قتلى ومصابون بهجوم على نادٍ ليلي في إسطنبول في رأس السنة

بداية دامية في مطلع 2017 تكمل الصورة القاتمة للإرهاب في 2016

مواطنة تركية تضع أكاليل من الورود في مدخل النادي الليلي بحي أورتاكوي الذي شهد هجومًا إرهابيًا داميًا ليلة أمس (أ.ب) - بن علي يلدريم رئيس الوزراء التركي يزور ضحايا الهجوم الإرهابي في احد مستشفيات إسطنبول امس (رويترز)
مواطنة تركية تضع أكاليل من الورود في مدخل النادي الليلي بحي أورتاكوي الذي شهد هجومًا إرهابيًا داميًا ليلة أمس (أ.ب) - بن علي يلدريم رئيس الوزراء التركي يزور ضحايا الهجوم الإرهابي في احد مستشفيات إسطنبول امس (رويترز)
TT

قتلى ومصابون بهجوم على نادٍ ليلي في إسطنبول في رأس السنة

مواطنة تركية تضع أكاليل من الورود في مدخل النادي الليلي بحي أورتاكوي الذي شهد هجومًا إرهابيًا داميًا ليلة أمس (أ.ب) - بن علي يلدريم رئيس الوزراء التركي يزور ضحايا الهجوم الإرهابي في احد مستشفيات إسطنبول امس (رويترز)
مواطنة تركية تضع أكاليل من الورود في مدخل النادي الليلي بحي أورتاكوي الذي شهد هجومًا إرهابيًا داميًا ليلة أمس (أ.ب) - بن علي يلدريم رئيس الوزراء التركي يزور ضحايا الهجوم الإرهابي في احد مستشفيات إسطنبول امس (رويترز)

مبكرا جدا، ضرب الإرهاب بيده السوداء تركيا مع مطلع عام 2017، ليعلن أن هذا العام لن يختلف كثيرا عن سابقه 2016، الذي كان من أسوأ الأعوام من حيث الهجمات الإرهابية والانتحارية. وبسبع دقائق دامية استقبلت تركيا عامها الجديد بهجوم إرهابي مسلح، وقع في نادي «رينا» الشهير في منطقة أورتاكوي في إسطنبول، وحصد أرواح 39 من الأتراك والعرب والأجانب، إلى جانب 65 مصابا، 4 منهم في حالة حرجة. وقتل المهاجم شرطيا ومدنيا، أثناء اقتحامه نادي «رينا» الليلي نحو الساعة 1:15 بعد منتصف الليل بتوقيت إسطنبول (22:15 بتوقيت غرينتش) قبل أن يفتح النار بشكل عشوائي في الداخل، حيث كان يتواجد نحو 700 من المحتفلين باستقبال العام الجديد.
وأكد واصب شاهين، حاكم إسطنبول، أن المهاجم أطلق النار على ضابط شرطة ومدني وهو يدخل النادي الليلي في منطقة أورتاكوي في حي بيشكتاش بإسطنبول، قبل أن يطلق النار داخل النادي.
وتحدث بعض الشهود عن وجود عدد من المهاجمين، لكن وزير الداخلية التركي سليمان صويلو أكد أن منفذ الهجوم شخص واحد، وهرب بعد أن قام بتغيير ملابسه.
وقال صويلو: «تجرى عملية بحث عن الإرهابي. بدأت الشرطة عملياتها، ونأمل في الإمساك بالمهاجم قريبا»، مشيرا إلى أنه تم التعرف على هوية 20 جثة فقط حتى الآن، من بينهم 15 من العرب والأجانب، وهناك 65 مصابا في المستشفيات، بينهم 4 في حالة خطيرة.
ولفت صويلو إلى أنهم وصلتهم معلومات من استخبارات خارجية ومن أجهزة الأمن التركية، عن عمليات إرهابية قد تحدث في إسطنبول وأنقرة، قبل وقوع الحادث الإرهابي بالنادي الليلي مساء أمس.
وأضاف أنه بناء على تلك المعلومات، اتخذت قوات الأمن التدابير اللازمة في أنحاء تركيا كافة، وبخاصة إسطنبول وأنقرة، مضيفا أن «كثيرًا من العمليات الأمنية نُفذت قبل رأس السنة على وجه الخصوص».
وألقت قوات الأمن التركية، أول من أمس، القبض على 8 من عناصر «داعش» كانوا يخططون لهجوم في أنقرة ليلة رأس السنة.
وعقد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، أمس الأحد، اجتماعا أمنيا برئاسته عقب الهجوم، ضم نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة نعمان كورتلموش، ووزراء الداخلية والصحة والأسرة، ووالي إسطنبول، ومدير أمن المدينة.
وعقب الاجتماع الأمني رفيع المستوى، توجه يلدريم لزيارة المصابين في المستشفيات، وشدد في تصريحات عقب الزيارة على أن المنظمات الإرهابية «لن تستطيع إفساد الأخوة والوحدة القائمة» في تركيا، من خلال عملياتها الإرهابية.
وأكد يلدريم أن الإرهاب لن يخيف الشعب التركي، واصفًا الهجوم بـ«الدنيء». وتطرق يلدريم إلى هوية منفذ العملية الإرهابية قائلاً: «هناك احتمالات وتوقعات حول هوية منفذ العملية الإرهابية، وقوى الأمن وأجهزة الشرطة والاستخبارات تنسّق فيما بينها للتعرف عليه، وسنعلن المعلومات عنه عقب أي تطور في هذا الخصوص». وأشار رئيس الوزراء إلى أن منفذ العملية انتهز الفوضى في مكان الحادث، وترك سلاحه فيه وابتعد، لافتًا إلى أن الجهات المختصة تقيّم كل الاحتمالات، وتواصل التحقيقات بدقة كبيرة، لافتا إلى أن تركيا لا تواجه تنظيما إرهابيا واحدا، بل تخوض منذ مدة حربًا لا هوادة فيها في المنطقة، وقال: «نعلم بالطبع أن هذه التنظيمات سيكون لها رد، لكننا لن نخضع أبدًا للإرهاب». ونفى يلدريم ما ذكرته بعض وسائل الإعلام من أن منفذ الهجوم تخفى في زي بابا نويل. ووقع الهجوم بينما تحاول تركيا التعافي من محاولة انقلاب فاشلة وسلسلة من التفجيرات الدامية في مدن، منها إسطنبول والعاصمة أنقرة، حملت السلطات المسؤولية عن بعضها لتنظيم داعش، بينما أعلن مسلحون أكراد مسؤوليتهم عن البعض الآخر. ونادي «رينا» الليلي هو أحد أشهر الملاهي الليلية في إسطنبول، ويرتاده الأجانب والمحليون، ويطل على مضيق البوسفور الذي يفصل أوروبا عن آسيا في منطقة أورتاكوي بإسطنبول.
وأشار صويلو وشاهين إلى مهاجم واحد، لكن تقارير أخرى بما في ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي، أشارت إلى وجود أكثر من مهاجم ارتدى أحدهم على الأقل زي بابا نويل، قبل أن يخلعه في وقت لاحق ليتمكن من الهرب. ونقلت صحيفة «حرييت» عن شهود قولهم إن هناك عددا من المهاجمين، وإنهم هتفوا باللغة العربية. وقال حمد كوتش أرسلان، صاحب نادي «رينا» الليلي، إن إجراءات أمنية اتخذت خلال الأيام العشرة الماضية بعد تقارير عن هجوم محتمل، وكانت هناك 3 نقاط تفتيش، رفعت قبل رأس السنة إلى 4 نقاط، وتم تفتيش جميع من يدخلون إلى النادي.
وحذرت السفارة الأميركية في أنقرة المواطنين الأميركيين من احتمال وقوع هجمات خلال الاحتفال برأس السنة، ودعتهم إلى تجنب الأماكن المزدحمة ومناطق الاحتفالات والمواصلات العامة، مشددة على أن الأجانب وبخاصة الأميركيين لا يزالون هدفا للجماعات المتطرفة في تركيا.
وتصاعدت وتيرة العمليات الإرهابية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو (تموز)، وكان آخرها في إسطنبول هجومي بيشكتاش الانتحاريين، في 10 ديسمبر. وتعليقًا على الهجوم الإرهابي على النادي الليلي، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في كلمة أمس الأحد، إن الهجمات التي تنفذها منظمات إرهابية مختلفة في تركيا لا تنفصل عن الأحداث التي تشهدها دول الجوار، وبخاصة سوريا والعراق. وشدد إردوغان على عزم وإصرار بلاده على مواصلة اقتلاع تلك المنظمات الإرهابية والتهديدات والهجمات الموجهة ضدها.
ولفت إردوغان إلى أن المنظمات الإرهابية التي تستهدف أمن الشعب التركي وسلامته، تحاول بالتعاون مع عملائها إحداث حالة من الفوضى وعدم استقرار في البلاد، وذلك من خلال الهجمات الوحشية التي تستهدف المدنيين.
وأبدت المعارضة التركية تضامنها مع الحكومة في مواجهة الإرهاب، وشدد كمال كليجدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري ودولت بهشلي رئيس حزب الحركة القومية، على أن التنظيمات الإرهابية لن تصل إلى غاياتها من خلال العمليات التي تقوم بها في تركيا، لافتين إلى أن العمليات الإرهابية تهدف إلى ضرب أمن واستقرار البلاد. وقوبل الهجوم على النادي الليلي في إسطنبول بإدانات عربية ودولية واسعة، كما صدرت إدانات عن كثير من الدول العربية.
وفي العاصمة الرياض، أعرب مصدر مسؤول بوزارة الخارجية عن إدانة المملكة العربية السعودية واستنكارها الشديدين للهجوم المسلح الذي وقع في حي أورتاكوي بمدينة إسطنبول التركية، وأسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.
وجدد المصدر التأكيد على مؤازرة بلاده، ووقوفها إلى جانب الشقيقة تركيا ضد الإرهاب والتطرف.
كما أدانت مصر الهجوم، وصدرت إدانات من تونس والجزائر وقطر والبحرين والأردن وفلسطين للاعتداء الإرهابي. كما أدانت منظمة التعاون الإسلامي، أمس، حادث إطلاق النار في مدينة إسطنبول بتركيا، الذي أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.
وعبر الرئيس الأميركي باراك أوباما عن تعازيه في الضحايا، ووجه فريقه لتقديم المساعدة للسلطات التركية. وبعث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسالة تعزية لنظيره التركي رجب طيب إردوغان على خلفية الهجوم، أكد فيها أن تركيا شريك موثوق به في مجال مكافحة الإرهاب، وأن روسيا ستواصل التعاون معها في مجال مكافحة الإرهاب. كما أعرب الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، عن إدانته الشديدة للهجوم، وأعرب وزير خارجية فرنسا، جان مارك إيرولت‎، عن «تضامن بلاده مع تركيا التي تعرضت لهجوم مخيف في هذه الليلة الرمزية».
وندد أمين عام حلف شمال الأطلسي (ناتو) ينس ستولتنبرغ بالحادث، وأعربت الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، عن تضامنها مع أسر ضحايا الهجوم، وقالت: «سنواصل جهودنا للحيلولة دون وقوع مثل هذه الأحداث».
وقال رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز، إن «الإرهابيين حوّلوا ليلة الاحتفالات إلى عنف وقتل ويأس»، معربًا عن تضامنه مع تركيا وإسطنبول. كما نددت ألمانيا والنمسا وبابا الفاتيكان بالهجوم.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعىٍ مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.