نحو 5 ملايين مدني تحت الحصار في 18 بقعة على الخريطة السورية

«خدمات جوية» في بلدات النظام المحاصرة.. ومجاعات في مناطق المعارضة

رجل يتفحص الدمار الذي لحق بمبنى في حلب نتيجة غارة جوية للنظام (رويترز)
رجل يتفحص الدمار الذي لحق بمبنى في حلب نتيجة غارة جوية للنظام (رويترز)
TT

نحو 5 ملايين مدني تحت الحصار في 18 بقعة على الخريطة السورية

رجل يتفحص الدمار الذي لحق بمبنى في حلب نتيجة غارة جوية للنظام (رويترز)
رجل يتفحص الدمار الذي لحق بمبنى في حلب نتيجة غارة جوية للنظام (رويترز)

أدت الحرب السورية المشتعلة منذ قرابة خمس سنوات إلى نشوء «حصارات» وحصارات متبادلة بين النظام السوري ومعارضيه، مع اختلاف نسبي في نوعية الحصارات، إذ تتمتع المناطق التي يحاصرها المعارضون بالمعونات الجوية التي تشمل حتى مسابقات الامتحانات المدرسية، بينما تعاني المناطق التي يحاصرها النظام في كثير من الأوقات من الجوع الشديد، كحال مدينة مضايا التي استقطبت الاهتمام العالمي بعد ظهور صور تبين حجم المعاناة.
ومع انضمام مدينة حلب، العاصمة الاقتصادية لسوريا، إلى اللائحة الطويلة من المناطق المحاصرة منذ اندلاع الأزمة في مايو (أيار) 2011. بدأ البحث الجدي من قبل الدول التي تقود التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية بإمكانية استخدام الطائرات لإسقاط المساعدات جوا على غرار ما يقوم به النظام في المناطق التي تحاصرها المعارضة، وما قامت به موسكو أخيرا في دير الزور. وأعلن المتحدث باسم البيت الأبيض في الساعات القليلة الماضية أن الولايات المتحدة الأميركية لا «تستبعد إسقاط مساعدات من الجو على مناطق محاصرة في سوريا».
بحسب برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة فإن 18 منطقة سورية يتعذر الوصول إليها. ويُقدر بيير بوليه ديباريو، مدير برنامج منظمة «أطباء بلا حدود» في سوريا، عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت «درجات مختلفة» من الحصار في البلاد بما يتراوح بين 1.8 و2 مليون شخص. أما مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) فيؤكد أن هناك 4.52 مليون شخص يعيشون في مواقع «يصعب الوصول إليها» في سوريا، بما في ذلك 393.700 شخص في 15 بقعة محاصرة.
راهنًا ترزح أكثر من 10 مناطق سورية تحت الحصار الكلي منذ أكثر من 3 سنوات، ويفتقر الآلاف من سكانها للطعام والدواء والاحتياجات الأساسية التي باتوا يسعون لتأمين ولو جزء صغير منها عبر وسائل بدائية ومختلفة. وهذا ما أشار إليه عضو مجلس قيادة الثورة في ريف دمشق إسماعيل الداراني الذي تحدث عن «اعتماد أهالي الزبداني طوال فترة حصارهم على الحمير لنقل المواد الغذائية من المناطق المحيطة عبر الطرقات الجبلية الوعرة»، لافتا إلى أن «أهالي منطقة الحولة التي تقع شمال شرقي مدينة حمص، ما زالوا يلجأون إلى القوارب التي يتنقلون فيها عبر الأنهار لتأمين حد أدنى من احتياجاتهم». وأوضح الداراني لـ«الشرق الأوسط» أن «الأنفاق تشكل وسيلة أساسية للمدنيين المحاصرين للتواصل مع محيطهم. ولقد انكب أهالي داريا القريبة من دمشق على حفر الأنفاق التي تصلهم بالعاصمة لكسر جزء من الحصار الذي يفرضه النظام عليهم».
في المقابل، لم تبلغ معاناة المناطق التي تحاصرها قوات المعارضة، وأبرزها بلدتا كفريا والفوعة في ريف محافظة إدلب وبلدتا نبّل والزهراء في ريف محافظة حلب - وكان الحصار قد فك عن الأخيرتين منذ أيام قليلة - مستويات متقدمة كالتي ترزح تحتها المناطق التي تحاصرها قوات النظام أو تنظيم داعش. والسبب أن النظام كان يلقي بشكل دوري كل أنواع المساعدات للمدنيين المحاصرين الذين يؤيدونه بينما يستثني كل أهالي المناطق المعارضة له.
ومن أبرز المناطق الخاضعة لـ«سياسة الحصار والتجويع» التي ينتهجها النظام لحث مقاتلي المعارضة على تسليمها للقوات الحكومية، مدن وبلدات الغوطة الشرقية لدمشق التي يعيش فيها نحو 700 ألف نسمة، وكذلك مدن وبلدات داريا والمعضمية والزبداني ومضايا (تقع في الريف الغربي لدمشق)، إضافة إلى حصار مطبق تفرضه القوات الحكومية على ريف محافظة حمص الشمالي، وبالتحديد تلبيسة والرستن وسهل الحولة. وانضمت مدينة حلب الواقعة في الشمال السوري إلى الريف الشرقي لحلب الذي يحاصره النظام و«داعش».
النظام يتمسك بسياسة الحصار والتجويع بعدما أثبتت فعاليتها في أحياء مدينة حمص القديمة وأحياء دمشق الجنوبية حيث اضطر المقاتلون للرضوخ لهدن مع النظام أو مغادرة مناطقهم لضمان وصول المساعدات إلى المدنيين.
واليوم يتخوف أكثر من 40 ألف شخص محاصر داخل بلدة مضايا الواقعة في ريف دمشق الغربي من استعادة التجربة المريرة السابقة بمشاهدة الأطفال والشيوخ يموتون من الجوع بعد نفاد معظم المساعدات الإنسانية التي أدخلت إلى البلدة نتيجة الحصار المفروض عليها من قبل قوات النظام السوري وعناصر حزب الله منذ أكثر من تسعة أشهر. وحقًا توفيت سيدتان في البلدة الخاضعة لسيطرة المعارضة قبل يومين جراء سوء التغذية وعدم توافر الأدوية. وأفاد محمد الشامي، الناشط في مضايا وعضو الهيئة الطبية في اتصال مع «الشرق الأوسط» أنّه «تم إبلاغ الأمم المتحدة بوجوب إخراج السيدتين من البلدة نظرا لضرورة خضوعهما لعلاج عاجل، إلا أن أحدا لم يتجاوب معنا». كذلك أوضح الناشط نبراس محمد، من مضايا، أن السيدتين المتوفيتين تتراوح أعمارهما بين الخمسين والستين سنة، وكانت حالتهما متأزمة منذ دخول كادر الهلال الأحمر الطبي إلى البلدة منذ مدة، غير أن جميع الجهود المبذولة لإخراجهما من البلدة وتلقي العلاج اللازم باءت بالفشل، مؤكدا لـ«مكتب أخبار سوريا»، وجود أكثر من «30 حالة تعيش تحت الخطر في حال لم يتم إخراجها لتلقي العلاج».
وأشار المحمد إلى أن المساعدات التي دخلت البلدة خلال الشهر الفائت شارفت على الانتهاء، إضافة إلى عدم توافر الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية للعلاج، وخاصة تلك المخصصة لحالات سوء التغذية الناجمة عن الجوع، مذكّرا بأن عدد الذين لقوا حتفهم بسبب الحصار منذ دخول المساعدات الإنسانية قبل نحو شهر بلغ 18 شخصا. أيضًا أوضح محمد الشامي أن الهيئة الطبية في مضايا تقتصر حاليًا على طبيب بيطري واحد وطالبين في طب الأسنان، لافتا إلى أنّه يجري الاتصال بأطباء موجودين خارج مضايا لطلب مساعدتهم وخبراتهم في الحالات الصعبة وخاصة تلك التي تحتاج لعمليات جراحية. وأضاف: «رغم مطالبتنا مرارا وتكرارا بإجلاء أكثر من 35 شخصا يحتاجون لعلاج فوري، لم نرَ أي خطوات في هذا الاتجاه حتى الساعة، باعتبار أن الأمم المتحدة لا تتجاوب مع حجم الكارثة».
من ناحية ثانية، نفى الشامي نفيا قاطعا أن تكون أي مساعدات دخلت إلى مضايا منذ أكثر من 25 يوما، ليدحض بذلك ما أعلنته اللجنة الدولية للصليب الأحمر الخميس عن تمكنها من الوصول بمساعدات غذائية ومستلزمات للنظافة إلى بلدة مضايا وبما يكفي لنحو 12 ألف شخص وذلك بالتعاون مع الهلال الأحمر العربي السوري.
أما في الشمال السوري، فقد تردد في الأيام الماضية أن ممثلين عن مقاتلي معارضين، اتفقوا مع ممثلين عن النظام السوري وحزب الله، على «إدخال مساعدات دورية إلى كفريا والفوعة (وهما بلدتان شيعيتان تحاصرهما المعارضة في ريف إدلب) والزبداني ومضايا». وأشيع أن الاتفاق تم في تركيا، بوساطة أممية، وبرعاية تركية قطرية سعودية، وينص على إدخال مساعدات دورية إلى البلدات الأربع، بالإضافة إلى إدخال الهلال الأحمر لعيادات متنقلة لعلاج ضحايا سوء التغذية في مضايا، إلا أنه حتى الساعة لا معلومات رسمية في هذا الإطار، وقد ردت الأمم المتحدة على ناشطين في مضايا سألوها عن الموضوع بأن «لا يوجد شيء واضح بعد في هذا المجال».
هذا، ولا تقتصر الأحوال الإنسانية الصعبة على أهالي بلدة مضايا، فقد شهدت أسواق وصيدليات سهل الحولة، المحاصر من قبل قوات نظام الأسد منذ أكثر من أربع سنوات ويقطنه أكثر من 70 ألف نسمة ثلثهم من النساء والأطفال، فقدانا لغالبية المواد الغذائية والطبية، وانقطاعا تاما للتيار الكهربائي عنها، ما يهدد عمل المشافي الميدانية فيها بالتوقف، وذلك بعد تضييق القوات النظامية حصارها لها.
وقال التاجر عدي العلي من مدينة تلذهب في سهل الحولة لـ«مكتب أخبار سوريا» بأن المواد الغذائية الأساسية كالرز والسكر والطحين والخضار وجميع أنواع الزيوت، مفقودة بشكل كامل من السوق المحلية للمدينة، وسط إغلاق المحال التجارية لأبوابها. وأرجع السبب إلى قطع القوات النظامية لكل طرق التهريب إلى ريف حمص الشمالي المحاصر منذ عشرة أيام، ما دفع الأهالي خلال تلك الفترة إلى شراء الكثير من المواد خشية انقطاعها قريبا، على حد تعبيره.



حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
TT

حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)

تفرض الحرب على إيران واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج، في ظل تضاعف أسعار رحلات الطيران من مدن خليجية إلى القاهرة، واضطراب حركة الملاحة الجوية، وإلغاء بعض خطوط الطيران رحلاتها.

وتحدث مسؤولون بـ«اتحاد الجاليات المصرية في الخليج»، عن «شكاوى من ارتفاع أسعار رحلات العودة للقاهرة، خصوصاً في ظل موسم الإجازات الحالي خلال شهر رمضان وعيد الفطر»، وأشاروا لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ارتفاع تكلفة تأمين رحلات النقل الجوي يفرض صعوبات أمام رحلات السفر إلى القاهرة».

وتُشير تقديرات وزارة الخارجية المصرية إلى أن عدد المصريين العاملين بالخارج قد بلغ 11.08 مليون شخص في عام 2022، معظمهم في أسواق العمل الخليجية والأوروبية.

ومع اندلاع الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أعلنت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني في مصر، تعليق رحلاتها الجوية المتجهة من القاهرة إلى عدد من المدن الخليجية، لا سيما مع إغلاق بعض دول الجوار لمجالاتها الجوية.

ومع تداول وسائل إعلام محلية ومنصات التواصل الاجتماعي، لشكاوى عدّة، قالت شركة «مصر للطيران»، إنها «تقوم بتسيير رحلات استثنائية يومية لمختلف الوجهات، لتسهيل عودة المصريين العالقين، نتيجة إلغاء حجوزات عودتهم من بعض دول الخليج».

وأضافت، في إفادة لها مساء الجمعة، أن «عدد الرحلات محدود نظراً للظروف الراهنة»، مشيرة إلى أن «الحديث عن أسعار تذاكر الطيران غير دقيق، ولا يعكس الصورة الصحيحة لسياساتها خلال الظروف الاستثنائية».

وأوضح بيان «مصر للطيران» أن «الرحلات الاستثنائية تركز في المقام الأول على نقل الركاب الذين كان لديهم بالفعل حجز قائم من دون تحمل أي رسوم إضافية»، وأشارت إلى أن «عدد المقاعد المتاحة للبيع على هذه الرحلات في حالة وجود أماكن شاغرة، لا يتجاوز 5 في المائة من السعة المتاحة، ويتم تسعيرها طبقاً لأسعار السوق مقارنة بشركات الطيران الأخرى، وذلك نتيجة للارتفاع غير المتوقع في تكاليف التأمين المرتبطة بمخاطر التشغيل في مناطق تشهد توترات جيوسياسية».

تحديات أمام العمالة المصرية في الخليج بسبب ارتفاع تذاكر الطيران وإلغاء بعض الرحلات (تنسيقية شباب الأحزاب في مصر)

وأمام شكاوى مصريين مقيمين بالخليج من ارتفاع تكلفة رحلات العودة إلى القاهرة، تقدمت وكيلة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب (البرلمان)، سحر البزار، بسؤال برلماني إلى وزير الطيران المدني سامح الحفني، وطالبت بتوضيح الأسباب التي أدت إلى ذلك، وما إذا كانت هناك آلية رقابية أو تسعيرية تضمن عدم المغالاة في الأسعار في ظل الظروف الاستثنائية.

وأشارت سحر البزار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «تنظر رداً رسمياً من وزير الطيران المدني، على الشكاوى المتداولة»، وقالت إن «شركة (مصر للطيران) أوضحّت الأمر نسبياً وأنها تتحمل تكلفة الذهاب لهذه الرحلات دون وجود ركاب عليها».

وتأتي الشكاوى من الواقع الصعب لعودة المصريين وأسرهم من بعض المدن الخليجية، وليس من جميع الدول، وفق رئيس «الاتحاد العام للمصريين المقيمين في السعودية»، سعيد يحيى، وأشار إلى أن «رحلات السفر والعودة طبيعية من المدن السعودية إلى القاهرة، على عكس رحلات السفر من دبي إلى القاهرة التي تضاعفت قيمتها».

وأشار يحيى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «تكلفة رحلة العودة من دبي إلى القاهرة، بلغت 1114 دولاراً على خطوط (مصر للطيران)، ووصلت إلى 2438 دولاراً على خطوط (الإماراتية)» (الدولار يساوي 50.0918 جنيه في البنك المركزي المصري)، عاداً ذلك «قيمة مرتفعة أمام الراغبين في العودة إلى القاهرة».

«مصر للطيران» تعلن عن تسهيلات لعملائها (شركة مصر للطيران)

ورغم أن أوضاع عمل المصريين بالخليج لم تتأثر بظروف الحرب، فإن رئيس «الاتحاد العام للمصريين في الخارج» إسماعيل أحمد علي، قال إن «كثيراً من الراغبين في العودة للقاهرة خلال شهر رمضان وعيد الفطر يواجهون صعوبات في السفر، نتيجة لقلة عدد رحلات الطيران، وارتفاع تكلفة التذاكر المتاحة»، وقال إن «الزيادة في الأسعار تضاعف من أعباء أي مصري مقيم مع أسرته في هذه الدول ويرغب في العودة».

وأشار علي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى «اتصالات يجريها اتحاد المصريين في الخارج مع المسؤولين في (مصر للطيران) لتسيير رحلات استثنائية وإجلاء الراغبين في العودة».

ويرى عضو مجلس النواب المصري، عاطف مغاوري، «ضرورة التدخل الحكومي لتسيير رحلات طيران مباشرة لإجلاء راغبي العودة من الدول الخليجية»، وقال إن «تنظيم رحلات لراغبي العودة في فترة الإجازات يضمن سلامة المصريين، ويمنع محاولات استغلال الظروف الراهنة من بعض الجهات بمضاعفة أعباء السفر على المقيمين في الخارج».

وأشار مغاوري، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى إن «شركات الطيران تقوم بتحميل أسعار التأمين العالية، على تذاكر الطيران».


الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
TT

الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)

واجهت جهود التهدئة في دول جوار مصر، وتحديداً في قطاع غزة والسودان وليبيا، تحديات مع اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوع؛ إذ تراجعت مساعٍ كانت تشارك فيها الولايات المتحدة، وبات شبح تجميد الحلول يلوح بالأفق.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا المشهد يقوّض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري، بخاصة مع انغماس الولايات المتحدة في الحرب، ولن تظهر نتائج أي جهود حالية، إلا بعد خفض التصعيد.

ومنذ ما قبل اندلاع حرب إيران، كان مسار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم في 10 أكتوبر (تشرين الأول)، يشهد تعثرات، وعقب حدوث المواجهات في 28 فبراير (شباط) قررت إسرائيل غلق المعابر مع القطاع وسط أزمة إنسانية طاحنة، وفق بيانات سابقة لمنظمات دولية.

تعثر مستمر

ولم تشهد المرحلة الثانية من «اتفاق غزة» التي أعلنت واشنطن، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، دخولها حيز التنفيذ، أي خطوة عملية وهي المعنية ببدء انسحابات إسرائيلية ونزع سلاح «حماس» وبدء الإعمار.

وكذلك خفتت الاتصالات بشأن وقف حرب السودان، في ظل أزمة معقدة وجهود مستمرة للتوصل إلى هدنة إنسانية يمكن أن تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار مثلما جاء في مبادرة «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة.

ولا يزال التعثر في المسار السياسي قائماً في الملف الليبي، وقبل نحو أسبوع من اندلاع حرب إيران، سادت أجواء من الاستياء داخل مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة»، عقب جلسة مجلس الأمن الدولي، التي قدّمت فيها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، إحاطة عرضت فيها «مساراً بديلاً» يتجاوز حالة الجمود بشأن تشكيل المفوضية الانتخابية وقوانين الانتخابات، وهما أول استحقاقين ضمن «خريطة الطريق» التي أعدّتها البعثة الأممية، وفق ما ذكرته مصادر وقتها لـ«الشرق الأوسط».

إعادة ترتيب الأولويات

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، أن «هناك إعادة ترتيب أولويات في ظل تصاعد واتساع الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واتساع رقعتها بما ينبئ بأزمات كبرى متزامنة في الشرق الأوسط».

وتطور الحرب على إيران أدى بطبيعته إلى تراجع متوقع في مستوى الاهتمام الدولي بملفات غزة والسودان وليبيا، «غير أن هذا التراجع لا يعكس تراجع أهمية هذه الأزمات، أو انخفاض مستوى خطورتها، ولا يعني ترك تلك المخاطر دون حل مستقبلاً»، حسب تقدير حجازي.

وأوضح أن «الأوضاع في غزة ما زالت قابلة للانفجار في أي لحظة، فيما يمثل استمرار الصراع في السودان تحدياً مباشراً لاستقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كما يظل الملف الليبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأمن شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ومن ثم فإن أي فراغ في الاهتمام الدولي قد يفتح المجال أمام تعقيد تلك الأزمات بدلاً من احتوائها، وهو ما يفرض على القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، مواصلة دورها في الدفع نحو الحفاظ على المسارات السياسية ومنع انزلاق الأوضاع إلى مستويات أكثر خطورة».

لقاء سابق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والمشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» الليبي (الرئاسة المصرية)

ويرى الخبير في الأمن الإقليمي اللواء محمد عبد الواحد، أن الحرب الإيرانية صرفت الأنظار عن أزمات غزة والسودان وليبيا، وشتتت جهود التوصل لتهدئة، لكن المساعي لا تزال موجودة وإن قُوضت فاعليتها حالياً بسبب الحرب.

وأشار إلى «أن الأزمة الليبية لا تزال تقف عند خلافات حكومتي الشرق والغرب، وتدور في فلك إدارة الصراع وليس حله، وكذلك السودان هناك من يسعى للاستحواذ على مناطق مهمة، وسنجد في لحظة الحديث عن هدنة وهذا ما يسمى بإدارة الصراع وليس حله أيضاً، وتلعب الولايات المتحدة المنخرطة في حرب إيران دوراً كبيراً فيه، لنجد أنفسنا حالياً في حالة اللاسلم واللاحرب بدول جوار مصر».

ووسط تلك الأزمات، تتحرك القاهرة لإيجاد مسار حل، وفي هذا الصدد، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الفلسطيني محمود عباس خلال اتصال هاتفي، مساء الجمعة، «الجهود التي تبذلها مصر مع الوسطاء والأطراف الفاعلة لضمان استكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، وإدخال المساعدات الكافية لسكان القطاع».

تجميد مساعي التهدئة مؤقتاً

ويشير حجازي إلى أن مساعي التهدئة في بعض دول الجوار المصري لم تتوقف بالكامل، لكنها تواجه حالة من البطء أو التجميد المؤقت إلى حين اتضاح مآلات التصعيد الإقليمي، لافتاً إلى أن استمرار التواصل السياسي يظل ضرورياً للحفاظ على ما تحقق من تقدم خلال الفترة الماضية، ولمنع عودة تلك الصراعات إلى دائرة التصعيد المفتوح.

جمود في تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة (الرئاسة المصرية)

ونبه إلى أن «استقرار المحيط الإقليمي يمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي لمصر، ومن ثم فإن أي تعثر في مسارات التسوية في دول الجوار يحمل انعكاسات مباشرة وغير مباشرة».

وأوضح أنه من الناحية الأمنية، «يمثل استمرار الصراع في السودان وعدم اكتمال التسوية السياسية في ليبيا تحديين دائمين يتطلبان اليقظة وإدارة دقيقة للملفات الحدودية والاستراتيجية. بينما من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، فإن تزايد التوترات الإقليمية يؤثر على بيئة الاستقرار في منطقة البحر الأحمر وعلى حركة التجارة والملاحة الدولية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بالمصالح المصرية وبالدور الذي تقوم به القاهرة في دعم أمن واستقرار المنطقة».

ولفت إلى أن حديث مصر عن أهمية تنفيذ المرحلة الثانية في خطة وقف إطلاق النار، التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «يعكس إدراكاً مصرياً بضرورة عدم السماح بتجميد المسارات السياسية، بل الاستمرار في الدفع نحو استكمالها باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى الانتقال من مجرد إدارة الأزمات إلى بناء ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً».


مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

جددت مصر إدانة الاعتداءات على الدول العربية، وشددت على رفض «أي ذرائع» لشرعنتها، وذلك خلال اتصالات هاتفية، السبت، بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظرائه في سلطنة عمان والعراق وكازاخستان.

وناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية العماني بدر البورسعيدي، «مستجدات المشهد الإقليمي في ظل التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة». وحذر الوزيران «من تداعيات استمرار هذا النهج التصعيدي وما يشكله من تهديد للسلم والأمن الإقليميين».

وشدد الوزير عبد العاطى، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، السبت، على أهمية «تحلي كل الأطراف بأقصى درجات ضبط النفس، وخفض التصعيد، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، والالتزام التام بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وشدد عبد العاطي على «تضامن مصر الكامل مع سلطنة عمان وأشقائها في منطقة الخليج العربي وباقي الدول الصديقة، رافضاً المساس بسيادة واستقرار الدول العربية، وأي مبررات أو ذرائع لشرعنة هذه الاعتداءات».

ووصف وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بوزير خارجية كازاخستان يرمك كوشيربايف، الاعتداءات التي تعرضت لها الدول العربية بـ«غير المقبولة وغير المبررة»، وأكد دعم مصر الكامل لسيادة وأمن واستقرار وسلامة أراضيها»، وفقاً لبيان صادر عن الخارجية المصرية.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة خفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية لتجنب اتساع نطاق الصراع والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار»، مؤكداً أن استمرار التصعيد العسكري «لن يؤدي سوى إلى تفاقم الأوضاع».

وأكد عبد العاطي خلال اتصاله مع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، «أهمية تغليب المسارات الدبلوماسية لاحتواء الموقف وتجنيب الإقليم ويلات اتساع رقعة الصراع».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف، الخميس الماضي، عن أن مصر ما زالت تحاول القيام بجهود وساطة «مخلصة وأمينة» لوقف الحرب في إيران، محذراً من أن«استمرارها ستكون لها ضريبة كبيرة».

وأكد أن مصر «كانت حريصة على منع حدوث هذا التصعيد لأنها تعرف جيداً من واقع تجربتها أن الحروب لا تجلب إلا الخراب والدمار والإضرار بمصالح ومقدرات الشعوب».