صاحب «المصابيح الزرق» أوصى بعدم إذاعة نبأ وفاته

رحيل الروائي السوري حنا مينة عن عمر يناهز 94 عاماً وأكثر من 40 رواية

حنا مينة  (إ.ب.أ)
حنا مينة (إ.ب.أ)
TT

صاحب «المصابيح الزرق» أوصى بعدم إذاعة نبأ وفاته

حنا مينة  (إ.ب.أ)
حنا مينة (إ.ب.أ)

مع أنه أوصى بعدم إذاعة نبأ وفاته في أي وسيلة إعلامية بعد أن يلفظ النفس الأخير، إلا أنه ما إن أعلن خبر وفاة الكاتب السوري الكبير حنا مينة، صباح أمس الثلاثاء، عن عمر يناهز الرابعة والتسعين، حتى تناقلت النبأ المحزن غالبية وسائل الإعلام العربية والأوساط الثقافية. وكان صاحب «المصابيح الزرق» قد طلب في وصية كتبها عام 2008 ونشرها في الصحافة المحلية، أن يتم التعاطي مع نبأ موته ببساطة تشبهه. ومما جاء في الوصية:
«عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألا يذاع خبر موتي في أي وسيلة إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فقد كنت بسيطاً في حياتي، وأرغب أن أكون بسيطاً في مماتي... لا حزن، لا بكاء، لا لباس أسود، لا للتعزيات، بأي شكل، ومن أي نوع، في البيت أو خارجه، ثم، وهذا هو الأهم، وأشدد: لا حفلة تأبين، فالذي سيقال بعد موتي، سمعته في حياتي، وهذه التآبين، وكما جرت العادات، منكرة، منفّرة، مسيئة إليَّ، أستغيث بكم جميعاً، أن تريحوا عظامي منها».
ولد حنا مينة في مدينة اللاذقية الساحلية عام 1924 من أسرة فقيرة هاجرت إلى مدينة السويدية في لواء إسكندرون من ثم إلى مدينة الإسكندرونة. عاش طفولته في حي «المستنقع»، الذي يصفه بأنه كان: «أمياً، متخلفاً، إلى درجة لا تصدق، لم يكن في حي المستنقع كله، من يقرأ ويكتب، كان سكان هذا الحي، والأحياء المجاورة من المعذبين في الأرض، الباحثين دون جدوى، عن الخلاص، وعن العدالة الاجتماعية التي لا يعرفون اسمها بعد!!».
في هذا الوسط الاجتماعي أتيح لحنا مينا دراسة الابتدائية فقط، وأنهاها عام 1936، وتحت وطأة الفقر انصرف للعمل في سن مبكرة، فالأب كان حمالاً في المرفأ، وأحياناً بائعاً للحلوى، أو أجيراً في بستان، وكثيراً ما كان يترك عائلته ويرحل إلى مجهول، تاركاً خلفه زوجة وثلاث بنات يعملن بالخدمة في البيوت وطفلاً وحيداً نحيلاً يعاني سوء التغذية، ويبحث عن أعمال تناسب قدراته كتلك التي كان يؤديها في خدمة الكنيسة التي كانت بدورها تقدم إعانة للعائلة الفقيرة. ومما يرويه حنا مينا عن تلك الفترة: «كنت أقوم مع بعض أطفال المدرسة بالخدمة في الكنيسة، وفي باحة المدرسة والكنيسة كانت ثمة قبور يونانية قديمة، وعلى أحدها كان مجلسي في ساعات الضيق والغربة، والجوع في أحيان غير قليلة، على هذا القبر تعلمت أن أحلم بالمدينة الفاضلة قبل أن أعرف اسمها، وبالحب قبل أن أبلغ السن التي يحق فيها لمثلي أن يحب»، إلى أن يقول: «كنت أحسد الكلب لأن له مأوى».
في إسكندرونة عمل في دكان حلاق ومكنته معرفة القراء والكتابة في بيئة غالبيتها من الأميين، من كتابة الرسائل والخطابات والعرائض. وكان هذا الباب الذي ولج منه لاحقاً إلى عالم الكتابة الأدبية، إذ تبدت حينها مواهبه في الكتابة، وجرفته تلك البدايات نحو المعترك السياسي ليدخله عبر الحزب الشيوعي بشعاراته التي عبرت عن طبقة الفقراء والكادحين التي نشأ في رحمها حنا مينا. ومن لواء إسكندرون لدى استيلاء تركيا عليها عام 1939 هرب إلى اللاذقية، وهناك عمل حمّالاً في المرفأ. وعمل مع رفاقه على تأسيس نقابة في المرفأ، في الوقت الذي كان يبيع فيه في الشوارع، وعلناً، جريدة الحزب الشيوعي «صوت الشعب»، في تحد للقوى السياسية المهيمنة على الحياة السياسية، التي كانت تناصب الشيوعيين العداء، ما عرضه للملاحقة ولاعتداء بالسكين كاد يودي بحياته من قبل أزلام السلطة.
بعد دخول قوات «فرنسا الحرة» إلى سوريا في الحرب العالمية الثانية، تطوع في البحرية الفرنسية على أمل إرساله إلى العلمين، لقتال جيش رومل ذئب الصحراء، لكن لم يكن محظوظاً بذلك، فترك الخدمة جندياً في البحرية ليعمل بحاراً على المراكب الشراعية بين شواطئ المتوسط العربية، ومع أنها كانت فترة قصيرة، إلا أنها ستكون التجربة التي ستغني أهم أعماله الروائية عن عالم البحارة والبحر.
عاد إلى المرفأ ليجد البطالة والجوع بانتظاره فعمل عتالاً في المرفأ، ثم حلاقاً في دكان صغير على باب ثكنة في مدينة اللاذقية. بعد جلاء الانتداب وتحديداً عام 1948، انتقل للعيش في بيروت لكنه لم يمكث طويلاً، ليعود إلى دمشق ويستقر فيها، وكان قد بدأ يسلك طريق الأدب كاتباً أولى روايته «المصابيح الزرق» التي ستشكل منعطفاً مهماً في حياته.
في دمشق نشط في السياسة بالتوازي مع عمله في الصحافة، وتدرج ليصبح رئيس تحرير جريدة «الإنشاء»، كما تزوج آنذاك وأنجب 5 أولاد، بينهم صبيان هما سليم الذي توفي في الخمسينيات والآخر الممثل سعد أصغر أولاده، وثلاث بنات.
في عهد الوحدة المصرية ـ السورية، واشتداد القبضة البوليسية على النشاط الحزبي كان حنا مينا في عداد المطلوبين للمخابرات، فاضطر للفرار إلى بيروت ثم إلى المجر ومنها إلى الصين ليعود عام 1967 إلى اللاذقية ثم دمشق، ليعمل في كتابة المسلسلات الإذاعية قبل أن يعمل في وزارة الثقافة.
بعد رواية «المصابيح الزرق» التي لاقت رواجاً منقطع النظير محلياً وعربياً تدفقت أعماله ليكتب مجموعة من أهم الروايات العربية عن البحر ومجتمع البحر في منطقة الساحل السوري، ومنها: «المستنقع» و«بقايا صور» و«القطاف» و«الدقل» و«الشمس في يوم غائم» و«الشراع والعاصفة» و«حكاية بحار» و«البحر والسفينة وهي» و«المرفأ البعيد» و«حكاية بحار» و«الثلج يأتي من النافذة» و«الأبنوسة البيضاء» و«حمامة زرقاء في السحب» وغيرها من الروايات التي شكلت ظاهرة ضمن ما يعرف آنذاك بـ«أدب الواقعية الاشتراكية»، ولكنه كان يرفض الواقعية باعتبارها «مدرسة في التعبير الأدبي تأخذ الواقع كما هو، فالواقع في الحياة يصير واقعاً فنياً في العمل الأدبي»، كما كان يؤكد دائماً على أن الأديب يجب أن «يكون من لحم ودم وليس من حبر وورق»، وأن «لا شيء يجعل الأديب حياً، مثل أن يباشر الأحياء، ويخرج من وحدته البودليرية التي لا تتيح سوى السقم والأشباح، وأن التجربة بأوسع وأعمق معانيها، بكل أخلاقيتها ولا أخلاقيتها، هي التي تكسو هيكل الأديب باللحم، وهي التي تجعل الدم يجري في شرايينه، وبذلك تؤهّله لأن يكون خالقاً حياً».
ترك الراحل الكبير حنا مينة أكثر من 44 رواية، ترجمت إلى العديد من اللغات، وكثير منها تحول إلى أفلام سينمائية ومسلسلات درامية سورية.
- جوائز حصل عليها
> جائزة المجلس الأعلى للثقافة والآداب والعلوم بدمشق عن رواية «الشراع والعاصفة».
> جائزة سلطان العويس لمجمل أعماله على عطائه الروائي.
> جائزة المجلس الثقافي لجنوب إيطاليا، عن رواية «الشراع والعاصفة»، كأفضل رواية ترجمت إلى الإيطالية.
> جائزة «الكاتب العربي» التي يمنحها اتحاد الكتاب المصريين.
> وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة.
- من أعماله
> «المصابيح الزرق»، رواية، 1954.
> «الشراع والعاصفة»، رواية، 1966.
> «الثلج يأتي من النافذة»، رواية، 1969.
> «ناظم حكمت وقضايا أدبية وفكرية»، سيرة ودراسة، 1971.
> «الشمس في يوم غائم»، رواية، 1973.
> «الياطر»، رواية، 1975.
> «بقايا صور»، رواية، 1975.
> «المستنقع»، رواية، 1977.
> «المرصد»، رواية، 1980.
> «حكاية بحار»، رواية، 1981.
> «الدَّقل»، رواية، 1982.
> «هواجس في التجربة الروائية»، خواطر وتأملات، 1982.
> «نهاية رجل شجاع»، رواية، 1989.
> «البحر والسفينة وهي»، رواية، 2002.
> «الأرقش والغجرية»، رواية، 2006.



إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.