جنرالات ترامب صقلتهم الحروب ويعتبرون إيران من الأخطار الوخيمة

ماتيس وكيلي يحظيان باحترام كبير داخل مؤسسة السياسة الخارجية

مايكل فلين  -  جيمس ماتيس  -  جون كيلي
مايكل فلين - جيمس ماتيس - جون كيلي
TT

جنرالات ترامب صقلتهم الحروب ويعتبرون إيران من الأخطار الوخيمة

مايكل فلين  -  جيمس ماتيس  -  جون كيلي
مايكل فلين - جيمس ماتيس - جون كيلي

يشكل الرئيس المنتخب دونالد ترامب فريق الأمن القومي الجديد من الجنرالات المتقاعدين الذين يتقاسمون موقفا عميقا من عدم الثقة بإيران، ووصفوا مخاطر التطرف بعبارات أكثر من مريعة وبما يفوق تقديرات المسؤولين في إدارة الرئيس أوباما ومجتمع الاستخبارات الأميركي.
ويمثل ثلاثي الجنرالات المتقاعدين النواة الناشئة لإدارة الرئيس ترامب، والتي هي على خلاف قائم مع جهود إدارة الرئيس أوباما لإقناع الرأي العام الأميركي بأنه بعد مرور 15 عاما على هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 لا يزال الإرهاب يشكل تهديدا مستمرا على الأمة، ولكنه لا يرقى لدرجة الخطر الوجودي الداهم.
وتقطع آراء الجنرالات الثلاثة الطريق على تيار السياسات الأميركية الهادف إلى تمكين السياسيين المعتدلين في إيران، وعلى تقديرات مجتمع الاستخبارات الأميركية بأن الإرهاب لم يعد يقف بمفرده على قائمة أعلى التهديدات للأمن العالمي المفعم في الوقت الراهن بمخاوف من الهجمات الإلكترونية، وتجدد العدوان القادم من جانب الصين وروسيا.
وآراؤهم، والتي هي أبعد ما تكون عن التوحد والاتساق، قد تأثرت وبشكل كبير على مدى الـ15 عاما الماضية من خلال الخسائر البشرية الفادحة في ميادين القتال، وتراجع الاهتمام العام في البلاد حيال الحروب الخارجية والنظرة القريبة المعادية للعدو الذي لا يرحم.
من شأن هذه التجارب أن تدفع بالجنرالات مايكل فلين، وجيمس ماتيس، وجون كيلي، إلى الحث على توخي مزيد من الحذر في مناقشات إدارة ترامب المقبلة حول استخدام القوة العسكرية في الخارج. ولكن الزملاء السابقين والخبراء قالوا إن الجنرالات الثلاثة من المرجح أيضا، بحكم التدريب والخبرات المكتسبة، أن يكتشفوا النوايا الخبيثة أو ينظروا إلى العالم من زاوية الصراع القائم بين الخير والشر.
يقول ستيفن بيدل، البروفسور في جامعة «جورج واشنطن» والمستشار المعروف للجيش الأميركي في العراق وأفغانستان: «إن طبيعة المهمة في الجيش تقضي بتحمل المسؤولية حيال التهديدات الموجهة ضد الأمة وتلقي اللوم الكامل إن لم تكن الأمة مستعدة بما فيه الكفاية. وإنهم يميلون للتركيز الشديد على التهديدات ذات الصلة بالمدنيين، كما يميلون للتعامل مع هذه التهديدات من زاوية أكثر خطورة وترويعا».
دقت البيانات الصادرة والمدونات المنشورة على الإنترنت، من قبل الجنرال مايكل فلين، الذي رشحه ترامب لمنصب مستشار الأمن القومي الأميركي، نواقيس الخطر، وأشاعت حالة من القلق العارم في أوساط محللي الاستخبارات ومؤسسة السياسة الخارجية الأميركية.
فلقد كتب الجنرال فلين في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «ميدان القتال» يقول: «إننا في حرب عالمية، ولكن القليل من المواطنين الأميركيين يدركون ذلك، والأقل منهم ليست لديهم أدنى فكرة عن كيفية النصر فيها». كما أنه أساء، مرارا وتكرارا، إلى الإسلام. إذ قال في تغريدة نشرها على حسابه في موقع «تويتر» في وقت سابق من العام الحالي: «إن الخوف من المسلمين أمر عقلاني».
والجنرالان ماتيس وكيلي اللذان رشحهما ترامب في منصبي وزير الدفاع ووزير الأمن الداخلي على التوالي، كانا أكثر تحفظا في تصريحاتهما بشأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ويحظيان باحترام كبير داخل مؤسسة السياسة الخارجية في البلاد، وبين حلفاء الولايات المتحدة من دول الخليج العربي كذلك. ومع ذلك، فلقد أعرب كل منهما عن آراء متشددة إزاء إيران والتهديدات الإرهابية.
وقال الجنرال كيلي في أواخر عام 2010، بعد أيام قليلة من مقتل نجله الضابط الذي كان يقود قوات مشاة البحرية الأميركية في أفغانستان: «إن بلادنا اليوم في صراع حياة أو موت ضد العدو الشرير، ولكن الولايات المتحدة بأسرها ليست بكل تأكيد في حالة حرب. ليست في حالة حرب مفتوحة على مستوى الدولة أو على مستوى الشعب».
ولقد أدت تحذيرات الجنرال ماتيس بشأن التهديدات التي تشكلها إيران إلى توترات مع البيت الأبيض، والذي دعاه عندما كان لا يزال في الخدمة العسكرية للتخفيف من حدة لهجته حيال طهران. ولقد وجه الانتقادات إلى إدارة الرئيس أوباما لاعتمادها مسلكا شديد السلبية حيال العدوان الإيراني وتعزيز «الانطباع في المنطقة بأن الولايات المتحدة تتراجع».
وفي خطاب ألقاه في أبريل (نيسان) الماضي، وصف الجنرال ماتيس الاتفاق النووي مع إيران بقوله: «قد أُبرم مع توقعات أن إيران سوف تخدع». وقال إن أحد أبرز المزايا في الاتفاق: «ستكون لدينا بيانات استهداف جيدة إذا ما اضطررنا للقتال في مرحلة ما في المستقبل».
وأضاف الجنرال ماتيس قائلا: «علينا التخطيط لما هو أسوأ». وقاد الرئيس أوباما حملة قوية للقضاء على كبار قادة تنظيم القاعدة وتنظيم داعش الإرهابيين واستعادة الأراضي التي احتلها المتطرفون في العراق وسوريا. ولكنه أكد في نفس الوقت على أن تلك التنظيمات ليست «طليعة النظام العالمي الجديد».
وقال الرئيس المنتهية ولايته قريبا في خطاب ألقاه في وقت سابق من الأسبوع الحالي: «ليس بمقدور هؤلاء الإرهابيين أن يدمروا طريقتنا في الحياة، ولكننا يمكننا أن نفعل ذلك بأنفسنا نيابة عنهم، إذا ما فقدنا مسارنا في الحياة ونسينا هويتنا وقيمنا التي تأسست هذه الأمة على أصولها».
كما يتقاسم الجنرالات الثلاثة قدرًا من الإحباط، وعلى نطاق واسع حيال المؤسسة العسكرية التي خدموا فيها طيلة 15 عاما من دون الدعم الكامل من جانب البلاد أو القادة المدنيين فيها.
يقول «جيه. كايل ويستون»، المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، والذي كان يعمل مستشارا لضباط مشاة البحرية في العراق وأفغانستان، وألف كتابا بعنوان «اختبار المرآة.. مذكرات خدمته في الجيش»: «كل من قاتل في العراق وأفغانستان، شهرا بعد شهر، وعاما تلو عام، كانوا على مقربة شديدة من التكاليف البشرية لتلك الحرب. لقد قتل رفاقنا في العمليات واغتيل شركاؤنا العراقيون والأفغان. ولكن صناع السياسات في العاصمة واشنطن كانوا أبعد ما يكونون عن حصيلة الدماء القانية التي أريقت في هذه الحروب».
عندما تقاعد الجنرال ماتيس من الخدمة في قوات مشاة البحرية الأميركية في عام 2013، أمضى أسبوعين كاملين في زيارات مختلفة إلى آباء ضباط وجنود مشاة البحرية الذين لقوا حتفهم تحت قيادته. ولقد شارك الجنرال كيلي ونجلاه في أكثر من 12 جولة قتالية في العراق وأفغانستان. وعندما نُشرت كتيبة نجله في أفغانستان عام 2010، كان يقوم برحلات أسبوعية وربما يومية لزيارة رفاق نجله من المصابين في مركز «والتر ريد» الطبي العسكري في بيثيدا بولاية ماريلاند. ولقد استمرت هذه الزيارات حتى بعد مقتل نجله في العمليات القتالية.
أما الجنرال فلين، الذي خدم في أفغانستان، في منصب كبير ضباط الاستخبارات في قيادة العمليات الخاصة المشتركة، كان قد أمضى أغلب الوقت منتشرا وسط قواته في مناطق القتال، مثل ما يفعل أي جنرال آخر في الجيش خلال السنوات الـ15 الماضية.
ووصل الانفصال الواضح بين الجنرالات الثلاثة وبين واشنطن حتى ميدان القتال، حيث كان الضباط كثيرا ما يشعرون أنهم مضطرون لوصف الحروب الفوضوية لقواتهم بأنها من المعارك الأزلية بين قوى الخير والشر.
يقول المقدم المتقاعد جون ناغل، المحارب السابق في حرب العراق والخبير في شؤون مكافحة التمرد: «عندما تشرح لعريف السبب وراء مقتل رفيقه بصورة فظيعة، وأن عليه الذهاب إلى نفس الميدان مرة تلو المرة تلو المرة، لن يكون لديك وقت لشرح المسائل الجيوسياسية. بل تقول له: (علينا قتال العدو هنا حتى لا نضطر إلى قتاله في الوطن)».
والسؤال الكبير هو كيف يمكن لوجهات نظر كبار ضباط الجيش، الذين يخدمون في المناصب الوزارية، أن تؤثر على اتجاه إدارة الرئيس المنتخب ترامب؟
إن الشكوك العميقة لدى الرئيس أوباما في التدخل الأجنبي، تعني أنه كثيرا ما حاول عرقلة المناقشات حول كيفية استجابة الولايات المتحدة إلى التطورات العدائية في الخارج. ليست لدى السيد ترامب خبرة سياسية أو عسكرية مسبقة تمكنه من إسداء النظرة المتفحصة حول أسلوب الاستجابة السليمة، ولكن موقفه خلال الحملة الانتخابية كان مفعما بالحيوية حيال التعهد بالعدوان.
يقول دان بيمان، المحلل الأسبق لشؤون الشرق الأوسط في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والبروفسور في جامعة «جورج تاون»: «أعتقد أنه من المرجح أن تكون هناك هجمات إرهابية خلال السنوات المقبلة، كما أعتقد أن ترامب سوف يعاني من ضغوط هائلة لأن يراه الناس يتصرف بشكل حاسم للغاية».
قد يكون مستشارو ترامب أسرع في إدراك النوايا الخبيثة بسبب خبراتهم العسكرية السابقة، كما أردف السيد بيمان، ولكنهم أكثر حذرا حيال التدخل أو الانتقام العسكري من جانب الولايات المتحدة. وأشار السيد بيمان أيضا إلى مثال احتجاز إيران للبحارة الأميركيين، قبل وقت قصير من إبرام الاتفاق النووي، كنوع من أنواع الاستفزاز الخارجي والذي كان لديه القدرة على إفشال الأهداف الأوسع للسياسة الأميركية.
يقول السيد بيمان مضيفا: «يملك مستشارو السيد ترامب كثيرا من الخبرات الشخصية، ويميلون كثيرا إلى النظر للعداء الإيراني بوصفه مخططا له بعمق، لا باعتباره مجرد تصرف من فصيل أهوج أو حالة من حالات الفوضى. إنهم قادرون على توقع الأسوأ بخبرة أكثر مما توفرت لإدارة الرئيس أوباما».
وأردف السيد بيمان بالقول أخيرًا: «من نواحٍ مهمة، فإن فرص الصراع المحدود مع إيران باتت في ارتفاع. ولكن ذلك لا يعني، بالنسبة لي، أن نذهب ونقصفهم بالطائرات».

* خدمة «واشنطن بوست»



سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.