين وكل دورة أربع سنوات وحصل تمديد لمدة سنتين. دخلنا في حرب مع «داعش». طلبت من البرلمان والأحزاب داخل الحكومة والبرلمان وخارجهما، بأنه طالما أننا في حالة حرب اتخذوا قرارًا. إما إدامة الوضع أو أعلنوا الانتخابات أو عينوا شخصًا يتولى الرئاسة، لأنني غير متمسك بكرسي ولا أحتاج ذلك الشيء. بعض الأطراف نفذوا عملية شبه انقلابية في البرلمان، وتجاوزوا مبدأ التوافق. لذلك اضطررنا للتصدي لهم، وتم الإقرار على أن نستمر في رئاسة الإقليم إلى أن ينتخب رئيس جديد.
* هل تستطيع أن لا تكون الرئيس؟
- نعم أستطيع. لأنني سواء كنت رئيسًا أم لا، فمركزي ووضعي لا يتغير، وأستطيع خدمة بلدي من دون أن أكون الرئيس.
* هل عملية إزاحة هوشيار زيباري (وزير المال السابق ورفيقه في الحزب وقريبه) كانت موجهة ضدك؟
- ليست ضدي، لكنها كانت موجهة ضد العبادي. وضد عملية الموصل. ولهذا قلت إن هناك تآمرًا. تصوروا أن ردة فعلي ستكون قوية وسأقطع العلاقة مع العبادي وبغداد، لكن بالعكس، ذهبت إلى بغداد وقررت دعم العبادي، لأن هدفهم كان إفشال عملية الموصل.
* لإسقاط العبادي والمجيء بشخص آخر؟
- نعم، كان هدفهم المجيء بالمالكي، وهم جماعة المالكي وبعض الكرد الذين غرر بهم وانخدعوا.
* ما علاقتك اليوم مع «الاتحاد الوطني الكردستاني»؟
- «الاتحاد الوطني الكردستاني» يعاني للأسف من انقسام تسبب في نشوء مركزين أو ثلاثة. لقد نصحتهم بالتوحد، وأنا أفضل التعاون معهم، على الرغم من كل الملاحظات الموجودة، وسنشجعهم على توحيد صفوفهم وبعد ذلك سنقوم بحل المشاكل سوية.
* هناك أحاديث بأن مرحلة البناء والازدهار السابقة في كردستان سهلت دخول الفساد. فما تعليقكم على ذلك؟
- لا أنكر ذلك. لكن أعتقد أن هناك مبالغة. ولدينا تصميم على مكافحة الفساد، وهناك خطوات عملية للحد من الفساد والاحتكار واستغلال النفوذ.
* هل تعتقد أن سوريا سترجع كما كانت؟
- مستحيل.
* ممكن أن تكون فيدرالية مثلا؟
- أعتقد أن شرق وغرب الفرات سينقسمان. سيكون لهاتين المنطقتين وضع خاص بكل منهما. وفي سوريا هناك صفقة بين أميركا وروسيا. لكن من الذي تضرر من هذه الصفقة؟ من باع؟ من اشترى؟ لا أدري.
* هل تعتقد أن التدخل الروسي هو الذي غيّر المعادلة في سوريا؟
- بالتأكيد، الروس عرفوا كيف يتصرفون وماذا يريدون.
* هل أنقذوا النظام؟
- دون شك.
* الآن أصبح الروس على حدود إقليم كردستان بوجودهم في سوريا؟
- هم في غرب الفرات، ولم يصلوا بعد. لكن علاقتنا جيدة مع روسيا، وهي أول دولة كبرى فتحت قنصليتها في أربيل.
* هل يمكن أن تزور سوريا لتقابل الرئيس بشار الأسد؟
- في الوقت الحاضر صعب. لكن في المستقبل ليس هناك مستحيل.
* هل تتوقع بقاء الأسد؟
- هذا ما توحي به تطورات الموقف هناك.

بارزاني لـ«الشرق الأوسط»: قتلنا 15 ألفا من «داعش» وخسائر البيشمركة 1668
بارزاني يؤكد أن الموصل تحتاج إلى صيغة استثنائية بعد تحريرها
بارزاني: «الحشد» يضم عناصر منفلتة ومن يعتدي علينا سيلقى الرد الحاسم
بارزاني: إيران صاحبة النفوذ الأكبر في العراق
بارزاني يؤكد أن لا عودة لعراق موحد
بارزاني: سأعلن استقلال كردستان إذا عاد المالكي للحكم

 



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.