استقالة وزير العدل وتشكيك الكتائب يهزان الحكومة.. و«حزب الله» يهدد بالمس بتركيبتها

قوى «14 آذار» ترفض تحويل لبنان لضحية سياسية واقتصادية وثقافية لإيران

قوى «14 آذار» عقدت اجتماعا مساء أمس لتطلق موقفا جامعا بعد قرار السعودية بسحب الهبة العسكرية (دلاتي ونهرا)
قوى «14 آذار» عقدت اجتماعا مساء أمس لتطلق موقفا جامعا بعد قرار السعودية بسحب الهبة العسكرية (دلاتي ونهرا)
TT

استقالة وزير العدل وتشكيك الكتائب يهزان الحكومة.. و«حزب الله» يهدد بالمس بتركيبتها

قوى «14 آذار» عقدت اجتماعا مساء أمس لتطلق موقفا جامعا بعد قرار السعودية بسحب الهبة العسكرية (دلاتي ونهرا)
قوى «14 آذار» عقدت اجتماعا مساء أمس لتطلق موقفا جامعا بعد قرار السعودية بسحب الهبة العسكرية (دلاتي ونهرا)

اهتزت الحكومة اللبنانية أمس، باستقالة أحد وزراء تيار «المستقبل» أشرف ريفي منها، وبإعلان حزب الكتائب أنها «فقدت شرعيتها» لعدم قدرتها على تأمين انتخاب رئيس للجمهورية، كما بسبب تلويح قوى «8 آذار» التي تضم «حزب الله» وحلفاءه بالإطاحة بها رفضا لأي موقف يخالف رغبتها في ملف الأزمة التي تضرب العلاقات اللبنانية مع دول مجلس التعاون الخليجي إثر إعلان السعودية إيقاف مساعداتها العسكرية والأمنية للبنان وإجراء مراجعة للعلاقات معه نتيجة مواقف وزارة خارجيته التي خرجت عن التضامن العربي، كما مواقف «حزب الله» وحملاته على المملكة.
وأكدت مصادر قوى 8 آذار أمس أن رئيس الحكومة تمام سلام يعلم أن هناك بيانا وزاريا التزم به الجميع وعلى أساسه نالت الحكومة الثقة من مجلس النواب ولا إمكانية لتغيير البيان الوزاري. وأوضحت المصادر أنه «إذا أصر سلام على تعديل البيان فذلك سيخل بالتركيبة الحكومية»، مشددة على أن «إلغاء الهبتين ليس وليد الساعة والتوقيت، وهو يستخدم للضغط عن الدولة والتعبير عن الغضب السعودي من التطورات بالمنطقة».
وفي المقابل، لفتت قوى 14 آذار في بيان صدر بعد اجتماعها في بيت الوسط، إلى أن «السعودية ساعدت الدولة اللبنانية وأعانتها بإعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية ومرة أخرى بعد حرب يوليو (تموز) 2006». وأشارت إلى أنه «أمام هذا الواقع وانطلاقا من مسؤولية 14 آذار بالدفاع عن المصلح اللبنانية وحماية علاقة لبنان بالدول العربية والصديقة، نؤكد أولا تحميل حزب الله وحلفاءه مسؤولية افتعال هذه المشكلة وغيرها من المشكلات وضرب استقرار لبنان المالي والأمني والمعيشي»، داعية الحزب إلى «الانسحاب من القتال في سوريا والمنطقة التزاما بسياسة النأي بالنفس».
وطالبت الحكومة بـ«احترام الدستور وقرارات الشرعية الدولية والاجتماع فورا لاتخاذ موقف واضح يؤكد التزام لبنان بالتضامن والإجماع العربي»، معربة عن تأييدها لـ«السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي في رفضهم المس بسيادة واستقلال أي دولة عربية».
وشددت على رفضها لـ«تحويل لبنان إلى قاعدة لمعاداة أي دولة عربية، ونرفض أن يتحول لبنان لضحية سياسية واقتصادية وثقافية لدولة تحاول بسط نفوذها على الدول العربية».
وأكد رئيس «تيار المستقبل» النائب سعد الحريري أن «الهبة السعودية كانت (ماشية) لكن وبفضل ذكاء بعض السياسيين وصلنا إلى هنا»، متسائلا: «لماذا يتخذ لبنان موقفا مثل موقف وزير الخارجية جبران باسيل؟». وفي دردشة مع الصحافيين بعد انتهاء اجتماع قوى 14 آذار في بيت الوسط، شدد الحريري على أنه «إذا الحكومة لم تتخذ مواقف في جلسة الغد الاستثنائية فسيكون هناك كلام آخر»، معتبرا أن «موقف لبنان في الجامعة العربية لم يحترم البيان الوزاري».
وكان وزير العدل أشرف ريفي أعلن أمس استقالته من الحكومة، معلنا في رسالة وجهها إلى اللبنانيين أنه لن يقبل بأن يتحول إلى شاهد زور، وقال: «لن أكون غطاء لمن يحاولون السيطرة على الدولة والمؤسسات. لذلك أتقدم منكم ومن رئيس الحكومة تمام سلام باستقالتي، وأنا على عهد شهيد لبنان الرئيس رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز، باق، في مواجهة الدويلة، والاستمرار معكم أيها اللبنانيون الشرفاء بمعركة إنقاذ لبنان، وأنا على ثقة بأن لبنان الدولة سينتصر بكم ولكم، مهما كثرت الصعاب».
ونبه إلى أن «وطننا لبنان يمر بواحدة من أصعب المراحل التي عاشها في تاريخه الحديث، جراء أزمة وطنية تسببت بها قوى الأمر الواقع، التي تكاد تطبق على الدولة ومؤسساتها. وقد أدى سلوك هذه القوى إلى إدخال الدولة في مرحلة التفكك والفراغ، وصولا إلى تشويه الهوية الوطنية وتعريض سيادة لبنان واقتصاده ومستقبله وعلاقاته الدولية والعربية لأفدح الأخطار. واليوم وأمام هذا المشهد الصعب الذي نعيشه، حيث وصل العبث بالدولة ومؤسساتها إلى مستويات خطيرة، أمام التعطيل الذي فرضه حزب الله وحلفاؤه داخل الحكومة وخارجها، بدءًا من الفراغ الرئاسي وتعطيل المؤسسات الدستورية اللبنانية وضرب الحياة السياسية، مرورًا بعرقلة إحالة ملف ميشال سماحة إلى المجلس العدلي في محاولة سافرة إحكام السيطرة على القضاء عبر المحكمة العسكرية، وليس انتهاء بتدمير علاقات لبنان مع المملكة العربية السعودية، وسائر الأشقاء العرب للمرة الأولى في التاريخ اللبناني الحديث». وأضاف: «لقد استعمل حزب الله هذه الحكومة، في سياق ترسيخ مشروع الدويلة، حيث أراد تحويلها إلى أداة من أدوات بسط سيطرته على الدولة وقرارها. وفي هذا الإطار يأتي ما فعله وزير الخارجية جبران باسيل في جامعة الدول العربية، ليعطي مثلاً صارخًا، عن ممارسات دويلة حزب الله، التي لا تقيم اعتبارًا للبنان ومصلحته. فقد تجرأ بطلب من حزب الله على الإساءة للسعودية، وصوّت ضد الإجماع العربي، وامتنع عن إدانة الاعتداء على السفارة السعودية في طهران. والمؤسف أن أحدا من المعنيين لم يلجم هذا التصرف المعيب، الذي أدى إلى تخريب علاقة لبنان بأقرب الأصدقاء إليه وهي المملكة العربية السعودية وسائر الدول العربية. إنني ومن موقع المسؤولية الوطنية، وكمواطن لبناني حريص على بلده، أعلن رفضي التام لهذه الإساءة، وأطالب الحكومة بالحد الأدنى بتقديم اعتذار للسعودية وقيادتها وشعبها، لا بل أدعوها إلى الاستقالة، قبل أن تتحول إلى أداة كاملة بيد حزب الله. وأؤكد أننا سنبقى لبنانيين عربًا، وأن المملكة ستبقى بالنسبة لنا، البلد الصديق الذي وقف معنا في أحلك الظروف، وأن قيادتها ستبقى بالنسبة لنا، عنوانًا للوفاء والشهامة العربية الأصيلة».
واعتبر ريفي أن «حزب الله يحاول تحقيق دويلة إيرانية في لبنان، ويجب أن نقلب الطاولة بوجهه ولن نكون شهود زور على الدويلة الإيرانية»، مؤكدا «أننا جزء من العالم العربي ولن نسمح لحزب الله بالتحكم في الدولة اللبنانية»، لافتا إلى «أننا سنواجه سلاح حزب الله بالموقف الواضح وليس المتردد».
وأكد ريفي أنه «لا خلاف مع رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري نهائيا، ونحن نسير وفق منهج التيار وهو توجه استراتيجي واحد»، معتبرا «أننا أمام لحظة حاسمة لوحدة صف 14 آذار».
وفي الإطار نفسه، أكد رئيس حزب «الكتائب» النائب سامي الجميل أننا «على تشاور دائم وتواصل مع فريق 14 آذار لصياغة موقف قوي جدا يعيد الأمور إلى نصابها في الحكومة»، طالبًا من الحكومة «أن تتحرك والموقف الحاسم يأتي إذا لم تتجاوب الحكومة مع مطلبنا»، داعيًا «رئيس الحكومة تمام سلام إلى أن يتخذ تدابير وإذا لم يتم معالجة هذا المشاكل سنجتمع نحن ورئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري لنتخذ الخطوات اللازمة».
وأوضح الجميل في تصريح أن «لدينا خطوة تحذيرية من قبل 14 آذار، وهذه الخطوة ستكون واضحة، كما أن هناك موقفًا اليوم وبناء على جلسة الحكومة التي ستحصل غدا (اليوم) سيكون لنا موقف أيضًا»، مشيرًا إلى أنه «كان من المفترض أن ننتخب رئيسًا وتشكيل حكومة جديدة لكن وضع حزب الله يده على المؤسسات يمنع انتخاب الرئيس، فمن سنتين وهو يمنعنا من انتخاب الرئيس بتعطيل الجلسات وبالتالي هذه الحكومة فقدت كل شرعيتها». ولفت إلى أن «قرار إسقاط الحكومة ليس سهلا إذا ما كنا حريصين على المؤسسات الدستورية»، مشددًا على أننا حذرنا مرارا وتكرارا من محاولة زج لبنان بالصراع السوري، فهذا التصعيد بدخول حزب الله في المواجهة الإقليمية وزج اسمه بالصراع اليمني والعراقي والسوري شيء خطير جدا كنا حذرنا منه، لذلك توقعنا أن نصل إلى هنا».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.