رحيل علي سالم.. العصامي صاحب «مدرسة المشاغبين»

لحق بقطار الراحلين الكبار هذا العام بعد رحلة أدبية خصبة

رحيل علي سالم.. العصامي صاحب «مدرسة المشاغبين»
TT

رحيل علي سالم.. العصامي صاحب «مدرسة المشاغبين»

رحيل علي سالم.. العصامي صاحب «مدرسة المشاغبين»

لم تكن المسافة كافية بين مدينة العريش المصرية، وتل أبيب عاصمة دولة إسرائيل ليدرك الكاتب المسرحي علي سالم، وهو يقطع بعربته الخاصة الصغيرة الطريق الوعر الملغم بين البلدتين أن ثمة مدارس أخرى للمشاغبين، تخفي خلف أبوابها دوائر أخرى للصراع، لن تفلح خيوط الدراما أو الكوميديا، في الوصول به إلى بر الأمان والسلام تحت راية الإنسانية، هذا الحلم العفوي الساذج الذي خاض سالم من أجله أعنف المعارك وأكثرها صخبا في حياته على المستوى السياسي والثقافي حين زار إسرائيل في 7 أبريل (نيسان) عام 1994، للتعرف عليها من الداخل، والانضواء لشعار «كسر الحاجز النفسي» الذي دشنه الرئيس المصري الأسبق أنور السادات بزيارته الشهيرة للقدس وتوقيع معاهدة كامب ديفيد للصلح مع إسرائيل.
لم ترهق وقائع تلك الزيارة مؤلف «مدرسة المشاغبين»، النص المسرحي المصري الأشهر، الذي أصبح بمثابة خبز الكوميديا اليومي على موائد العالم العربي لسنوات كثيرة من تسعينات القرن الماضي وحتى الآن، وإنما أرهقه ما أثير حولها من غبار، وما جلبته له من اتهامات كان أقساها لقب «المطبع الأول» الذي أطلقه عليه عدد من المثقفين العرب، ثم قرار شطبه من عضوية اتحاد الكتاب المصريين، والتي استردها فيما بعد بحكم قضائي.
هذه الوقائع وغيرها تلقي بظلالها على مشهد رحيل علي سالم، والذي غيبه الموت أمس بمنزله بحي المهندسين بالقاهرة، عن عمر يناهز 79 عاما، ليلحق بقطار راحلين كبار هذا العام من أمثال عبد الرحمن الأبنودي وعمر الشريف ونور الشريف وفاتن حمامة، مخلفًا لدى المصريين والوسط الثقافي المصري والعربي غصة من الألم والحزن، وهم يتأهبون لاستقبال عيد الأضحى المبارك.
في السنوات الأخيرة عانى صاحب «أغنية على الممر» أشهر عرض مسرحي تجول في أقاليم مصر، من أمراض الشيخوخة، كما خاض رحلة قاسية مع مرض السرطان وأدخل بسببها المستشفى أكثر من مرة للعلاج، لكنه كان يتعافى ويعود لمشاغبة قرائه بمقالاته السياسية الجريئة، التي تعكس وجهة نظره الخاصة وآراءه في الكثير من القضايا الحساسة والمصيرية التي تواجه مصر والعالم العربي.
استند علي سالم في مغامرته مع الحياة والأدب والفن على عصاميته وكفاحه مع الفقر وشظف العيش، الذي واجهه منذ نعومة أظافره، وهو بعد طفل صغير، في مدينة دمياط شمال مصر، الذي انتقل إليها وعاش بها سنوات صباه وأصبح منتميا لها، بعد أربع سنوات من مولده في حي شبرا البلد، في مدينة قليوب بمحافظة القليوبية المتاخمة للعاصمة القاهرة.. كان والده شرطيا يكسب بالكاد ما يكفي لإعالة أسرته الكثيرة العدد.
في عامه الحادي والعشرين رحل الأب تاركا الأسرة الكبيرة في مهب الفقر والعوز والحرمان، لكن صورته كرمز للصبر والكفاح ظلت محفورة في ذاكرته، تحفزه على الأمل في حياة كريمة وآمنة لأسرته.
بعد موت والده حظي علي سالم بإعفاء مؤقت من الخدمة العسكرية التي قطع فيها شوطا، نظرا لأنه أكبر إخوته وأصبح هو العائل لهم.. فعمل منذ تلك اللحظة على أن تسير حياته في مسارين لا ينفصل بعضهما عن الآخر؛ أن يسعى لتحسين حياة أسرته، وفي الوقت نفسه يكمل تعليمه ويحقق طموحه في أن يكون مؤلفًا مسرحيًا، خاصة وأنه يهوى التمثيل، وقد اختبر ذلك بالاشتراك في عروض ارتجالية في بعض المدارس بدمياط.
في هذه السن، لم يكن سالم أكمل تعليمه في كلية الحقوق التي التحق بها عام 1957، وتحت الحاجة لإعالة أسرته عمل في عدد من الوظائف والمهن الصغيرة، منها محصل أتوبيس (كمسري)، وسائق «طفطف»، وهي عربة للتنزه في المصايف. كما عمل بقسم الحسابات بوزارة الصحة بالقاهرة. وفي عام 1959 التحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية جامعة القاهرة لكنه سرعان ما توقف عن مواصلة الدراسة.
عن سبب توقفه للمرة الثانية عن استكمال دراسته الجامعية، قال سالم في أحد حواراته الصحافية إن «شقيقي عادل كان يدرس هندسة طيران، وكانت الأسرة في حاجة لمن يعمل، فتوقفت عن الدراسة لسنوات، ثم عدت عندما تحسنت أوضاعي المالية نهاية 1962 ودرست الأدب الإنجليزي، وحصلت على دبلوم الترجمة فأنا عاشق للغة الإنجليزية، واعتبر أن إنتاج الأرض مكتوب باللغة الإنجليزية، وفي هذا العام التحقت بمسرح القاهرة للعرائس، وقبلها كنت بدأت الكتابة للمسرح، بعد أن شاهدت عرضا مسرحيا جميلا كان عنوانه (الموت يأخذ إجازة) لألبرت كاستلو، وعند التحاقي بمسرح العرائس كتبت أول مسرحيتين في حياتي، وأعلن بالتلفزيون عن مسابقة لكتّاب المسرح الجدد في عام 1965 وبدأت رحلة المعاناة لحفر اسمي بين المشاهير».
في مسرح العرائس تولى سالم مسؤولية فرقة المدارس ثم فرقة الفلاحين، وحركهما وضخ في دمائهما حالة من الحيوية والنشاط، وطافت الفرقتان بعروضهما الكثير من المدارس والقرى والنجوع في الأقاليم.
لكن قدمه ككاتب مسرحي لافت برزت في أولى مسرحياته «العفاريت الزرق»، ثم مسرحية «حدث في عزبة الورد» والتي قدمها ثلاثي أضواء المسرح جورج وسمير والضيف، بعد بروفات 9 أيام فقط، واستمر العرض 4 أشهر في سابقة هي الأولى من نوعها في وقتها. لكن خطواته الفنية بدأت تتعمق وتتسع مع مسرحيته «الناس اللي في السماء الثامنة»، في عام 1966، وهي مسرحية شبه هجائية، بها لطشة شيقة من أدب العبث واللامعقول، تروي حكاية كوكب يخضع لسيطرة ملك وطاقم من العلماء الذين يؤمنون بأن الحب مرض يجب علاجه بإزالة «غدد الحب» من أجسام الأطفال، ويتمرد الحب على نفسه وعلى الواقعين فيه، فينظمون انقلابًا برئاسة وزير الطب لتلك المملكة.
وفي مسرحياته «الرجل اللي ضحك على الملائكة» (1966)، «أنت اللي قتلت الوحش - كوميديا أوديب» (1970). «بكالوريوس في حكم الشعوب»، لجأ سالم إلى النقد السياسي كسلاح لإيقاظ الوعي والخيال، وتقديم فرجة مسرحية لا تخلو من متعة، تعتمد على خلطة متقنة من الهجاء والسخرية والفانتازيا، تشد المشاهد إلى النص، فيحس بأنه جزء منه، وأن ظلاله قابعة في داخله.
وفوق قمة هذا العطاء المسرحي المتنوع تتربع مسرحية «مدرسة المشاغبين» التي ذاع صيتها في أنحاء العالم العربي، وأصبحت «إفيهاتها» تتردد على ألسنة الصغار والكبار في البيوت والمقاهي والشوارع حتى الآن ومنها: «إنجليزي ده يا مرسي» و«تعرف إيه عن المنطق»، وغيرها.. تروي المسرحية في إطار كوميدي حكاية معلمة للفلسفة تحاول تأديب فصل من التلاميذ المشاغبين. وقام ببطولتها كوكبة من النجوم على رأسهم الفنان عادل إمام والفنانة سهير البابلي والفنانون الراحلون يونس شلبي وسعيد صالح وأحمد زكي وحسن مصطفى.
غاص سالم بدماثة خلقه وحيويته، من خلال هذه الخبرات الحياة في قاع المجتمع المصري، تعايش معه، واحتك به عن قرب، وانعكس كل ذلك على أعماله المسرحية وكتاباته الفكاهية، فاتسمت بواقعية حريفة، قادرة على أن تقدم شهادة موجعة على البكاء في زمن الضحك والعكس صحيح أيضًا.
يفتخر سالم بهذه التجارب ويروي عنها قائلا: «أفتخر بأنني رجل عصامي، والدي الشرطي البسيط المثقف، وتعلمت الانضباط في العمل من سائق الأتوبيس وأنا أعمل (كمسري)، كانت في ذلك الوقت لدي إرادة قوية وطموح كبير، وتعرفت على مثقفين مهمين للغاية بالأتوبيس منهم محمد الدالي وأذكر أن سائقي الأتوبيس في ذلك الوقت كانوا مثقفين ومنضبطين، وتجرى لهم اختبارات دقيقة لمنحهم رخصة القيادة، لأن السائق مسؤول عن حياة البشر وأرواحهم، لذلك كان من يحصل على هذه الرخصة يقيم احتفالا كبيرا في الحي الذي يقطن فيه».

** أبرز أعماله
أثرى علي سالم المكتبة العربية بأكثر من 15 كتابا، تناول فيها قضايا المجتمع على شتى المستويات؛ الثقافية والسياسية والاجتماعية، وكتب 27 مسرحية جمع فيها بين الكوميديا والهجاء والسخرية، في فضاء فني متنوع، أبرزها:
*«الناس اللي في السماء الثامنة» أولى مسرحياته، وكتبها عام 1963، وتم إصدارها عام 1966.
*«ولا العفاريت الزرق». تعد أولى مسرحياته التي قدمته كاتبا محترفا.
*«الرجل اللي ضحك على الملائكة». مسرحية كتبها عام (1966).
*«حدث في عزبة الورد». مسرحية قدمها ثلاثي أضواء المسرح.
*«طبيخ الملايكة».
*«انت اللي قتلت الوحش - كوميديا أوديب»، مسرحية (1970).
*«مدرسة المشاغبين»، أكثر مسرحياته شهرة في العالم العربي.
*«عفاريت مصر الجديدة»، وتعد من روائع المسرح القومي.
*«الملوك يدخلون القرية».
*«العيال الطيبين»، رواية تم تجسيدها في فيلم سينمائي.
*«أولادنا في لندن».
*«بكالوريوس في حكم الشعوب»، إحدى أشهر رواياته المسرحية.
*«الكلاب وصلت المطار»، رواية مسرحية تم إعدادها عام 1996.
*«خشب الورد».
*«البترول طلع في بيتنا».
*«البوفيه».
*«بير القمح».
*«أغنية على الممر».
*«الكاتب في شهر العسل».
*«الكاتب والشحات».
*«المتفائل».
*«الملاحظ والمهندس».
*«رحلة إلى إسرائيل»، كتاب سرد فيه أحداث رحلته إلى إسرائيل عام 1994 ولقاءاته مع الإسرائيليين بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو الأولى.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».