ترمب يقبل دعوة زعيم كوريا الشمالية للحوار وجهاً لوجه

قد يلتقيان في مايو... وواشنطن مستمرة في العقوبات

الزعيم الكوري الشمالي والرئيس الأميركي واللقاء المرتقب (أ.ف.ب)
الزعيم الكوري الشمالي والرئيس الأميركي واللقاء المرتقب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يقبل دعوة زعيم كوريا الشمالية للحوار وجهاً لوجه

الزعيم الكوري الشمالي والرئيس الأميركي واللقاء المرتقب (أ.ف.ب)
الزعيم الكوري الشمالي والرئيس الأميركي واللقاء المرتقب (أ.ف.ب)

فجر الرئيس ترمب مساء الخميس مفاجأة سياسية من العيار الثقيل، معلنا استعداده للقاء كيم جونغ أون زعيم كوريا الشمالية في أول لقاء وجها لوجه بين قادة الدولتين بما يمثل اختراقا في الأزمة السياسية التي اشتعلت على مدى شهور بين واشنطن وبيونغ يانغ حول برنامج كوريا الشمالية النووي. وإذا تم الاجتماع فإنه سيكون أول اجتماع بين رئيس أميركي في السلطة وزعيم كوري شمالي على مدى سبعة عقود من العداء بين البلدين.
وقال ترمب عبر حسابه على «تويتر» «كيم جونغ أون تكلم عن نزع السلاح النووي مع مسؤولي كوريا الجنوبية وليس فقط تجميد، وأيضا لن تقوم كوريا الشمالية بتجارب صاروخية خلال هذه الفترة». وأضاف ترمب «هذا تقدم كبير تم إنجازه لكن العقوبات ستبقى حتى يتم التوصل إلى اتفاق وقد تم التخطيط للقاء». وقد التقى تشونغ أيوي يونغ رئيس مكتب الأمن القومي بكوريا الجنوبية بالرئيس ترمب وكبار المستشارين من بينهم وزير الدفاع جيمس ماتيس ومستشار الأمن القومي هيربرت ماكماستر ورئيس طاقم موظفي البيت الأبيض جون كيلي مساء الخميس، واطلع المبعوث الكوري الجنوبي الرئيس ترمب ومستشاريه على تفاصيل الاجتماع ما بين المسؤولين في كوريا الجنوبية ونظرائهم الشماليين. وعقب الإحاطة قال يونغ للصحافيين في البيت الأبيض بأن زعيم كوريا الشمالية وجه دعوة شفهية للحوار مع الرئيس ترمب وتعهد فيها بنزع السلاح النووي وتعليق التجارب النووية والصاروخية. وأوضح المبعوث الكوري الجنوبي أن ترمب وافق على الاجتماع بحلول مايو (أيار) المقبل استجابة لدعوة الزعيم الكوري الشمالي. وأشار مسؤول أميركي بالبيت الأبيض أنه لم يتم تحديد الموعد والمكان لكنه قد يحدث في غضون شهرين. وأوضحت مصادر بالبيت الأبيض أن مكان اللقاء قد يكون كوريا الجنوبية أو الصين ما لم تحدث مفاجأة أخرى من الرئيس ترمب بالسفر إلى بيونع يانغ، أو دعوة كيم جونغ أون بالمجيء إلى واشنطن. في جميع الأحوال فإن هذا يعني أن كلا من واشنطن وبيونغ يانغ ستتبادل وفودا رفيعة المستوى للتحضير للأمور اللوجيستية لعقد هذا الاجتماع.
ويصر البيت الأبيض أن هذا اللقاء جاء نتيجة السياسة المتشددة التي اتبعها ترمب تجاه كوريا الشمالية وكلماته القاسية وضعت نظام بيونغ يانغ في مأزق ودفعته إلى طلب عقد المحادثات.
وقال البيت الأبيض في بيان في وقت متأخر مساء الخميس بأن الرئيس ترمب تحدث مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي واتفقا على مواصلة فرض العقوبات حتى تقوم بيونغ يانغ بخطوات ملموسة نحو نزع السلاح النووي وإجراءات ملموسة نحو نهاية كاملة وقابلة للتحقق لا رجعة فيها في تطوير الصواريخ النووية.
وكان ترمب قد صرح في وقت سابق أنه مستعد للقاء زعيم كوريا الشمالية في ظروف مناسبة وأشار إلى أن الوقت ليس مناسبا بعد لمثل هذه المحادثات. وقد أثار الإعلان عن اللقاء مفاجأة كبيرة بعد شهور من تبادل الاتهامات والتصريحات اللاذعة بين الرئيس ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون حول برامج كوريا الشمالية النووية والصاروخية وتحدي بيونغ يانغ لقرارات مجلس الأمن الدولي وضغوط واشنطن لفرض حصار اقتصادي على بيونغ يانغ، مما دفع مجلس الأمن لاتخاذ قرارات بعقوبات اقتصادية صارمة.
وقد استهزأ ترمب بزعيم كوريا الشمالي ووصفة بأنه شخص مهووس ورجل الصواريخ الصغير وهدد في خطابه أمام الأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي بتدمير كوريا الشمالية بالكامل إذا هاجمت الولايات المتحدة. ورد زعيم كوريا الشمالية واصفا ترمب بالمختل عقليا. وتصاعدت المخاوف الدولية من نشوب حرب على خلفية هذه الاتهامات المتبادلة.
وبدأت لهجة تخفيف للتصريحات مع دورة الألعاب الأولمبية الشتوية الشهر الماضي في سيول التي شارك نائب الرئيس الأميركي مايك بنس في افتتاحها وشاركت إيفانكا ترمب ابنة الرئيس واحد مستشاريه في حفل اختتامها.
وغرد السيناتور ليندسي غراهام عبر «تويتر» قائلا: إن «موقف ترمب الثابت بشأن كوريا الشمالية أعطى أفضل أمل منذ عقود في حل التهديدات بشكل سلمي»، وأضاف محذرا رئيس كوريا الشمالية «كلمة تحذير للرئيس كيم جونغ أون أن أسوأ شيء يمكن القيام به هو محاولة المراوغة واللعب خلال مقابلتك للرئيس ترمب، فإذا قمت بذلك فستكون نهايتك ونهاية نظامك».
ويرى المحللون أن هذا الاجتماع المزمع بين ترمب وكيم جونغ أون سيكون أكبر مقامرة في سياسة ترمب الخارجية منذ توليه منصبه في يناير (كانون الثاني) 2017. وطرحوا تساؤلات كثيرة، فإذا حدث الاجتماع بالفعل، فما الذي يمكن أن يؤدي إليه؟ وهل يمكن أن يرضى ترمب بتجميد فقط لبرنامج الأسلحة النووية لكوريا الشمالية، بدلا من القضاء عليه تماما؟ وهل سيوافق على طلب كوريا الشمالية المتكرر بوقف التدريبات العسكرية السنوية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية؟ أو الاستجابة لمطلب انسحاب القوات الأميركية من شبه الجزيرة الكورية؟ وماذا إذا فشل الاجتماع؟ وهل يكون الاجتماع مجرد خطوة في عملية طويلة وصعبة تهدف لشراء الوقت من جانب كوريا الشمالية؟
ويرى بعض المحللين أن قرار ترمب بقبول الدعوة للقاء كيم جونغ أون يمكن ربطه برغبته في إنجاز نجاح مهم في أصعب تحدٍ يواجه سياسته الخارجية قبل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ومن الجانب الآخر يبدو الزعيم الكوري الشمالي في حاجة ملحة لإنقاذ اقتصاد بلاده بعد فرض العقوبات الأخيرة. ولذا فهناك مصلحة لدى القادة في التوصل إلى صفقة كبيرة وإذا حدث ذلك، فإن قمة مايو (أيار) بين ترمب وكيم جونغ أون ستأتي بعد وقت قصير من اجتماع مقرر بين الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي والزعيم الكوري الشمالي في أبريل (نيسان) المقبل. ويرى المحللون أن كوريا الشمالية ستحاول أيضا عقد مؤتمرات قمة مع الصين وروسيا واليابان في وقت لاحق حتى تخرج من عزلتها الدولية.
وأبدى مساعدو الرئيس ترمب الكثير من الحذر وبعض التفاؤل مشيرين إلى تاريخ كوريا الشمالية في نكث الالتزامات الدولية وفشل الجهود التي بذلتها إدارات أميركية سابقة في مجال نزع السلاح النووي عبر مبادرات دبلوماسية مع كوريا الشمالية. فيما أشار نيكولاس بيرنز، الذي عمل سفيرا للولايات المتحدة بحلف الناتو، أن تهديدات ترمب العسكرية إضافة إلى العمل مع الصين جعل هذا الاجتماع التاريخي ممكنا. وقال بيرنز «إدارة ترمب تمكنت من فرض عقوبات أكبر وأقوى واستصدار قرارات من الأمم المتحدة، إضافة إلى تأثير ترمب على الصين، فقد فعل الصينيون الكثير في العام الماضي أكثر مما فعلوا على مدى سنوات». وأضاف «أعتقد أنه أمر إيجابي أن يتجه الرئيس ترمب وكيم جونغ أون نحو الدبلوماسية لأننا كنا متجهين للتصادم مع كوريا الشمالية». وطالب بيرنز، الذي يعمل حاليا أستاذا في جامعة هارفارد، إدارة ترمب بالحذر والتشكك عند الدخول في هذا الاجتماع وتحديد أهداف واضحة لما يمكن به تحقيق الهدف في نزع فتيل طموحات كوريا الشمالية النووية. وقال «إن كيم جونغ أون قد لا يكون مستعدا لتقديم تنازلات حقيقية ويسعى فقط للحصول على الشرعية والقبول الدولي». وفور انتشار الخبر رحبت كلا من روسيا والصين بالإشارات الإيجابية الجديدة ما بين واشنطن وبيونغ يانغ.

بكين تشعر بسعادة غامرة
> رحبت الصين أمس الجمعة بالإشارات الإيجابية من الولايات المتحدة وكوريا الشمالية بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه مستعد للقاء الزعيم كيم جونغ أون. وقال جينغ شوانغ المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية أمس الجمعة: «شعرنا بسعادة غامرة إزاء اتخاذ كوريا الشمالية والولايات المتحدة أخيرا هذه الخطوة». وأضاف المتحدث قائلا إن الصراع الكوري «يواصل تحركه في الاتجاه الصحيح» مشيرا إلى أن بكين تؤيد حل المشاكل عن طريق الحوار. وأوضح المتحدث: «نأمل أن تتمكن كل الأطراف من إظهار الشجاعة السياسية واتخاذ قرارات سياسية» نحو التوصل إلى حل سلمي للصراع الكوري.

تيلرسون: ترمب قرر «من تلقاء نفسه»
> قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون أمس الجمعة إن الرئيس دونالد ترمب اتخذ قرار إجراء محادثات مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون من تلقاء نفسه، لكن المحادثات ستحتاج «لبضعة أسابيع» لترتيبها. وقال تيلرسون للصحافيين أثناء زيارة لجيبوتي «إنه قرار اتخذه الرئيس من تلقاء نفسه. تحدثت معه في وقت مبكر اليوم بشأن هذا القرار وأجرينا محادثة جيدة للغاية». وأضاف «قال الرئيس ترمب منذ فترة إنه منفتح بشأن المحادثات ويرغب في لقاء كيم عندما تكون الظروف مواتية وأعتقد أن الرئيس يرى أن الوقت قد حان». وأشار إلى أن الولايات المتحدة تفاجأت بموقف كيم خلال محادثاته مع وفد زائر من كوريا الجنوبية. وقال إن هذا هو أقوى مؤشر حتى الآن على أن كيم «ليس مستعدا فحسب وإنما يرغب حقا في إجراء محادثات».

موسكو: خطوة في الاتجاه الصحيح
> رحبت موسكو أمس بتوصل الزعيمين الأميركي والكوري الشمالي إلى اتفاق لعقد لقاء في مايو (أيار) المقبل. واعتبر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف أمس الجمعة، لقاء ترمب وكيم خطوة في الاتجاه الصحيح، وضرورية من أجل تطبيع الوضع في شبه الجزيرة الكورية، بحسب قناة «روسيا اليوم». وقال لافروف إنه من المهم أن يؤدي الاجتماع بين الزعيمين إلى فتح طريق لتسوية شاملة وليس فقط محادثات.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.