وزير الخارجية التونسي: الإرهاب لن ينتصر رغم هجومي باردو وسوسة

الطيب البكوش قال لـ «الشرق الأوسط» إن مستقبل الأمن في كامل المنطقة رهين بمستقبل ليبيا.. ولا فتور في علاقتنا مع الجزائر

الطيب البكوش
الطيب البكوش
TT

وزير الخارجية التونسي: الإرهاب لن ينتصر رغم هجومي باردو وسوسة

الطيب البكوش
الطيب البكوش

اعتبر الطيب البكوش وزير خارجية تونس في حديث شامل مع «الشرق الأوسط» أن مستقبل الأمن والاستقرار في تونس وكامل منطقة شمال أفريقيا وجنوب أوروبا رهين المستجدات الأمنية والسياسية في ليبيا ونجاح جهود تشكيل حكومة وحدة وطنية قوية.
وأكد البكوش أن الإرهاب لن ينتصر في تونس، رغم هجومي باردو وسوسة، وفسر إعلان حالة الطوارئ بالحرب على الإرهاب. كما نوه بالشراكة بين حكومة تونس ولندن وبروكسل وبقية العواصم الأوروبية والدولية لرفع التحديات الخطيرة التي تواجه بلاده في المجالين الأمني والاقتصادي، خاصة بعد الهجمات الإرهابية، على المنتجعين السياحيين أخيرًا. وتوقع البكوش تطورًا إيجابيًا في علاقات تونس بالجزائر، نافيًا وجود فتور، كما أكد وجود خطة لتطوير العلاقات مع الدول الخليجية والأفريقية.

* بصفتكم عضوًا في الحكومة ونائبًا أول لرئيس حزب نداء تونس وأحد أبرز مؤسسيه مع الرئيس الباجي قائد السبسي، كيف تقيمون الوضع العام في البلاد؟ وهل تعتبرون أنّ إعلان حالة الطوارئ سيؤدّي إلى تحقيق شعار رفعتموه في حملتكم الانتخابية الرئاسية والبرلمانية (إرجاع هيبة الدولة) أم أنّ الاضطرابات والاعتصامات ستتواصل؟
- تونس اليوم ما زالت في مرحلة الانتقال الديمقراطي، وقد توفّقت إلى صياغة دستور جديد ذي مرجعية مدنية تقدّمية وتنظيم انتخابات حرّة نزيهة أفرزت رئيسا منتخبا من طرف الشعب، وبرلمانا تعدّديا لمدة نيابية، وأكسبت البلاد هيئات ومؤسسات من أولى أولوياتها إعادة الاستقرار للبلاد وضمان الأمن للمواطنين وإرجاع مصداقية الدولة وتحسين الخدمات وتوفير شروط الاستثمار وتعزيز الاقتصاد وتقليص البطالة والفوارق الاجتماعية ودعم صورة تونس في الخارج وتدعيم حضورها في المؤسسات الدولية.
بهذه المقاييس يمكن اعتبار تونس في الظرف الراهن استثناء فيما سمي بالربيع العربي. وبحسب تقييمات الأطراف الأجنبية والملاحظين فإنها نجحت فيما فشل فيه الآخرون. واليوم التحدي الأكبر هو كيفية دعم النجاحات السياسية على نسبيتها بنجاحات تنموية تعطي البعد الاقتصادي والاجتماعي والتربوي والثقافي للبعد السياسي للانتقال الديمقراطي حتّى ندخل منطقة اللاّعودة ونحصّن المسار من مخاطر الانتكاسات. والحلّ يبقى في المراهنة دوما على تعزيز دور المؤسسات ودولة القانون وتجنب مظاهر الفوضى والتوتر، وفي هذا المجال وبالرجوع إلى سؤالكم يمكن القول إن البلاد أنجزت مكاسب لا بأس بها ولكن ما بقي لا يزال كثيرا.
واليوم تونس اعتمدت نظاما سياسيا ديمقراطيا يعترف بتعدّد وتنوّع الأدوار داخله في ما بين المؤسسات التي تكون المشهد السياسي. فلنا مؤسسة رئاسة الجمهورية باعتبارها رمزًا لوحدة وسيادة البلاد وضمانا لحرمة الفرد والمجموعة الوطنية ولقيم الجمهورية والحداثة، ولنا حكومة قائمة على ائتلاف حكومي متعدد المكونات وهي تجربة فريدة ورائدة. كما أن لنا برلمانا متعددا ومتنوعا يتعايش فيه الرأي والرأي الآخر ويقوم بدور الرقابة. كما لنا مجتمع مدني يقظ تحتل فيه المرأة الدور الريادي وننتظر من الشباب أن ينخرط أكثر في الشأن العام وأن يتحمل بدوره مسؤوليته في بناء المشروع المجتمعي الجديد وردّ الاعتبار لقيمة العمل والمشاركة في الحياة العامة. كما لنا إعلام متنوع ومتعدد سواء تعلّق الأمر بالصحافة المكتوبة أو بالسمعي - البصري أو بصفحات التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من بعض التجاوزات فإن خيار الحرية يبقى هو الأفضل. وفي الأخير فإنّ الوضع العام بالبلاد بقدر ما يتوفّر على عناصر هامّة من الاستقرار والبناء لا تزال بعض العناصر المرتبطة ببعض المشاريع الهدامة ومنها مخاطر الإرهاب والتطرف تهدّد هذه المكاسب.
* ولكن ماذا عن إعلان حالة الطوارئ؟
- إعلان الطوارئ جاء بهدف تحصين البلاد ومؤسساتها والتضييق على محاولات الإرهابيين والمتربصين بأمنها واستقرارها. ويندرج قرار رئيس الجمهورية بعد التشاور مع الجهات المعنية بإعلان حالة الطوارئ حتى لا تستفيد الجماعات المتطرفة وتستغل مناخ الحرية لزعزعة كيان الدولة والمجتمع. فالمستهدف من هذا القرار هو الجماعات المتطرفة وليس المجموعة الوطنية ولا الفرد التونسي. كما أن المبادرة التشريعية الرئاسية بخصوص المصالحة الوطنية يمكن أن تشكّل دفعا للعدالة الانتقالية في الاتجاه الصحيح وفقا لتطلّعات الشعب وروح الدستور ودون الإخلال بمبدأ المحاسبة.
نعم.. إن إرجاع هيبة الدولة كما ذكرتم في سؤالكم لم يعد شعارا انتخابيا فحسب بل هو هدف أساسي في تعزيز أركان الدولة وفي بناء المشروع الديمقراطي. أما عما وصفته بالاضطرابات والاعتصامات العشوائية وعن مدى تواصلها في أنه من المرجو الفصل بين المطالب المشروعة السلمية القائمة على أسلوب الحوار والتفاوض واعتماد الواقعية والمرحلية وبين ما ينزع له البعض من محاولات تعطيل النسق العادي للدولة ومؤسساتها والإساءة لمصالح أفراد الشعب الحيوية التّي كثيرا ما لا تلقى صدى إيجابيا لدى عموم المواطنين أنفسهم.
* كيف تفسّرون تعاقب العمليات الإرهابية في تونس خلال الأشهر الستّة الماضية رغم تشكيل حكومة أفرزها البرلمان التعدّدي المنتخب وصادق عليها أكثر من ثلثي أعضائه؟ هل يستهدف الإرهاب ومن يقف وراءه «النموذج التونسي» السلمي؟
- إنّ تشكيل حكومة بمشاركة أربعة أحزاب هامّة وكثير من الشخصيات الوطنية وتزكيتها من قبل أكثر من ثلثي البرلمان كانت رسالة قوية تكرّس السّير السليم للانتقال الديمقراطي وتجسّد التوجّه الوطني التوافقي وهو ما لا يتماشى مع النيات والمخطّطات التخريبية للإرهاب والإرهابيين.
وقد أرادوا بعملياتهم هذه استهداف العملية الديمقراطية التونسية التّي أثبتت اليوم أنّ العالم العربي قادر على تجاوز ما يروّجه البعض من أنّ العرب غير قادرين وغير مؤهّلين للانتقال الديمقراطي. كما أن التجربة التونسية تشكّل الدليل القاطع على بداية نجاح ما سمّي بالربيع العربي.
ويجب أن ننوّه بالنجاحات الأمنية التّي ما انفكّت تحقّقها وحدات الأمن والحرس والجيش الوطني التّي مكّنت من القضاء على الكثير من العناصر الإرهابية الخطيرة وتحقيق تقدّم ملموس في استتباب الأمن وبثّ الطمأنينة في نفوس المواطنين. ولكن الدرب ما زال طويلا في هذا الشأن.
* إلى جانب التنسيق الأمني هل هناك تنسيق دبلوماسي سياسي مع بريطانيا والدول التّي سقط بين مواطنيها ضحايا في سوسة وباردو؟
- التنسيق الدبلوماسي بخصوص ملفّ الإرهاب متواصل منذ مدّة مع أهمّ الدول الشقيقة والصديقة. وقد شهد هذا التنسيق دفعا هاما إثر عمليتي باردو وسوسة، حيث تمّ تكثيف الاتصالات والتنسيق مع حكومات الدول التّي كان لها ضحايا في هاتين العمليتين ومنها بريطانيا على سبيل الذكر لا الحصر. وقد كانت مسألة مقاومة الإرهاب من بين أهمّ محاور اللقاءات والاتصالات الكثيرة التّي أجراها السيد رئيس الجمهورية والسيد رئيس الحكومة وأنا شخصيا مع قادة ومسؤولي البلدان المعنية وغيرها من الدول ومن الأطراف الفاعلة إقليميا ودوليا.
وأذكّر في هذا السياق بالزيارة التّي قام بها السيد الحبيب الصّيد، رئيس الحكومة، والتّي رافقته فيها إلى بروكسل، حيث عقدنا لقاءات هامّة مع السيد جان كلود يونكر، رئيس مفوضية الاتحاد الأوروبي، والسيدة فريديريكا موغيريني، الممثّلة السامية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، ومع وزراء خارجية الدول الأعضاء بالاتحاد، ركّزنا خلالها على حاجات تونس العاجلة على المستويين الاقتصادي والأمني.
وقد تحصّلنا على وعد صريح من الاتحاد الأوروبي بتعزيز دعمه للاقتصاد التونسي، خصوصا في القطاع السياحي، وبزيادة مساعدته في المجال الأمني وهو ما يعكس الرغبة الحقيقية في الوقوف إلى جانب تونس خلال هذه الفترة الحسّاسة وفي الإسهام في إنجاح التجربة الديمقراطية التونسية. كما أشير إلى الزيارة التّي أدّاها مؤخّرا السيد محمّد الناصر، رئيس مجلس نواب الشعب، إلى بريطانيا على رأس وفد هام في مسعى لتجاوز الآثار السلبية التّي خلّفها الهجوم الإرهابي بسوسة، وهي زيارة تؤكّد أنّ كلّ مؤسسات الدولة، سواء كانت حكومية أو برلمانية، قد تجندّت من أجل الحدّ من النتائج السلبية التّي ترتّبت عن هذا الهجوم الجبان وتجاوزها في أقرب وقت ممكن.
وقد عملت وزارة الشؤون الخارجية خلال الفترة الأخيرة على تحسيس الدول الشقيقة والصديقة بضرورة دعم التعاون الأمني والاستخباراتي على الصعيدين الثنائي ومتعدّد الأطراف قصد القضاء على آفة الإرهاب التّي تمثّل تهديدا مباشرا وخطيرا ليس على منطقتنا فحسب وإنما كذلك على السلم والأمن الدوليين. إنّ الإرهاب لا موطن ولا دين له وقد أصبح ظاهرة عابرة للحدود تستهدف أمن واستقرار كلّ البلدان. ويخطئ من يعتقد أنّه في مأمن من هذه الآفة. ويمكن أن أؤكّد أنّنا لمسنا من خلال اتصالاتنا تعاطفا وتضامنا قويا مع تونس في هذا الظرف الصعب والتزاما صريحا من شركائنا بمساندة بلادنا اقتصاديا وأمنيا حتّى تتمكّن من استكمال كامل مراحل مسارها الديمقراطي.
* هل تتوقعون انتصار تونس في معركتها ضدّ الإرهاب قبل تحقيق تهدئة في ليبيا؟
- لا شكّ أنّ الوضع الأمني في تونس يبقى شديد الارتباط بالوضع الأمني في الشقيقة ليبيا. وفي اعتقادنا أنّ الوضع لن يهدأ ويستقرّ في كافة دول الجوار إلاّ إذا استعادت ليبيا هدوءها واستقرارها. ولن يتمّ ذلك إلاّ من خلال تشكيل حكومة توافق وطني لديها القدرة على فرض الأمن والنظام والسيطرة على كامل التراب اللّيبي وتكون مؤهّلة كجهة رسمية للتعاون والتنسيق مع الجانب التونسي في كل المسائل الأمنية وأوّلها مراقبة الحدود المشتركة بين البلدين ومكافحة الإرهاب. وفي كلّ الحالات فإنّ تونس كثّفت مجهوداتها لمقاومة ظاهرة الإرهاب معتمدة في ذلك على إمكانياتها الذاتية وكذلك على الدعم الذّي هي بصدد الحصول عليه في إطار التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة. وأنا على يقين بأنّنا سنوفّق في القضاء على هذه الآفة التّي تبقى دخيلة على المجتمع التونسي الذّي يعرف بتفتّحه وتسامحه ولن يقبل بالسلوكيات الهجينة التّي تسعى التنظيمات الإرهابية إلى فرضها.
* ما هي آفاق العلاقات التونسية - الليبية بعد غلق القنصلية والسفارة وتأكد وجود علاقة بين الإرهابيين التونسيين وتنظيمات مسلّحة ليبية؟
- علاقاتنا مع الشقيقة ليبيا تاريخية وعريقة. وهي تستند إلى مرتكزات تاريخية وجغرافية واجتماعية عميقة. ولقد برهنت هذه العلاقات في أوقات المحن والأزمات على صلابتها وصمودها. ونحن نأمل بعد أن رحبنا بتوقيع غالبية الأطراف الليبية على الاتفاق السياسي بالصخيرات في أن تتجاوز ليبيا أزمتها الراهنة في أقرب وقت للتفرغ إلى بناء أسس الدولة والتنمية والازدهار. وهو ما يعود بالنفع بطبيعة الحال على المنطقة ككلّ وعلى العلاقات التونسية الليبية بصفة خاصة.
* ما حقيقة العلاقة بين تونس والجزائر بعد ما تردّد في بعض وسائل الإعلام الجزائرية والتونسية من حصول توتّر وسوء تفاهم؟ وما آفاق الشراكة الاقتصادية بين البلدين؟
- العلاقة بين تونس والجزائر مُتجذّرة واستراتيجية، وهي تقُوم على التنسيق والتواصل المستمر بين قيادتي البلدين. واسمح لي بأن أذكّر أنّ الجزائر الشقيقة قيادة وشعبا، قد باركت جميع مراحل الانتقال الديمقراطي التونسي وآزرت بلادنا في المحن والظروف الصعبة التي مرّت بها مثلما آزرت تونس الشعب الجزائري الشقيق زمن الكفاح من أجل التحرّر الوطني وفي جميع المحن التي عرفها. فعلاقاتنا مع الجزائر متميزّة ولا وجود لأي سوء تفاهم كما ذهبت إليه بعض وسائل الإعلام. وكما تعلمون، توجد رغبة صادقة من البلدين لمزيد دعم التنسيق والتشاور الثنائي على جميع المستويات، خصوصا في الفترة الرّاهنة، لمواجهة ظاهرة الإرهاب التي تستهدف المنطقة برمّتها، ولبحث سبل وآفاق استتباب الأمن والاستقرار في الشقيقة ليبيا في إطار تسوية سياسية شاملة بمشاركة كل الأطراف دون استثناء.
وعلى المستوى الاقتصادي، ما فتئ البلدان يبذلان الجهود الضرورية للرفع في حجم التعاون ولتحقيق نسب أعلى في التبادل التجاري ولتنويع قاعدته، ولا سيما من خلال الاستفادة من الاتفاق التجاري التفاضلي الثنائي والعمل على تطويره. كما يتواصل العمل لتفعيل القرارات التّي تمّ اتخاذها بخصوص تنمية المناطق الحدودية وتأهيل المنافذ الجمركية لتحسين أدائها وخدماتها، علما بأن تونس تمثل وجهة سياحية تقليدية للأشقاء الجزائريين الذين ناهز عددهم المليون ومائتين وثمانين ألف سائح سنة 2014.
* هل تتوقعون أن تتطوّر علاقات تونس بالدول الخليجية اقتصاديا وماليا في ظلّ امتناع الدول الغربية عن تقديم مساعدات مالية حقيقية لتونس؟
- في البداية لا بد من رفع الالتباس حول العلاقات الاقتصادية مع الدول الغربية، إذ خلافا لما هو رائج في بعض الأوساط السياسية والإعلامية فإنّ التعاون الاقتصادي والمالي قائم ويتدعّم بشكل مطّرد مع كل الشركاء الغربيين سواء الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة الأميركية وغيرها. أمّا بالنسبة للتعاون الاقتصادي والمالي مع الدول الخليجية الشقيقة، فمن الضروري التأكيد على متانة الروابط التاريخية والأخوية التي تجمع تونس بهذه الدول وعلى أهمية العلاقات الاقتصادية القائمة معها سواء كان ذلك في شكل استثمارات في القطاع المصرفي التونسي أو في القطاع العقاري أو في شكل تمويل لمشاريع تنموية كالطرق والجسور وتهيئة المناطق السقوية وبناء المنشآت العمومية كالمستشفيات. ويبقى هذا التعاون مرشّحا لمزيد التدعيم خاصة في أفق إصدار مجلة الاستثمارات الجديدة واعتبارًا لما يربط تونس من علاقات ثقة واحترام متبادل مع كل الدول الخليجية.

* خطة شراكة مع أفريقيا والدول العربية
* ما آفاق تطوير العلاقات بين تونس ومحيطها العربي وعمقها الأفريقي؟
- يظل اتحاد المغرب العربي فضاء انتمائنا الطبيعي. وسنواصل العمل مع أشقائنا قادة دول الاتحاد لتجاوز حالة الجمود التّي يشهدها، غايتنا في ذلك التسريع في استكمال بناء مؤسساته لتحقيق التكامل والاندماج الاقتصادي المنشود. ولئن بقي الاندماج المغاربي معطّلا منذ سنوات، فإنّ تونس ما فتئت تعمل من أجل دعم تعاونها الثنائي مع مختلف أعضاء الاتحاد ساعية في نفس الوقت إلى تحريك الاتحاد المغاربي من جموده الذّي يتسبّب سنويا في فقدان ما يقارب النقطتين من نسبة النموّ بالنسبة لكلّ دولة مغاربية. ومن جهة أخرى، نسعى لتطوير علاقاتنا مع البلدان العربية الشقيقة في كل المجالات بما يخدم مصالحنا المشتركة وتطلعات شعوبنا في الرقي والرفاه. ونحن واثقون أنّ تونس ستستعيد مكانتها ودورها في دفع العمل العربي المشترك وفي تنقية الأجواء بين الأشقاء العرب وذلك بالحثّ على تغليب لغة الحوار والوفاق إزاء مختلف الأزمات التي تشهدها المنطقة. كما وضعنا ضمن أولوياتنا خطّة عمل لتكثيف التعاون مع بلدان القارة الأفريقية باعتبارها تمثّل عمقا استراتيجيا لتونس. وتعمل الدبلوماسية التونسية على استكشاف فرص الشراكة التجارية والاقتصادية والفنية مع هذه الدول التّي ما فتئت اقتصاداتها تحقّق نسب نموّ هامّة وبصفة متواترة، حيث توفّر فرصا واعدة وحقيقية في مجالات الاستثمار والمبادلات التجارية، بالإضافة إلى استعدادها للاستفادة من الخبرات التونسية في كثير من المجالات ولا سيما التعليم والصحة والتكوين المهني والبنية الأساسية.
* هل تجاوزت حكومة تونس ووزارة الخارجية تحديدا سوء التفاهم الذّي وقع سابقا مع تركيا؟
- في البداية أودّ التأكيد على أنّ العلاقات التونسية - التركية عريقة متينة وقوامها المشاورات الدورية بخصوص كلّ المسائل ذات الاهتمام المشترك. ونحن حريصون على مزيد من دعم هذه العلاقات حتّى ترقى إلى أعلى المستويات المرجوة من الطرفين. ولم يحدث سوء تفاهم كما ذهب إليه البعض بل كلّ ما في الأمر أنّه تمّ تأويل بعض ما صرّحت به بخصوص شبكات تسفير الجهاديين التونسيين إلى سوريا. وقد وضّحنا هذه المسألة وقتها إلى أصدقائنا الأتراك وتمّ تجاوزها نهائيا من خلال اللقاءات التّي جمعتني بكثير من المسؤولين من هذا البلد الشقيق. وقد اتّفقنا على تكثيف التعاون الثنائي خلال الفترة المقبلة وعلى دعم التعاون الأمني والاستخباراتي قصد المساهمة سويا في الجهود الدولية لمحاربة الإرهاب.
* بعد قمّة الدول الصناعية السبع الكبرى في ألمانيا بمشاركة الرئيس الباجي قايد السبسي هل تتوقعون مساعدات اقتصادية ملموسة لتونس؟
- أودّ أن أذكّر أنّ دعوة السيد رئيس الجمهورية لحضور هذا الاجتماع هي في حدّ ذاتها اعتراف بالنجاح الذي حقّقته تونس في مجال الانتقال الديمقراطي على الرغم من الوضع الإقليمي والدولي الصعب. وقد مكّنت هذه المشاركة من إطلاع قادة الدول السبع الكبار على الخطوط العريضة لبرنامج الإصلاحات العميقة التّي ستقدم عليها تونس وما سيرافقها من تحدّيات تنموية واقتصادية واجتماعية وأمنية.
وقد تمّ الاتفاق على مواصلة التشاور مع حكومات هذه الدول قصد تحديد أولوياتنا واحتياجاتنا على الصعيدين الاقتصادي والأمني والتّي ستتمّ دراستها بصفة معمّقة خلال الفترة المقبلة، حيث أكد الطرف التونسي على ضرورة أن يكون حجم الدعم المرتقب في مستوى التحدّيات الرّاهنة. ولقد تلقينا تطمينات من هذه الدول بتوفير الدعم الكافي.
وفي كلّ الحالات ومهما كان حجم الدعم الدولي لبلادنا، فإنّ نجاح التجربة الديمقراطية التونسية لن يتحقّق من دون انصراف التونسيين للعمل والتعويل على طاقاتهم الإنتاجية وقدراتهم الذاتية وثروتهم البشرية للنهوض باقتصادنا الوطني وتحقيق التنمية الشاملة لتونس.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.