نبيل فهمي: من الصعب تصور صفقة في سوريا تعود بنا للماضي.. والمرحلة المقبلة قد تتطلب وجوهًا جديدة

وزير الخارجية المصري السابق حذَّر في حوار مع «الشرق الأوسط» من الانتهازية السياسية الإقليمية والدولية بحق المنطقة العربية

نبيل فهمي
نبيل فهمي
TT

نبيل فهمي: من الصعب تصور صفقة في سوريا تعود بنا للماضي.. والمرحلة المقبلة قد تتطلب وجوهًا جديدة

نبيل فهمي
نبيل فهمي

حذَّر وزير الخارجية المصري السابق، نبيل فهمي، من «الانتهازية السياسية» الإقليمية والدولية بحق المنطقة العربية، مشددا في حوار مع «الشرق الأوسط»، على صعوبة تصور «صفقة كبرى» في سوريا تعود بالأمور إلى ما كانت عليه في الماضي، قائلا إن «المرحلة المقبلة في سوريا قد تتطلب وجوها جديدة». وأضاف أن «عدد القتلى في سوريا وعدد اللاجئين والذين خرجوا من ديارهم، وصل إلى أرقام من الصعب معها تصور العودة إلى ما كانت عليه الأمور في بداية الأحداث (في 2011) دون تغيير، وكأن شيئا لم يكن».
وأعرب فهمي، الذي يعد أحد واضعي السياسة المصرية الخارجية بعد ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013،عن اعتقاده بأن المسألة السورية التي يجب أن يشملها أي اتفاق هو ضمان الدولة والمؤسسات، قائلا إنه «يثق في أن كلا من مصر والمملكة العربية السعودية، مهتمتان بهذا»، لكنه أضاف أن «هذا الاتفاق يجب أن يكون بداية لسوريا جديدة». وعما إذا كان يعني أن هذا يتطلب أيضا وجوها سورية جديدة، قال «في أغلب التوقعات: نعم».
* كقارئ لما يحدث في المنطقة، خاصة التطورات وما فيها من تنازع دولي في عدد من الملفات خاصة الملف السوري، هل كنت تتوقع، وأنت وزير للخارجية، خلال العامين الماضيين، أن المنطقة ستصل إلى هذه المرحلة؟
- بل قل هل كنت تتوقع ذلك منذ عشر سنوات، وما يزيد على ذلك، لأن العالم العربي يسير في طريق خطأ. العالم العربي باعتماده على الغير أكثر من اللازم، أصبح ينتقص (من) القرار السيادي العربي. وبغياب التعاون العربي - العربي، وبتضاؤل المصلحة العربية - العربية، بدأ يفتقد هويته. إذا نظرنا إلى الجانب الاقتصادي فإن التجارة العربية البينية (العربية - العربية) لا تتجاوز من 10 في المائة إلى 11 في المائة من حجم التجارة العربية مع العالم الخارجي و80 في المائة من هذه النسبة بين دول مجلس التعاون الخليجي فقط. بما يعني أن باقي العالم العربي لا يتاجر مع بعضه بعضا. وحالة الاستثمار أكثر سوءا من حال التجارة البينية عربيا. وإذا نظرنا إلى النزاعات الإقليمية الموجودة في ليبيا وسوريا وفلسطين والعراق.. في كل هذه النزاعات تم استدعاء طرف أجنبي للتعامل معها. في كثير منها لم يتم التعامل معها من جانب العالم العربي على الإطلاق. رغم أننا في معظم الأحيان كنا نتهم الطرف الأجنبي بأنه السبب الرئيسي للأزمة في الأساس. كل هذا يعكس أن الاعتماد على الغير، بشكل غير سليم، خلق خللا في العمل السياسي الدبلوماسي العربي، وخللا أيضا في قدرات الأطراف العربية في القيام بالحد الأدنى المطلوب للحفاظ على الأمن القومي العربي.
* لو أخذنا حالة سوريا مثلا. ماذا كان في مقدور مؤسسة مثل الجامعة العربية أن تفعله لتجنب التداعيات والمصير الذي آل إليه هذا البلد العربي؟
- أولا لا تستطيع أن تأخذ حالة بعيدا عن الإطار العام. والإطار العام هو أن العالم العربي أصبح مفككا. وأكبر دليل على ذلك أنه لم يعد لديه قدرة التأثير الإيجابي. والدليل على ذلك أيضا، في الحقيقة، أنه حتى بعد المبادرة العربية للسلام في عام 2002 في قمة بيروت، لم ننجح في الضغط على إسرائيل أو على الأطراف الدولية. والمبادرة في حد ذاتها كانت مبادرة إيجابية للغاية. لكن لم يحدث أي تحرك يذكر. شاهدنا ما شاهدناه في العراق بعد ذلك (منذ 2003). ونشهد توغل منظمات إرهابية متعددة في دول عربية كثيرة من المغرب إلى المشرق إلى الخليج. كل هذا يأتي من وجود فراغ عربي. بالطبع هناك أطراف غير عربية تحاول استغلال هذا الأمر. وتستثمر في هذا وتتصرف بأشكال تخالف القانون. كل هذا صحيح.. إلا أن وجود فراغ عربي خلق مناخا للانتهازية السياسية من جانب غير العرب، سواء كان من أطراف إقليمية أو أطرف دولية. والجامعة العربية في بداية الأزمة السورية، في الحقيقة، كان لها موقف إيجابي. هذا كان في البداية. وأرسلت قوات مراقبة عربية إلى سوريا كان يرأسها ضابط سوداني. لكن للأسف الحكومة السورية حينذاك لم تتجاوب بالقدر الكافي، إلا أنه في بداية الأمر كان العرب قد تحركوا أولا، وقبل الأطراف الأخرى. على العموم أريد أن أقول إن إصلاح الوضع العربي أمر عاجل لكن لن يتم بين ليلة وضحاها.
* تقصد أن العالم العربي ينبغي عليه أن يتجه إلى محاولة حل قضاياه بنفسه؟
- لكي تكون صاحب قرار لا بد أن يكون لديك خيارات متعددة. وهذا لا يعني إطلاقا أن تنعزل عن طرف أو تنعزل عن العالم وتعتمد على نفسك فقط.. هذا مستحيل حتى بالنسبة لدول كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا. لكن أيضا لا يمكن أن تكون صاحب قرار في تحريك قضية ما، بينما أنت لست شريكا فيها من الأصل. مثلا قضية مفاوضات الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى (5+1). هذا موضوع خاص بمنطقة بالغة الحساسية في العالم العربي. ومع ذلك لم يكن العالم العربي عضوا في هذه المفاوضات أصلا. وتم إبلاغ العالم العربي بالاتفاق بعد نهايته. ولذلك أقول إنه يجب أن نقوم بتنمية الاعتماد على الذات وطنيا. ويجب أن ننمي الاعتماد على الذات إقليميا، بمعني أن نقوم بالتعاون في الجانب الإقليمي سواء على الصعيد الاقتصادي أو العسكري أو التسليح، وكذا في الجانب الدبلوماسي بشأن حل القضايا الآنية. هذا مع الاحتفاظ بعلاقتنا مع الأطراف الأجنبية. وكل هذا يجب أن يدعَّم بتعاون اقتصادي وتركيز خاص على الكفاءات الشبابية بمعنى أن هذه القضية أو هذا البرنامج أو هذا المشروع، سوف يستغرق وقتا، فيجب أن يجد الشباب بُعدهم في هذا.. كلام جيلنا عن الاستعمار الأوروبي في الماضي واستقلال الدول العربية، هذا كان مرحلة، لكن لكي يجد الشاب العربي الموجود على شبكات التواصل الاجتماعي بشكل مستمر.. لكي يجد نفسه في العالم العربي لا بد أن نستوعبه في هذه الأمور.
* في الفترة الأخيرة ظهرت عمليتان للاعتماد العربي على الذات، الأولى واقعية، وأقصد بها التحالف العربي لمساندة الشرعية في اليمن أو ما يعرف بـ«عاصمة الحزم» بقيادة السعودية، والثانية، هي دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لإنشاء قوة عربية مشتركة لمكافحة الإرهاب. هل يمكن البناء على هذا، لإيجاد تجمع عربي قوي؟
- أولا أنا مؤيد للخطوتين. وأرى أنه كان لا بد من التحرك العسكري في اليمن، أولا، لردع المخالفة التي شاهدناها (من جانب الميليشيات الحوثية)، ثم لإعطاء رسالة لمن يمارس أي ممارسة على حساب العرب، بأن الجانب العربي على استعداد للقيام بنفسه بخطوات رادعة. نفس الشيء بالنسبة لمصر وليبيا. عندما قُتل عدد من المصريين، استخدمت مصر حقها في الدفاع عن النفس من خلال تنفيذ عمليات محددة ثم توقفت. الدعوة إلى إقامة قوة عربية مشتركة دعوة سليمة أيضا وليس المقصود منها الدخول في حروب أو التعامل عسكريا دون تقدير موقف. وبطبيعة الحال سيتم أخذ موافقات من الدول المعنية. المشروع ما زال يحتاج لمزيد من العمل. إلا أن الفكرة هي أن تكون لديك القدرة على الممارسة، هذا أمر مهم جدا، وهي أيضا رسالة سياسية قبل أن تكون رسالة أمنية. وأضيف إلى هذا أن أي عمل عسكري هو وسيلة وليس غاية. أي يجب أن يتبعه مباشرة عمل سياسي ودبلوماسي. وحتى الآن لم نشهد العمل الدبلوماسي العربي بالقدر الكافي.
* بعض المراقبين والسياسيين والدبلوماسيين يقولون إن إيران تمكنت من تحقيق نقطتين لصالحها. الأولى، تخص الاتفاق النووي. والثانية، بدخول روسيا المباشر على خط الأزمة السورية وتوجيه ضربات عسكرية في الداخل السوري. كيف ترى هذا؟
- أعتقد أن إيران نجحت بالفعل في استغلال الفراغ العربي من ناحية، ونجحت في ذلك لأنها استغلت مرحلة العقوبات التي فرضت ضدها لبناء كياناتها داخليا، مما فرض على المجتمع الدولي بالتحديد التعامل معها وصولا إلى الاتفاق النووي. إذن اعتمادها على الذات رغم مرحلة الضغط التي مرت بها، جعلها أكثر قدرة على التعامل مع الغير. هذه مراحل تكتيكية.. أما مسألة دخول روسيا في سوريا فلا ترتبط بإيران تحديدا، بل ترتبط بوجود فراغ أميركي وفشل أميركي في التعامل مع الملف السوري. أولا، فشل الدبلوماسية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط على مدى السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة. بالإضافة إلى انكماش أميركا في الشهور الست الأخيرة وبدء مرحلة التجهيز لانتقال السلطة مع الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة (في 2016). هنا دخل الروس لملء هذا الفراغ. ودخلوا لوجود خشية روسية حقيقية من التطرف والإرهاب. لم يدخلوا دعما لإيران، وإن كانت إيران قد تستفيد من هذا. في اعتقادي أن التدخل الروسي هو تمهيد لمرحلة تفاوض.
* تفاوض من أجل ماذا؟
- تفاوض لحل القضية السورية. أطراف التفاوض روسيا وأميركا وأطراف إقليمية مختلفة. إذن ما يجري هو توظيف لهذا الفراغ لتحسين أوضاعها التفاوضية قبل عملية التفاوض نفسها. وفي اعتقادي، وأرجو أن يكون موقفي سليما، لا أظن أن روسيا أخذت الخطوة الأخيرة في سوريا بغرض التصعيد مع أميركا، وإنما أخذت هذه الخطوة للتمهيد لمسألة التفاوض. وأكبر دليل على ذلك أنه مع قرار الدخول في سوريا، تمت دعوة أميركا للتشاور عسكريا حتى لا يحدث تشابك غير مقصود أو عن طريق الخطأ (بين قوات البلدين). ثم دعوا بعض دول المنطقة الشرق الأوسط، للتشاور معهم استخباراتيا، حول مسألة الإرهاب.
* لكن بالنظر إلى وضع هذه الخارطة، هل ترى أن وجود الرئيس بشار الأسد، في مستقبل سوريا، شرط أساسي، أم أنك ترى أنه ليس شرطا أن يكون نفس الأشخاص موجودين في المشهد الجديد المقبل، حتى لو لم يتم تغيير النظام بشكل جذري؟
- في نهاية المطاف نحن نتحدث عن القضية السورية. والشعب السوري هو الذي يحب أن يقرر من يكون رئيسه المقبل. لكن يجب ألا ننسى سبب المشكلة في الأساس، وألا ننسى أيضا الواقع السياسي على الأرض. في رأيي.. أهم شيء مطلوب الحفاظ على سوريا ككيان ودولة بما في ذلك المؤسسات السورية. أما من يكون الرئيس السوري أو من لا يكون الرئيس السوري، فهذه ليست القضية. ويجب ألا تكون هي القضية. إنما الواقع هو أن عدد القتلى في سوريا وعدد اللاجئين أو الذين خرجوا من ديارهم، حتى داخل سوريا، وصل إلى أرقام من الصعب معها تصور العودة إلى ما كانت عليه الأمور في البداية، دون تغيير. وسياسيا من الصعب تصور وصول الأطراف المتصارعة إلى اتفاق أو صفقة كبرى تنتهي إلى العودة بنا إلى الماضي كما كان، وكأن لم يكن هناك أي شيء. إذن في اعتقادي أن المسألة التي يجب أن يضمنها أي اتفاق، هو ضمان الدولة والمؤسسات. ومن الطبيعي أنه سيكون هناك تفاوض مع هؤلاء الأشخاص ومع هذه المؤسسات كمرحلة أولى، لكن في النهاية، في اعتقادي، يجب أن تكون بداية لسوريا جديدة.
* بوجوه جديدة؟
- في أغلب التوقعات نعم.
* وهل ترى أن مرحلة التشابك التي تشهدها المنطقة حاليا ما زالت تحت السيطرة، خاصة وأن هناك مخاوف من حدوث خلافات بين دول، مثل مصر والسعودية؟
- العلاقة بين مصر والسعودية أكبر من قضية بعينها، حتى نكون واضحين. أعتقد أن مصر والسعودية مهتمتان بالحفاظ على سوريا كدولة، بمعنى سوريا بمؤسساتها. أما مسألة استخدام القوة ضد سوريا أو عدم استخدامها، أو من يحكم سوريا ما بعد الوصول إلى حل، أو مغادرة الرئيس السوري أو عدم مغادرته خلال المرحلة الانتقالية، فهذه كلها أمور تكتيكية. لكن نحن نريد - وأعتقد، بل أثق أننا مهتمون بهذا، وأن السعودية أيضا مهتمة بهذا - الحفاظ على سوريا كدولة وعلى المؤسسات السورية، إنما من الصعب علينا أو على السعودية، أن نعتبر كل ما حدث في سوريا منذ بداية الأحداث (في 2011) كأنه لم يكن، ونعود إلى ما كانت عليه الأوضاع في أول الأمر. أما مسألة من يرحل ومتى فهذا كما قلت قرار سوري. والدليل على ذلك أن دعمنا السريع لخطوات السعودية في قضية اليمن، وبصرف النظر عن أن الموضوع السوري موجود منذ سنوات، ونحن متفقون فيه على بعض الأجزاء ومختلفون على بعض الأجزاء. لكن هذا لم يجعلنا نتردد إطلاقا في دعم السعودية في اليمن، ولم يجعل السعودية تتردد إطلاقا في دعم مصر، بشكل قوي، في أزمات متعددة.
* التوجه المصري في الفترة الأخيرة، والذي شاركت في بنائه بعد ثورة 2013، جعل الكثير من المراقبين يقولون إن مصر اتجهت إلى الشرق، أي إلى روسيا وإلى الصين، وأنها على خلاف مع الولايات المتحدة. كيف ترى هذا؟
- أولا، أنا أعلنت يوم 20 يوليو (تموز) 2013، بعد أن تحملت المسؤولية بأربعة أيام، أن مصر ستنطلق بهدف ضمان حرية قرارها السياسي الخارجي وذلك بتعدد الخيارات المصرية. بمعنى الحفاظ على الصديق القديم وتنمية العلاقة مع أصدقاء آخرين، حتى يكون القرار، في النهاية، قرارا مصريا. أعلنت ذلك ونفذته خلال الأشهر الثلاثة الأولى حيث جرى تبادل الزيارات بين روسيا ومصر على أعلى مستوى. وكذلك الأمر مع الصين واليابان وفي أفريقيا وهكذا. هذا ما أقصده باستعادة القرار العربي. يجب أن يكون لنا علاقات جيدة مع أميركا، وجيدة مع روسيا ومع غيرها. أي أننا مثلا حين نتعاون في مجال الزراعة مع روسيا أو أميركا أو اليابان، يكون من خلال (مصلحة) عربية، وكذلك الأمر بالنسبة للتعاون العسكري أو السياسي. ولا يمكن أن نتصور أنه مع كل نزاع إقليمي في منطقة معينة، أن الدول الكبرى ستسرع في الوقوف معنا. الدول الكبرى ستتحرك حين تكون هناك أزمة كبرى. إذن علينا أن نعتمد على الذات، وطنيا في التعامل مع القضايا الصغرى، أو المتوسطة أو إذا لم يكن هذا كافيا، فيكون بالتعاون الإقليمي العربي - العربي. هذا ما طرحته حينذاك، وهذا ما نفعله اليوم. وأنا مؤيد لذلك تماما. الإضافة المطلوبة الآن هي مزيد من المبادرات السياسية لحل القضايا الإقليمية.

* مهندس الدبلوماسية الخارجية بعد ثورة 2013
* نبيل إسماعيل فهمي دبلوماسي مصري، لعب دورا كبيرا لتحسين صورة مصر في الخارج بعد ثورة المصريين وعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في 2013، حتى أطلق عليه البعض مهندس السياسة الخارجية المصرية لمرحلة ما بعد الثورة. واستمر في عمله كوزير للخارجية من منتصف 2013 إلى منتصف 2014.
* ولد عام 1951 لعائلة دبلوماسية عريقة، فهو ابن إسماعيل فهمي وزير الخارجية الذي استقال أثناء مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979، احتجاجا على المسار الجديد للرئيس أنور السادات في ذلك الوقت.
* تخرج في كلية الهندسة بالجامعة الأميركية بالقاهرة. وشغل موقع سفير مصر لدى الولايات المتحدة من عام 1999 إلى 2008. ويتولى في الوقت الحالي منصب عميد كلية العلاقات العامة في الجامعة الأميركية بالعاصمة المصرية.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.