حداد في مصر بعد مقتل 23 قبطيًا بتفجير داخل الكاتدرائية في قلب القاهرة

عبوة ناسفة تزن 12 كيلوغرامًا وضعت السلطات في مأزق «الفتنة الطائفية»

وجود أمني مكثف خارج المقر البابوي بعد التفجير الإرهابي في العباسية أمس (رويترز)
وجود أمني مكثف خارج المقر البابوي بعد التفجير الإرهابي في العباسية أمس (رويترز)
TT

حداد في مصر بعد مقتل 23 قبطيًا بتفجير داخل الكاتدرائية في قلب القاهرة

وجود أمني مكثف خارج المقر البابوي بعد التفجير الإرهابي في العباسية أمس (رويترز)
وجود أمني مكثف خارج المقر البابوي بعد التفجير الإرهابي في العباسية أمس (رويترز)

أعلنت مصر حالة الحداد لمدة 3 أيام بعد مقتل 23 قبطيا معظمهم من النساء، في تفجير استهدف كنيسة ملحقة بكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس في حي العباسية بوسط القاهرة أمس، في أول عملية إرهابية موجهة للمسيحيين في البلاد منذ موجة العنف ضد الكنائس التي أعقبت فض اعتصامين لجماعة الإخوان المسلمين منتصف عام 2013.
ويلقي الحادث ظلالاً من الشك حول فعالية الخطط الأمنية قبيل حلول موسم أعياد المسيحيين في مصر، ويعمق جراح الحكومة التي تأمل في عودة حركة السياحة وجذب الاستثمارات الأجنبية لتخفيف الضغوط الاقتصادية التي تواجهها.
وقال محمد التوني، المتحدث باسم وزارة الصحة في مصر، إن الحادث الإرهابي أودى بحياة 23 شخصا معظمهم من النساء، فيما أصيب 49 آخرون، بينهم 5 في حالة حرجة، موضحا لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الإصابات تتراوح بين حالات تهتك في الأمعاء والأطراف، وكسور في الجمجمة، لافتا إلى أن عددا من المصابين يخضع بالفعل لعمليات جراحية دقيقة.
وقال مصدر أمني وشهود عيان، إن التفجير وقع في حدود الساعة العاشرة من صباح أمس داخل صحن الكنيسة البطرسية داخل مجمع الكاتدرائية المرقسية، حيث المقر البابوي. وأضاف المصدر الأمني أن المعاينة الأولية لموقع الحادث تشير إلى أن عبوة ناسفة تزن نحو 12 كيلوغراما من مادة «تي إن تي» تسببت في الانفجار.
وتوافدت قيادات حكومية إلى مقر الكاتدرائية عقب الحادث، على رأسهم رئيس مجلس الوزراء شريف إسماعيل، ووزير الداخلية مجدي عبد الغفار، ووزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي، ووزير الأوقاف مختار جمعة؛ لكن مئات الأقباط الغاضبين رفضوا استقبالهم وأغلقوا أبواب الكاتدرائية دونهم، احتجاجا على ما عدوه تقصيرا أمنيا جسيما.
وأدان الرئيس عبد الفتاح السيسي «ببالغ الشدة العمل الإرهابي الآثم الذي تعرضت له الكنيسة البطرسية، وأسفر عن استشهاد مواطنين مصريين من أبناء هذا الشعب العظيم».
وأكد السيسي في بيان صدر عن الرئاسة، أن «هذا الإرهاب الغادر إنما يستهدف الوطن بأقباطه ومسلميه، وأن مصر لن تزداد كعادتها إلا قوة وتماسكا أمام هذه الظروف».
وشدد السيسي على «القصاص العادل لشهداء ومصابي هذا الحادث الغادر، وأن الألم الذي يشعر به المصريون في هذه اللحظات لن يذهب هباء، وإنما سيسفر عن تصميم قاطع بتعقب وملاحقة ومحاكمة كل من ساعد بأي شكل في التحريض أو التسهيل أو المشاركة والتنفيذ في هذا العمل الآثم، وغيره من الأعمال الإرهابية التي تعرضت لها البلاد».
وأضاف أن «الدماء التي سالت نتيجة هذا العمل الإرهابي الذي حدث في ذكرى المولد النبوي الشريف، والحادث الأليم الذي استهدف قوات الشرطة يوم الجمعة الماضي، وجميع العمليات البطولية التي تقوم بها قوات الجيش والشرطة في سيناء وتدفع فيها ثمنا غاليا من دماء أبنائها، لهي جميعا فصول من حرب الشعب المصري العظيم ضد الإرهاب، الذي لن يكون له مكان في أرض مصر، وسيثبت الشعب المصري، بوحدته ومؤسساته وأجهزته، أنه قادر على تخطي المحن والمضي قدما في مسيرته نحو التقدم والخير وإحقاق الحق والعدل والأمن في ربوع الوطن كافة».
وأجرى السيسي اتصالا هاتفيا بالبابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، أعرب الرئيس فيه عن خالص العزاء والمواساة لشهداء الوطن الذين سالت دماؤهم الطاهرة نتيجة العمل الإرهابي الآثم الذي تعرضت له الكنيسة البطرسية، مؤكدا عزم مصر شعبا وحكومة على الاستمرار في التصدي للإرهاب حتى اجتثاث جذوره تماما من تراب مصر المقدس.
وأكد الرئيس ثقته المطلقة بقدرة الشعب المصري بمسلميه وأقباطه، على التكاتف صفا واحدا وعلى تحقيق النصر في الحرب ضد الإرهاب، باعتبارها معركة المصريين جميعا.
من جانبه، شدد البابا تواضروس، الذي قطع زيارته الخارجية عائدا للبلاد، على تماسك ووحدة الشعب المصري، وقدرته على الصمود أمام هذه الشدائد، وتنفيذ القصاص العادل من مرتكبي هذه الجريمة الإرهابية الأليمة.
وتخوض السلطات المصرية منذ سنوات حربا على الإرهاب، ازدادت وتيرتها في أعقاب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، لكن العمليات الإرهابية استهدفت قوات الجيش والشرطة وشخصيات سياسية وأمنية بارزة.
ويعد حادث الأمس الذي استهدف الكنيسة البطرسية مؤشرا على تحول خطير في استراتيجيات الجماعات الإرهابية في مصر، سعيا لتأجيج الفتنة الطائفية، كما تعد دليلا إضافيا على استعادة تلك التنظيمات قدرتها العملياتية داخل وادي النيل بعد أن قوضت ضربات أمنية متلاحقة بنيتها التنظيمية في دلتا مصر، بعد تفجير مديريتي أمن القاهرة والدقهلية قبل ثلاثة أعوام، بحسب خبراء ومراقبين.
وقالت مصادر قضائية إن النائب العام نبيل صادق كلف نيابة أمن الدولة العليا بسرعة فتح تحقيقات موسعة في حادث التفجير، مشيرة إلى أنه أمر أيضا بالتحفظ على كاميرات المراقبة المتواجدة بالكاتدرائية، والبدء في مناقشة الشهود الذين كانوا على مقربة من الواقعة.
وأفاد شهود عيان بأن التفجير وقع فيما كان عشرات الأقباط يصلون داخل الكنيسة، وأضافوا أن شدة التفجير أدت إلى هز المكان بعنف، بينما غطى الغبار القاعة وتناثرت أشلاء ودماء على الأرض.
ورجح شهود العيان أن تكون سيدة تقف وراء زرع العبوة الناسفة، بسبب تضرر الجهة المخصصة للسيدات داخل الكنيسة، وسقوط العدد الأكبر من الضحايا في صفوف النساء المشاركات في قداس الأحد.
وكان ستة من رجال الشرطة بينهم ضابطان، قتلوا الجمعة الماضي في انفجار بمدينة الجيزة المتاخمة للعاصمة القاهرة. وأعلنت حركة «حسم» مسؤوليتها عن الهجوم، فيما بدا لافتا عدم تبني أي من الجماعات الإرهابية عملية تفجير الكنيسة.
وغالبا ما كانت تسارع التنظيمات الإرهابية بتبني العمليات التي وقعت خلال العامين الماضيين في العاصمة، ما حدا بمراقبين إلى ترجيح تورط تنظيم «أنصار بيت المقدس» الموالي لـ«داعش» الإرهابي الذي يتركز نشاطه بسيناء في التفجير.
وأدان شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء الهجوم. وقال في بيان نشرته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، إن «مثل هذه الأحداث الإرهابية الغادرة لن تنال من قوة ومتانة النسيج الوطني المصري».
وأجرى إسماعيل اتصالا هاتفيا بالبابا تواضروس الثاني، قدم خلاله واجب العزاء في ضحايا حادث التفجير، مشددا على أن مثل هذه الأحداث الإرهابية الغاشمة، إنما تستهدف الوطن بأكمله.
وقال الأزهر في بيان، إنه يدين «التفجير الإرهابي» مضيفا أن «استهداف دور العبادة وقتل الأبرياء أعمال إجرامية تخالف تعاليم الدين الإسلامي وكل الأديان».
ومضى البيان قائلا: «يؤكد الأزهر تضامنه الكامل مع الكنيسة المصرية ذات المواقف الوطنية، ومع جميع الإخوة المسيحيين في مواجهة هذا الاستهداف الإرهابي».
وانفجار الكنيسة هو الحلقة الأحدث في سلسلة هجمات وقعت في السنوات الماضية قتل فيها مئات من رجال الجيش والشرطة، أغلبهم في محافظة شمال سيناء. وقال الجيش إنه قتل مئات من المتشددين بشمال سيناء في حملة تشارك فيها الشرطة.
وعبّرت صفحات موالين لتنظيم داعش على مواقع التواصل الاجتماعي عن ابتهاج لوقوع الهجوم. وجاء في عبارات في تلك الصفحات: «بارك الله في من قام بهذا العمل المبارك.. فالمعادلة يسيرة واضحة، كما تَقتلون تُقتلون وكما تأسرون تؤسرون وكما تهدرون أمننا نهدر أمنكم». وينظر إسلاميون متشددون للأقباط باعتبارهم فصيلا رئيسيا في ثورة 30 يونيو (حزيران) التي أنهت حكم جماعة الإخوان المسلمين في يوليو (تموز) عام 2013.
وعقب الحادث اتسعت دائرة نواب في البرلمان يدعون إلى فرض حالة الطوارئ في البلاد لمواجهة اتساع وتنامي وتيرة العمليات الإرهابية. وأعلنت السلطات المصرية بالفعل حالة الطوارئ في مناطق بشمال سيناء منذ أواخر عام 2014 وحتى الآن.
وأصدرت جماعة الإخوان المسلمين، جناح محمود عزت، القائم بأعمال المرشد العام، بيانا وصفت فيه الحادث بـ«الحرام» باعتباره «يستهدف عُزلا في ساحات دور العبادة»، وحمّلت السلطات الأمنية مسؤولية ما جرى.



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».