لاغارد: مؤتمر مراكش سيناقش إجراءات لإطلاق إمكانات العالم العربي

مديرة صندوق النقد الدولي قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه يجب دعم زيادة مساهمة النساء في الاقتصاد

مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد
مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد
TT

لاغارد: مؤتمر مراكش سيناقش إجراءات لإطلاق إمكانات العالم العربي

مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد
مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد

تولي كريستين لاغارد مدير صندوق النقد الدولي، اهتماما كبيرا بمؤتمر «الازدهار للجميع... تعزيز الوظائف والنمو الشامل في العالم العربي» الذي ينظمه صندوق النقد الدولي بالتعاون مع الحكومة المغربية ووزارة الاقتصاد والمالية وصندوق النقد العربي والصندوق العربي لإنماء الاقتصادي والاجتماعي في مراكش اليوم وغدا، وتركز فيه على قضيتين أساسيتين هما النمو والوظائف.
وتطالب لاغارد في حوارها الخاص مع «الشرق الأوسط» صناع السياسات في العالم العربي بالاهتمام بإطلاق طاقات الشباب والمرأة وتحسين جودة التعليم وتذليل العقبات التي تواجه القطاع الخاص ليتمكن من خلق الوظائف التي تحتاجها المنطقة العربية.
وتشير إلى مشكلة البطالة وارتفاع مستويات الفساد وانخفاض القروض المقدمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة العربية بما يصل إلى 2 في المائة فقط من إجمالي الناتج القومي.
وتتطرق مدير صندوق النقد الدولي إلى التحديات التي تمر بها دول مثل تونس والأردن والمغرب ومصر، وتبدي تفاؤلا نظرا لحجم الفرص التي اغتنمتها بعض الدول لجلب الاستثمار، مثل المغرب الذي اتخذ خطوات لتنفيذ الإصلاحات وخفض معدلات البطالة، وما قام به الأردن من إصلاحات لخفض الدين العام، والإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية لتحسين بيئة الاستثمار وتعزيز ثقة المستثمرين، لكنها أشارت إلى أهمية إلغاء دعم الوقود كأولوية في برنامج الإصلاح المصري، وإلى ضرورة خفض نسب الدين العام لدي دول المنطقة العربية بصفة عامة.
ومع انشغال الأسواق المالية بالعملات الرقمية الجديدة مثل بيتكوين، أشارت لاغارد إلى منافع ومخاطر كثيرة لهذه العملات الرقمية.

> تعقدون مؤتمرا في مراكش اليوم وغدا في فترة من التوترات والاضطرابات السياسية في المنطقة العربية. ما الذي تسعون إلى تحقيقه؟
- يُعقَد المؤتمر في فترة حرجة تمر بها المنطقة. فالشعوب لديها شعور مفهوم بالإحباط؛ حيث مضت سبع سنوات منذ الربيع العربي وكثير من تطلعاتهم الاقتصادية وغير الاقتصادية لم تتحقق. ولا يزال ربع الشباب وربع النساء عاطلين عن العمل. ويتشارك الصندوق مع الحكومة المغربية، وصندوق النقد العربي، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، لعقد هذا المؤتمر من أجل مناقشة الخطوات العملية الممكنة بشأن قضيتين أساسيتين: الوظائف والنمو. وأتوقع أن تثمر المناقشات أفكاراً عن كيفية التعجيل بإحداث التحول المطلوب في الاقتصادات العربية، وكيفية تشجيع الابتكار والشفافية لإطلاق إمكانات الاقتصاد في المنطقة.
> يركز المؤتمر على النمو المستدام والاحتوائي، فما هي توصيات الصندوق لبلدان المنطقة من أجل حماية الإنفاق الاجتماعي؟
- عانت المنطقة من صدمات خارجية كثيرة طوال سنوات؛ فقد تأثرت بالصراعات المطولة وأعمال الإرهاب وانخفاض أسعار النفط والاضطرابات الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي، وهو الشريك التجاري الأساسي للمنطقة.
وأدت هذه الصدمات إلى تفاقم مشكلات طويلة الأمد مثل تضخم حجم القطاع العام (حيث يؤمِّن القطاع العام وظيفة من كل خمس وظائف)، وارتفاع الدين، واستشراء الفساد، وارتفاع البطالة. كل هذا لم يتسبب في تثبيط الاستثمار وارتفاع البطالة فحسب، إنما أدى أيضاً إلى انخفاض حاد في التمويل الحكومي للبرامج الاجتماعية الموجهة لحماية محدودي الدخل.
وبالطبع فإن النموذج الذي تتاح فيه فرص محدودة لمعظم أفراد المجتمع ولا يحصل فيه على الموارد إلا قلة محظوظة منهم، هو نموذج غير قابل للاستمرار. ويجب حل هذه القضايا بالانتقال إلى نموذج نمو أكثر احتواءً للجميع. ويتطلب هذا مفاضلات صعبة، ولكنها لازمة لزيادة الإنفاق الاجتماعي والموارد العامة. والنتيجة الوحيدة لتأخير هذه الإصلاحات هي استمرار ارتفاع التكاليف وتحميلها للأجيال القادمة.
وقد عملنا مع شركائنا في المنطقة للتأكد من أن الإصلاحات متوازنة اجتماعياً ولإرساء برامج تَحُول دون تحميل الفقراء عبء الإصلاحات. وتختلف هذه البرامج من بلد إلى آخر، تبعا لظروفه الاقتصادية والاجتماعية.
ومن بين الإجراءات في هذا الصدد تقديم مساعدات اجتماعية للمستحقين بالتوازي مع الإصلاحات الضريبية، والحفاظ على حد أدنى من الإنفاق الموجه لتغطية تكاليف العجز والمرض والشيخوخة والأسر والأطفال والمسكن، بالإضافة إلى أعمال البحث والتطوير في مجال الحماية الاجتماعية. وهناك إجراءات إضافية تتعلق بالمرأة أيضاً، ومنها تيسير الحصول على التمويل وتخفيض تكاليف إجراءات الموافقة على الاستثمارات التي تساعد على خلق فرص العمل.
> كيف يمكن لدول المنطقة زيادة الفرص للنساء والشباب؟
- خلق الفرص للشباب والنساء يأتي على رأس الأولويات. فالشباب دون سن الثلاثين يشكلون 60 في المائة من مجموع سكان المنطقة. وسيصل أكثر من 52 مليون نسمة إلى سن العمل في غضون الخمس سنوات القادمة، منهم أكثر من 27 مليون نسمة سينضمون إلى سوق العمل. وأمام حكومات المنطقة فرصة هائلة للاستفادة من هذه الإمكانات الضخمة التي تنتظر إطلاقها.
أولا: ينبغي لصناع السياسات الاستثمار في تعزيز مهارات الأفراد، عن طريق تحسين جودة التعليم. ويتضمن هذا تطويع التعليم لاحتياجات القطاع الخاص، وزيادة فرص الحصول على التدريب المهني والتلمذة الصناعية والتدريب العملي الداخلي والاستشارات الوظيفية وخدمات التسكين الوظيفي.
ثانيا: يجب أن تدعم الحكومات زيادة مساهمة النساء في الاقتصاد، الأمر الذي يحقق منافع اقتصادية جمة ويساعد على تخفيض مستوى الفقر. وقد يتضمن ذلك إجراءات مثل ساعات العمل المرنة، وزيادة فرص الحصول على خدمات رعاية الطفل، وتوفير شبكات للنقل العام تتسم بالكفاءة وانخفاض التكلفة، وإتاحة خيارات لخفض تكاليف الأجور عن وظائف القطاع الرسمي التي تشغلها المرأة. وهذه الأنواع من الإجراءات الداعمة لمشاركة المرأة في سوق العمل مدرجة بالفعل في برامج السياسات الاقتصادية لدى بلدان يدعمها الصندوق، مثل الأردن ومصر.
وفي مراكش، سنناقش اليوم هذه القضايا مع مجموعة بارزة من القيادات النسائية والشابة في المنطقة. وقد أطلقنا قبل المؤتمر حملة الشباب العربي للابتكار التي تسعى لتسليط الضوء على الفكر الابتكاري لدى الشباب العربي وما يقدمونه من أفكار رائدة للتغلب على العقبات.
> تعد البطالة في معظم البلدان العربية من بين أعلى المستويات في العالم. ما هي الخطوات التي ينبغي أن تتخذها الحكومات لتشجيع رواد الأعمال وتمهيد الطريق لنمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة؟
- من الواضح أن القطاع العام لا يستطيع خلق عدد الوظائف التي تحتاجها المنطقة. ويجب سد هذه الفجوة من خلال القطاع الخاص. ولتشجيع وجود قطاع خاص ديناميكي وحيوي، يتعين العمل على عدة جبهات، مثل تبسيط القواعد التنظيمية وتحسين كفاءة أسواق العمل.
ومن الملاحظ أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة لا تنشئ وظائف كافية في الوقت الراهن لأنها لا تستطيع الحصول على التمويل والاستثمارات والتكنولوجيا، مما يضيع عليها فرصة المشاركة في الأسواق العالمية. وتمثل القروض المقدمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة 2 في المائة فقط من إجمالي الناتج المحلي، مقارنة بنسبة 15 في المائة في آسيا الصاعدة و18 في المائة في أوروبا الصاعدة.
وتعتبر مكافحة الفساد توجهاً مهماً آخر يساهم في تشجيع نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة. فطبقا لمؤشر منظمة الشفافية الدولية المعني بالفساد، بالإضافة إلى مسح أجراه البنك الدولي، يبلغ الفساد المتصور في المنطقة ثاني أعلى المستويات في العالم كما أن 55 في المائة من الشركات تعتبر الفساد عقبة أساسية أمام الأعمال في المنطقة.
وبالتالي، فمن المؤكد أن القطاع الخاص يمكنه المساعدة. ولنأخذ المغرب على سبيل المثال. فقد نجح المغرب في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وأنشأ مدارس للتدريب المهني وأعطى العمالة المهارات المطلوبة في قطاعات ديناميكية كصناعة السيارات والطائرات. ويتطلع الآن إلى مزيد من التوسع باستخدام التكنولوجيا.
> نزل الناس إلى الشوارع في تونس للاحتجاج على الأحوال الاقتصادية الصعبة بعد سبعة أعوام من الربيع العربي. ما رأي الصندوق؟
- شعور الشعب التونسي بالإحباط مفهوم. فهم يريدون فرص عمل وحياة أفضل لأنفسهم ولأسرهم، كما يريدون العدالة. والحكومة تريد كل هذه الأمور أيضاً، كما نريدها نحن في الصندوق. ونحن نعتقد أن الإصلاحات الاقتصادية بالغة الأهمية لتحقيق هذه الأهداف.
ولننظر فيما تمر به تونس حالياً. فتونس تواجه تحديات بالغة التعقيد والصعوبة - من النمو المنخفض إلى البطالة المرتفعة، خاصة بين الشباب والنساء، إلى الفساد والهجمات الإرهابية التي ألحقت ضرراً بالغاً بالسياحة. فكيف تبدأ في حلحلة هذه المشكلات؟
تونس تنفق الكثير على رواتب القطاع العام. وتكلفة الأجور هذه، التي تبلغ 14.1 في المائة من إجمالي الناتج المحلي وحوالي نصف الإنفاق الكلي، تعتبر من أعلى المستويات في العالم. فالقطاع العام في تونس يؤمِّن وظيفة من كل خمس وظائف.
وحين تنظر إلى الدين العام الداخلي والخارجي، تجد أن كليهما زاد بمقدار الضعف تقريباً منذ عام 2010 (من 39 في المائة إلى 70 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في حالة الدين الداخلي، ومن 49 في المائة إلى 80 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في حالة الدين الخارجي). ووصل التضخم إلى 6.4 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، صعوداً من 5.5 في المائة في يونيو (حزيران) 2017. مقارنة بنسبة 0.6 في المائة في المغرب في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. كذلك وصلت الاحتياطيات إلى مستويات بالغة الانخفاض. وتشير هذه الأرقام إلى أهمية تنفيذ الإصلاحات، مع حماية شرائح المجتمع الأقل دخلاً.
إذن تمويل الصندوق في تونس يتيح متنفساً يسمح بإبطاء سرعة تخفيض الإنفاق ويساعد على زيادة الإيرادات الضريبية بصورة عادلة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أننا نركز على ضرورة أن تكون الإصلاحات متوازنة اجتماعياً وجيدة التصميم بما يجنِّب الفقراء تحمل الأعباء المصاحبة. ويتضمن هذا الحفاظ على دعم المنتجات الغذائية الأساسية وزيادة الضرائب على السلع التي يستهلك معظمها الأثرياء. وقد حاولنا التأكد أيضاً من أن خفض التوظيف في القطاع العام يعتمد على نظام المغادرة الطوعية والتقاعد المبكر بدلاً من التسريح الإجباري.
وبالإضافة إلى ذلك، نساعد تونس في مكافحة الفساد. فالبرنامج الذي يدعمه الصندوق يتضمن إنشاء الهيئة العليا لمكافحة الفساد والحوكمة الرشيدة، واعتماد قانون أساسي للميزانية من شأنه زيادة الشفافية، واتخاذ إجراءات لتعزيز الإدارة الضريبية. وقد كانت جهودنا فعالة أيضاً في تحفيز الدعم الخارجي ونواصل حث شركاء تونس الدوليين على زيادة مساعداتهم لها وهي تجتاز هذه الفترة الانتقالية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
> إلى أي مدى تساهم البرامج المطبقة في بلدان مثل مصر والأردن والمغرب وتونس في تحقيق النمو وخلق الوظائف؟
- الوظائف تأتي مع النمو الاقتصادي. والنمو يأتي مع تحسن ثقة الأعمال والمستثمرين، وهو ما يأتي بدوره عندما تحقق البلدان الاستقرار الاقتصادي. ومن هنا تأتي أهمية الإصلاحات. وحتى تنجح برامج الإصلاح، ينبغي أن يكون تصميمها مراعياً لظروف البلد المعني وأن تتبناها حكومته بصورة كاملة. ومن المهم أيضاً أن تُراعي هذه البرامج الظروف الاجتماعية والسياسية القائمة، ونحن نحرص دائماً على أخذ هذا الجانب في الاعتبار. وكمثال للمساعدة التي يمكن أن تقدمها البرامج المدعومة من الصندوق، توجد حالات يصل فيها الدين العام إلى مستوى مرتفع ومتزايد، كما هي الحال في تونس ومصر، وفيها نقدم التمويل بما يتيح الفرصة لاتباع وتيرة أكثر تدرجاً في تطبيق الإصلاحات وبأسعار فائدة أقل مما يمكن الحصول عليه من مصادر أخرى. وقد ذكرت منذ قليل كيف أن الصندوق في شراكة مع تونس لدعم اقتصادها.
وفي مصر، ستؤدي الإجراءات المتخذة لتحسين بيئة الاستثمار، كإصدار القانونين الجديدين للاستثمار ومنح التراخيص الصناعية، إلى تعزيز ثقة المستثمرين وزيادة فرص العمل في القطاع الخاص. ومن مقومات البرنامج أيضاً توفير غطاء قوي من الحماية الاجتماعية، كالتوسع في برامج التحويلات النقدية الموجهة للأسر محدودة الدخل، وتعزيز خدمات رعاية الطفل، وإدخال تحسينات على منظومة النقل العالم بما يساعد عدداً أكبر من النساء على الانضمام إلى سوق العمل.
ويقوم الأردن بتنفيذ حزمة إصلاحات تدريجية ومطردة لتخفيض الدين العام المرتفع. وقد أوصينا أيضاً بتعزيز بيئة الأعمال، وخاصة للشركات الصغيرة، وتشجيع التوظيف.
والمغرب يسير على المسار الصحيح. فهو يخطو خطوات واسعة في تنفيذ الإصلاحات ووضع الأساس لنمو أعلى وأكثر احتواءً لكل شرائح المجتمع. وقد عملنا مع المغرب من خلال قنوات مختلفة، منها المساعدة الفنية، والدعم باستخدام «خط الوقاية والمرونة» (PLL)، والحوار بشأن السياسات عن طريق الرقابة. وتركز مشورتنا بشأن السياسات على دعم الإصلاحات لتخفيض عبء الدين العام، والحفاظ على الإنفاق الداعم للنمو وللفقراء، ومساندة سياسات الحكومة لتخفيض البطالة من أكثر من 10 في المائة اليوم إلى 8.5 في المائة في 2021. ومساعدتها في العمل التحضيري اللازم للانتقال إلى نظام صرف أكثر مرونة، وهو ما أُعلِن في 21 يناير (كانون الثاني).
> تهدف السلطات المصرية إلى وضع الدين الحكومي على مسار تنازلي، لكن تحقيق هذا الهدف محاط بالمخاطر، نظرا للارتفاع المتوقع في أسعار النفط. فهل سيظل من الضروري الاستمرار في رفع الدعم عن الوقود؟
- أود أن أقول في البداية إن السلطات المصرية اتخذت خطوات جريئة لإصلاح الاقتصاد. وكما تعلمون، فإن الدين العام مرتفع في مصر ومن بين الأهداف المقررة إرساء هذا الدين على مسار تنازلي واضح، وخلق حيز للإنفاق الاجتماعي الموجَّه للمستحقين.
وتتمثل الإجراءات الأساسية الخافضة للعجز في رفع ضريبة القيمة المضافة، ومواصلة إصلاحات دعم الطاقة، وكبح الأجور. ولكن الميزانية تتضمن مكوناً اجتماعياً قوياً أيضا لتخفيف عبء الإصلاح عن الفقراء. ويعد إلغاء دعم الوقود من أهم الأولويات لأن الميسورين هم من يستفيدون بمعظمه. والهدف هو أن تصبح الأسعار مع نهاية البرنامج انعكاساً صادقاً للتكاليف الحقيقية، مما سيفسح المجال أمام الإنفاق الضروري على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
> هل تعتبر نسب الدين العام آمنة في المنطقة العربية؟
- ارتفاع الدين يترتب عليه انخفاض في النمو والتوظيف. وتوجد في بلدان المنطقة نسب دين من أعلى النسب على مستوى العالم. وقد بذلت الحكومات جهودا لتخفيض العجز مؤخرا، ولكن تركة الإنفاق العام المرتفع وتعبئة الإيرادات الضعيفة أسفرت عن مستويات دين يبلغ متوسطها 80 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في البلدان العربية المستوردة للنفط. وتؤدي خدمة هذه الديون إلى استنزاف الموارد التي كان يمكن توجيهها لتمويل البرامج الاجتماعية الحيوية والاستثمارات الضرورية في البنية التحتية. ومن هنا تأتي أهمية تخفيض الدين. والتحدي الراهن هو إنجاز هذه المهمة على نحو يدعم النمو ويتسم بالتوازن والعدالة والإنصاف.
> ما هو تأثير زيادات أسعار النفط على الاقتصادات العربية؟
- تبلغ أسعار النفط حالياً حوالي 65 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى بلغته منذ عام 2016. مع ارتفاع توقعات السوق الحالية للأسعار في 2018 و2019 مقارنة بتوقعات الصندوق. وقد ساهم ذلك في رفع النمو المتوقع لعام 2018، كما سيساعد على تخفيف بعض التحديات الاقتصادية التي تواجه البلدان المصدرة للنفط.
على سبيل المثال، رفعنا توقعاتنا للنمو في المملكة العربية السعودية من 1.1 في المائة إلى 1.6 في المائة لهذا العام. ومع ذلك، تشير أسعار العقود الآجلة إلى أن السوق تتوقع عودة أسعار النفط إلى الانخفاض مسجلة 55 دولاراً على المدى المتوسط، ولذلك يظل من الضروري أن تواصل هذه البلدان جهودها لإصلاح اقتصاداتها وتنويع نشاطها الاقتصادي.
وبالمثل، تحسنت الآفاق المتوقعة للبلدان المستوردة للنفط رغم ارتفاع أسعار النفط. ويرجع ذلك جزئياً إلى الدفعة التي تلقتها من تحسن النمو العالمي وساهمت في رفع أسعار النفط، ومن ثمار الإصلاحات الهيكلية التي تم تنفيذها بالفعل. وعلى وجه الإجمال، ستتوافر لهذه البلدان الحماية من تقلب أسعار النفط عندما تستكمل إصلاحات الطاقة وتؤمِّن نظماً للتعويضات الموجهة للأقل دخلاً.
> كيف ترين تأثير العملات الرقمية مثل بيتكوين على الاقتصادات العربية؟
- لقد نظرنا في مسألة العملات الرقمية بشكل عام، دون تقييمات تتعلق بمناطق معينة. ونرى أن هناك منافع قد تحققها العملات المشفرة، والتكنولوجيات التي تقوم عليها، ومنها تشجيع الشمول المالي ورفع كفاءة عمليات الدفع والتسوية.
لكن هذه العملات يمكن أن تشكل مخاطر كبيرة باعتبارها أدوات محتملة لغسل الأموال، وتمويل الإرهاب، والتهرب الضريبي، والاحتيال.
ونحن نرى أن العملات المشفرة (بما في ذلك عمليات الطرح الأولى للعملات الافتراضية) ينبغي أن تخضع لإجراءات تنظيمية ورقابية ملائمة. ومن أهم التحديات التي ستواجه السلطات في أي بلد، كيفية احتواء المخاطر دون خنق الابتكار. ويمكنها اعتماد مناهج تنظيمية ورقابية محددة في التعامل مع العملات المشفرة بناءً على تقييمها للمخاطر. وسيكون من الضروري في هذا الصدد زيادة المناقشات وتوثيق التعاون على الصعيد الدولي.
> هل ستصبح حقوق السحب الخاصة SDR رقمية؟
- ما ننظر فيه حالياً هو كيفية الاستفادة من التكنولوجيا في جعل «حقوق السحب الخاصة» (SDR)، (تلك العملة الخاصة التي أنشأها الصندوق)، أكثر كفاءة وأقل تكلفة. ويستخدم الصندوق حقوق السحب الخاصة كأصل احتياطي دولي، وهي وحدة الحساب التي يستخدمها الصندوق وبعض المنظمات الدولية الأخرى. وتستخدم حقوق السحب الخاصة أيضاً في اتفاقات التمويل التي يعقدها الصندوق مع بلدانه الأعضاء.



غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.


عودة «القلق» الاقتصادي... صدمة حرب إيران تضرب بريطانيا

منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)
منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)
TT

عودة «القلق» الاقتصادي... صدمة حرب إيران تضرب بريطانيا

منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)
منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)

تقول الحكومة البريطانية وبنك إنجلترا إنه من المبكر تقييم الأثر الاقتصادي لحرب إيران، إلا أن أولى علامات الضغوط بدأت تظهر، ومن المرجح أن تدق ناقوس الخطر لصانعي السياسات الذين تقل لديهم خيارات الاستجابة مقارنة بالأزمات السابقة.

يوم الخميس، خفضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها لنمو المملكة المتحدة لعام 2026 أكثر من أي اقتصاد كبير آخر، وزادت في الوقت نفسه توقعاتها للتضخم بأكبر قدر، ما يعكس ضعفاً اقتصادياً يهدد التزام حكومة العمال نحو الناخبين بإصلاح المالية العامة وتمويل خدمات عامة أفضل من خلال نمو أسرع. كما يهدد هذا الوضع آمال بنك إنجلترا في السيطرة على التضخم المرتفع لأول مرة منذ سنوات، وفق «رويترز».

اعتماد بريطانيا على الغاز يزيد هشاشتها

بينما ستتأثر معظم الاقتصادات العالمية بالصراع، تُعد المملكة المتحدة أكثر هشاشة بين الاقتصادات الغربية الكبرى.

الغاز – الذي تضاعف سعره تقريباً هذا الشهر – يحدد عادةً سعر الكهرباء البريطانية، بخلاف فرنسا حيث يتم توليد معظم الكهرباء من المحطات النووية.

وأظهرت الاستطلاعات هذا الأسبوع أكبر زيادات شهرية منذ عقود في توقعات التضخم لدى الجمهور البريطاني وفي مؤشر تكاليف المصانع، إلى جانب انخفاض ثقة المستهلكين. وشهدت الأسر أولى الزيادات الواضحة في أسعار الوقود، بينما حذر المزارعون من ارتفاع أسعار المواد الغذائية بدءاً من الشهر المقبل، بما في ذلك الطماطم والخيار والفلفل المزروع في الصوب المدفأة.

امرأة تمر أمام متجر بقالة في لوفبورو بوسط إنجلترا (رويترز)

وقالت متاجر التجزئة إن الحرب ستزيد من تكاليفهم وأسعار البيع، كما ستؤثر على الطلب. وحذرت سلسلة الملابس «نكست» من أن استمرار النزاع قد يرفع أسعار البيع بنسبة 2 في المائة في يونيو (حزيران) وحتى 10 في المائة لاحقاً خلال العام، فيما وصفت مجموعة «Co-op» ثقة المستهلكين بأنها «هشة». وفي سوق الإسكان، ارتفعت معدلات الرهن العقاري العائمة وسحبت البنوك المنتجات ذات السعر الثابت تحسباً لارتفاع أسعار الفائدة لدى بنك إنجلترا.

وقال روس ووكر، كبير الاقتصاديين في المملكة المتحدة ورئيس قسم الاقتصاد العالمي في «نت وست ماركتس»: «المملكة المتحدة لديها قدرة محدودة لمواجهة أزمة طاقة طويلة الأمد. الحكومة لا يمكنها الاقتراض بكثافة لمساعدة الأسر دون إزعاج المستثمرين في السندات، بينما الضغوط التضخمية الأساسية مرتفعة جداً لبنك إنجلترا لتخفيض الفائدة بسرعة، رغم ارتفاع معدل البطالة. نحن ندخل هذه الأزمة في وضع دون المثالي، وخيارات السياسة محدودة جداً».

بنك إنجلترا مستعد للتحرك

قال بنك إنجلترا، الأسبوع الماضي، إنه مستعد للتحرك لمنع ارتفاع أسعار الطاقة من التحول إلى مشكلة تضخم طويلة الأمد، كما حدث بعد صعود أسعار الغاز عقب الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022.

ومع ذلك، يحذر صانعو السياسات من افتراض أنهم سيتبعون النهج نفسه حين رفعوا تكاليف الاقتراض مما يقارب الصفر إلى ذروة 5.25 في المائة خلال 18 شهراً.

ويشير مسؤولو البنك إلى أن مخاطر أن تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى تضخم أوسع قد تكون أقل هذه المرة لأن الاقتصاد البريطاني أضعف حالياً، علاوة على أن صعود أسعار الغاز لم يكن دراماتيكياً كما كان سابقاً.

وقالت ميغان غرين، عضو لجنة تحديد الفائدة في بنك إنجلترا: «هناك دائماً خطر مقاومة المعركة الماضية، لكننا بالتأكيد نفعل ما في وسعنا».

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

لكن ستيفن ميلارد، نائب مدير معهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية الوطني، قال إن ذكريات ارتفاع التضخم إلى أكثر من 11 في المائة في 2022 ستجعل من الصعب على البنك الجلوس مكتوف الأيدي. وأضاف: «من شبه المؤكد أنه سيتعين عليه الاستجابة».

ومع أن سعر الفائدة المرجعي للبنك بالفعل عند 3.75 في المائة والبطالة عند أعلى مستوى منذ جائحة كوفيد، فإن مجال زيادة أسعار الفائدة لمواجهة تفشي التضخم يبدو أقل مما كان عليه قبل أربع سنوات.

ويتوقع المستثمرون بالكامل ثلاث زيادات ربع نقطة في سعر الفائدة من بنك إنجلترا هذا العام، وهو انعكاس حاد عما كانوا يتوقعونه قبل شهر، بينما يرى معظم الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم أن البنك سيبقى على موقفه دون تغيير في 2026.

خيارات محدودة لوزيرة المالية

تمتلك وزيرة المالية راشيل ريفز بخيارات محدودة أكثر من أسلافها، الذين أنفقوا مجتمعين 120 مليار جنيه إسترليني (160 مليار دولار) لحماية الأسر من فقدان الوظائف بسبب كوفيد وارتفاع أسعار الطاقة بعد غزو أوكرانيا.

وقالت ريفز هذا الأسبوع إن أي دعم للمستهلكين سيكون «مستهدفاً لمن هم في أمس الحاجة إليه»، مع مراعاة مخاوف المستثمرين بشأن تكلفة أي إنقاذ ضخم آخر.

وقالت تحليلات «كابيتال إيكونوميكس» إن تخفيضات الضرائب الأساسية والمدفوعات لمرة واحدة التي قد تقدمها ريفز قد تصل إلى 24 مليار جنيه إسترليني، أي أقل من نصف الدعم الذي تم في 2022 و2023.

وأضاف ميلارد أن ريفز لديها هامش للمناورة لمساعدة بعض الأسر، لكنه يجب أن يتم بعناية للحفاظ على ثقة أسواق السندات: «المفتاح هو التأكد من أن الدعم موجه فعلياً لمن يحتاج إليه حقاً، وأيضاً التأكد من أنهم لا يهددون القاعدة المالية؛ لأن الأسواق ستتفاعل سلباً إذا حدث ذلك».