مؤتمر باريس يدعو إلى حل يضع حدًا نهائيًا وكاملاً للاحتلال الإسرائيلي

وزير الخارجية الفرنسي: نقل السفارة الأميركية إلى القدس استفزاز ونتائجه كارثية

لقطة عامة لوزراء الخارجية وممثلي المنظمات الدولية المشاركين في مؤتمر باريس (أ.ف.ب)
لقطة عامة لوزراء الخارجية وممثلي المنظمات الدولية المشاركين في مؤتمر باريس (أ.ف.ب)
TT

مؤتمر باريس يدعو إلى حل يضع حدًا نهائيًا وكاملاً للاحتلال الإسرائيلي

لقطة عامة لوزراء الخارجية وممثلي المنظمات الدولية المشاركين في مؤتمر باريس (أ.ف.ب)
لقطة عامة لوزراء الخارجية وممثلي المنظمات الدولية المشاركين في مؤتمر باريس (أ.ف.ب)

أعرب المجتمعون من أجل السلام في باريس، أمس، في بيانهم النهائي، عن اعتبارهم حدود عام 1967 «أساسا للحل للصراع» الفلسطيني ــ الإسرائيلي. وأعربوا عن الاستعداد، في إطار آلية متابعة لنتائج المؤتمر، عن استعداد المشاركين المهتمين للاجتماع، مجددا قبل نهاية العام الحالي، لدعم المساعي من الطرفين في سعيهما للوصول إلى حل الدولتين من خلال المفاوضات. والتزمت فرنسا بإعلام الطرفين المعنيين بخصوص الدعم الجماعي الدولي والمساهمات الملموسة للوصول إلى حل الدولتين. وشدد البيان، بطبيعة الحال، على حل الدولتين، داعيا الطرفين المتنازعين إلى إعادة تأكيد التزامهما بحل الدولتين، والقيام بالخطوات الضرورية لوقف السير نحو مزيد من التدهور الميداني، ومنها أعمال العنف واستمرار الاستيطان. كذلك، شدد البيان على أهمية مبادرة السلام العربية من أجل حل شامل وللسلام والأمن الإقليميين. وأشار البيان إلى أن مفاوضات الحل يجب أن تفضي إلى وضع حد نهائي للاحتلال الذي بدأ في عام 1967، في إشارة إلى حرب العام المذكور.
وكان «المؤتمر من أجل السلام في الشرق الأوسط» الذي استضافته باريس طيلة يوم كامل، قد انطلق وسط تدابير أمنية مشددة وحضور إعلامي دولي كثيف. واللافت، أنه غاب عنه الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني. الأول، لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لم يكف عن مهاجمته بعنف. وبعد أن كان قد وصفه قبل ثلاثة أيام، بأنه «خدعة فلسطينية بغطاء فرنسي»، وأن غرضه «فرض شروط على إسرائيل لا تتناسب مع حاجاتنا الوطنية»، مضيفا أنه «يبعد السلام عنا، ويجعل المواقف الفلسطينية أكثر تشددا ويبعد الفلسطينيين أكثر عن إجراء مفاوضات مباشرة ومن دون شروط مسبقة». أما الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي كان من المفترض به أن يصل مساء السبت إلى باريس مباشرة من روما، فقد طلبت منه السلطات الفرنسية «تأجيل» زيارته لباريس لمدة أسبوعين، وفق ما أفادت به مصادر فلسطينية. وقالت مصادر رسمية فرنسية إن الرئيس فرنسوا هولاند اتصل بأبو مازن وتفاهم معه، من أجل خفض التوتر، على تأجيل مجيئه إلى باريس؛ لأن الصيغة الأصلية المقترحة كانت تنص على حضوره وحضور نتنياهو معا وليس حضور طرف وغياب آخر.
وفيما حضر وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، بداية بعد الظهر، في آخر مشاركة دولية له قبل انتهاء مهماته في وزارة الخارجية، غاب نظراؤه وزراء خارجية روسيا والصين وبريطانيا. وكان الحضوران الوزاريان العربي والأوروبي هما الأبرز مع وجود أحمد أبو الغيط، أمين عام الجامعة العربية، ووزراء خارجية السعودية وقطر والبحرين ومصر والمغرب والجزائر... وحضر أمين عام منظمة التعاون الإسلامي، كذلك حضرت فدريكا موغيريني، وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، والكثير من الوزراء الأوروبيين. في المقابل، كان تمثيل الأمم المتحدة ضعيفا، وجاء على مستوى الممثل الخاص للأمين العام للشرق الأوسط. وفي المحصلة، حضر 50 وزير خارجية ونائب وزير وممثلون لعشرين دولة أخرى. وأفادت الخارجية الفرنسية بأن 350 صحافيا دوليا اعتمدوا لتغطية أعمال المؤتمر.
وفي الكلمة التي ألقاها بداية بعد الظهر، رد هولاند مباشرة على الافتراءات الإسرائيلية، فيما شهدت باريس مظاهرة دعا إليها المجلس التمثيلي للمنظمات اليهودية في فرنسا أمام السفارة الإسرائيلية، للتنديد بالمؤتمر وبما اعتبره «عملا عدائيا» بحق إسرائيل. وقال هولاند إنه «يعرف» ما قيل عن المؤتمر بين «مشكك» في جدواه وآخر «مندد»؛ لأنه لا يريد أي مبادرة، وثالث يرى فيه «عملا ساذجا» أو حتى «عبثيا».
ردا على كل هؤلاء، قال هولاند إن المبادرة الفرنسية «تحذير» لأن حل الدولتين، الذي هو في نظر بلاده «الوحيد الممكن»، أصبح في خطر وهو مهدد «ميدانيا وسياسيا وأخلاقيا»، داعيا «العالم إلى رفض استمرار الوضع القائم»؛ لما يحمله من تهديدات للأمن والاستقرار والسلام. وأكد هولاند، الذي تنتهي ولايته الرئاسية في مايو (أيار) المقبل، إنه يريد، من خلال المؤتمر: «إعادة وضع أزمة الشرق الأوسط على أجندة الأسرة الدولية». لكنه في الوقت عينه، نفى بقوة أن تكون بلاده أو المؤتمرون ساعين لفرض «محددات الحل السامي على الطرفين، كما يدعي البعض»، في إشارة واضحة إلى نتنياهو. ومرة أخرى، جدد الرئيس الفرنسي ما قاله الخميس الماضي، من أن «المفاوضات المباشرة وحدها تقود إلى السلام، وعلى القادة (الفلسطينيين والإسرائيليين) أن يتفقوا ويتقبلوا التنازلات المتبادلة».
وبرزت خلال المناقشات في المؤتمر نقاط خلافية عدة، أهمها ثلاث أثارها بعض العرب نيابة عن الطرف الفلسطيني، وأولها تتناول وضع القدس. وقد تمسك العرب بإضافة جملة على الفقرة القائلة إن المؤتمر يؤكد على عدم الاعتراف بأي تعديل يجري على حدود عام 1967. بما في ذلك القدس، غير الذي تتفق عليه الأطراف عبر المفاوضات المباشرة. ويريد الفلسطينيون ومعهم العرب، أن تجري هذه القاعدة على «أي طرف ثالث»، في إشارة واضحة للرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، الذي أعلن أكثر من مرة، أنه ينوي نقل السفارة الأميركية إلى القدس. وقد رد عليه وزير الخارجية الفرنسي، جان مارك أيرولت، في مقابلة تلفزيونية بقوله، إن عملا كهذا يعد «استفزازا» وستكون له «نتائج خطيرة». وأضاف أيرولت، إن «أيا من الرؤساء الأميركيين لم يذهب إلى قرار كهذا»، وأنه «لا يجوز اتخاذ موقف حاد وأحادي؛ لأن المطلوب البحث عن توفير شروط السلام». وقالت مصادر دبلوماسية حضرت المؤتمر، إن تنفيذ ترامب كلامه «سيدفع إلى حالة عدم استقرار إضافية ليس فقط في الأراضي الفلسطينية ولكن في مجمل المنطقة». وكانت مصادر فرنسية رسمية قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها «تتخوف من ردة فعل ترامب» وصورة تخوفها أن يقوم ترامب بكتابة تغريدة كعادته «تمحو ما قد يكون المؤتمر قد توصل إليه».
وتتناول نقطة الخلاف الثانية، موضوع آلية المتابعة، وقد تمسك بها العرب والفلسطينيون. ومن الأفكار التي نوقشت وفق مصدر دبلوماسي عربي حضر المؤتمر، أن تجري الدعوة إلى «اجتماع ثالث قبل نهاية العام» ويكون بمثابة آلية متابعة، علما بأن مطلب الآلية كان مطروحا، لكنه تراجع إلى حد أن فرنسا، وفق مسودة سابقة، اقترحت أن تقوم هي بدور المتابعة، وأن تعلِم المؤتمرين بالنتائج التي تصل إليها. أما النقطة الثالثة فتناولت الإشارة إلى حدود الرابع من يونيو (حزيران) التي تقترب في محواها من النقطة الأولى.
في كلمته الافتتاحية، نبه أيرولت، من أن «لا أحد في منأى عن انفجار العنف»، وأن «مسؤوليتنا الجماعية هي التوصل إلى دفع الإسرائيليين والفلسطينيين إلى الجلوس معا إلى طاولة المفاوضات». مضيفا أن ذلك «سيكون صعبا، ولكن لا بديل لنا عن ذلك». واعتبر الوزير الفرنسي أن للمؤتمر ثلاثة أهداف: فهو من جهة أداة للتأكيد على أن حل الدولتين هو الوحيد الممكن والقادر على الاستجابة للتطلعات المشروعة للطرفين. وهو من جهة ثانية، طريقة للإعراب عن استعدادنا الجماعي للمساهمة، عمليا، بتوفير شروط التفاوض وتوفير مجموعة من المحفزات والمساهمات الملموسة. أما الأمر الثالث، فهو رسم خطة عمل للأسابيع المقبلة من أجل استمرار التعبئة، وإعادة فتح أفق سياسي مختلف عن صورة الاحتلال أو انفجار جديد للعنف.
وأعرب أيرولت عن استعداده للذهاب حيث تدعو الحاجة، من أجل شرح نتائج المؤتمر والتعاطي بشفافية مع الأطراف كافة، في رسالة إضافية لإسرائيل التي تتهم فرنسا وأطرافا أخرى بالسعي لقرار جديد في مجلس الأمن، وهو ما نفته بشكل قاطع، مصادر دبلوماسية فرنسية رفيعة المستوى. وبحسب هذه المصادر، فإن الوزير كيري «رفض» مقترحا كهذا؛ لأنه «لا يستطيع الالتزام بتنفيذه بسبب قرب مغادرته منصبه بعد أربعة أيام».
بيد أن مصادر عربية وغربية أشارت أمس، إلى أن الرسالة التي ستصدر عن المؤتمر «لا يمكن للرئيس ترامب أن يتجاهلها وكأنها لم تحصل، وكأن الأسرة الدولية لا تساوي شيئا». وأضافت هذه المصادر، إن الأمر نفسه ينطبق على الجانب الإسرائيلي؛ إذ سيرى نتنياهو أنه «لا يستطيع إلى ما لا نهاية مسايرة الجناح المتشدد في حكومته، وبالتالي فإنها ستفضي إلى انفجارها». واختصرت هذه المصادر «فائدة» المؤتمر، بأنها «تنبيه وتحذير» للإدارة الأميركية المقبلة.
وفي مؤتمره الصحافي الختامي، قال أيرولت إن المؤتمرين «يتحلون الواقعية ويعرفون أن المفاوضات لن تستأنف غدا». لكن هذا لا يجب أن يعني «إشاحة النظر» عن النزاع وما يحمله من تهديدات ومخاطر انفجار. وأفاد الوزير الفرنسي بأنه «جاهز» للذهاب، منذ اليوم، إلى المنطقة لإطلاع الطرفين على النتائج؛ لأنه «لا يجوز ترك الإرهابيين يستفيدون من النزاع». وشدد أيرولت على أهمية مبادرة السلام العربية وعلى دور بلدان المنطقة في التوصل إلى السلام الدائم، وعلى الحاجة إلى العمل معها.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.