أبو مازن: أميركا لم تعد تصلح لدور الوسيط... وقرار ترمب خطيئة

الرئيس الفلسطيني أعرب عن تقديره لجهود مصر خلال مؤتمر «الأزهر العالمي لنصرة القدس»

جانب من الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «نصرة القدس» بالقاهرة أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «نصرة القدس» بالقاهرة أمس («الشرق الأوسط»)
TT

أبو مازن: أميركا لم تعد تصلح لدور الوسيط... وقرار ترمب خطيئة

جانب من الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «نصرة القدس» بالقاهرة أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «نصرة القدس» بالقاهرة أمس («الشرق الأوسط»)

دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس المسلمين والمسيحيين إلى «شد الرحال» لزيارة القدس دعما لأهلها ولهويتها العربية والإسلامية، مشدداً خلال حضوره مؤتمرا دوليا، نظمه الأزهر في القاهرة أمس، رداً على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، على أن زيارة القدس «ليست تطبيعاً مع إسرائيل... ولن نثق في أميركا لأنها لا تحترم أي قرارات تخص فلسطين، ولم تعد تصلح لدور الوسيط».
وانطلقت بالقاهرة أمس فعاليات مؤتمر «الأزهر العالمي لنصرة القدس»، تحت رعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين، وحضور عدد كبير من العلماء ورجال الدين والمفكرين والكتاب. وتستمر فعاليات المؤتمر على مدى يومين، بمشاركة وفود من 86 دولة بينها المملكة العربية السعودية.
وقال الرئيس الفلسطيني إن الجولة الأخيرة من المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين «أكدت صواب دعوتنا لأبناء أمتنا العربية والإسلامية من المسلمين والمسيحيين من أجل (شد الرحال) إلى المدينة المقدسة نصرة لأهلها المرابطين فيها، وهم يواجهون أعتى المؤامرات التي تستهدف وجودهم»، مضيفاً أن التواصل العربي والإسلامي مع فلسطين والفلسطينيين ومع مدينة القدس وأهلها، على وجه الخصوص، هو دعم لهويتها العربية والإسلامية، لافتاً إلى أن الدعوات لعدم زيارة القدس بدعوى أنها أرض محتلة «لا تصب إلا في خدمة الاحتلال ومؤامراته، الرامية إلى فرض العزلة على المدينة، فزيارة السجين ليست تطبيعاً مع السجان».
ووصف أبو مازن قرار ترمب الذي ادعى فيه أن القدس عاصمة إسرائيل بـ«الخطيئة»، وقال إن الولايات المتحدة الأميركية اختارت بهذا القرار أن تخالف القانون الدولي، وأن تتحدى إرادة الشعوب العربية والإسلامية، مشيرا إلى أن فلسطين حصلت على 705 قرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة، و86 قرارا من مجلس الأمن منذ سنة 1948. لكن هذه القرارات لا تُطبق على أرض الواقع.
كما شدد أبو مازن على أن الولايات المتحدة أخرجت نفسها من عملية السلام في فلسطين بهذا القرار الخطير، ولم تعد صالحة للقيام بدور الوسيط، الذي كانت تلعبه خلال العقود الماضية، لافتا إلى أن فلسطين «ستعود لتستخدم الوسائل القوية للدفاع عن حقوقها؛ لكن لن نذهب للإرهاب والعنف؛ بل سنظل نطالب سلميا حتى نحصل على حقوقنا، فأميركا لا تحترم قراراتها بشأن القدس، فكيف نثق بهذه الإدارة والدولة العظمى؟، لذلك لن نثق في أميركا».
وخلال لقائه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجدداً موقف القاهرة الثابت من القضية، وسعيها للتوصل إلى حل عادل وشامل، يضمن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والمطالب بضرورة الحفاظ على الوضعية التاريخية والقانونية لمدينة القدس في إطار المرجعيات الدولية والقرارات الأممية ذات الصلة.
وجاء لقاء السيسي - أبو مازن، عقب زيارة الأخير مصر للمشاركة في مؤتمر دعم القدس الذي نظمه الأزهر، أمس، كما التقى الرئيس المصري مرزوق الغانم رئيس مجلس الأمة الكويتي، بحضور الدكتور علي عبد العال رئيس مجلس النواب.
وقال السفير بسام راضي المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، أمس، إن الرئيسين عقدا جلسة مباحثات تم خلالها استعراض آخر المستجدات على صعيد القضية الفلسطينية، في إطار التنسيق والتعاون المستمر بين القيادتين، لبحث التحركات العربية والدولية الساعية للتصدي لقرار الولايات المتحدة باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارتها إليها، مشيرا إلى أن السيسي أكد موقف مصر الثابت من القضية.
ونقل راضي أن الرئيس الفلسطيني أعرب عن تقديره للجهود التي تقوم بها مصر لدعم الشعب الفلسطيني، مؤكداً أنها «لم تدخر وسعاً من أجل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية».
من جهته، قال شيخ الأزهر، إن المؤتمر «يدق من جديد ناقوس الخطر، ويشعل ما عساه قد خبا وخمد من شعلة العزم والتصميم على ضرورة الصمود أمام العبث الصهيوني الهمجي، الذي تدعمه سياسات دولية»، مشددا على أن كل احتلال إلى زوال، إن عاجلا أو آجلا.
وطالب شيخ الأزهر بإعادة الوعي بالقضية الفلسطينية عامة، وبالقدس خاصة: «فالحقيقة المرة هي أن المقررات الدراسية في مناهجنا التعليمية والتربوية في كل مراحل التعليم عاجزة عن تكوين أي قدر من الوعي بهذه القضية في أذهان الملايين من شباب العرب والمسلمين، عكس شباب المستوطنات الذي تتعهده منذ طفولته مناهج تربوية ومقررات مدرسية وأناشيد وصلوات تُشكل وجدانه العدائي وتغذيه بالعنصرية».
في غضون ذلك، قال الرئيس الشيشاني رمضان أحمد قديروف، خلال كلمته التي ألقاها مبعوث رئاسي نيابة عنه، إن أميركا تقدم الدعم المسلح لإسرائيل، موضحا أن «الحل في الشرق الأوسط وليس في أميركا، في الوقت الذي لا تقدم الأمم المتحدة حلولا، وقراراتها لا تنفذ»، مطالبًا بالقضاء على الخلافات الداخلية.
بدوره، أكد مشعل بن غانم السلمي، رئيس البرلمان العربي، أن ارتباط العرب والمسلمين والمسيحيين بالقدس عميق لوجود المقدسات، وأنه من الواجب العربي والإسلامي حماية القدس مما يحدث لها، ولذلك عقد المؤتمر العربي جلسة عاجلة لمناقشة الاعتداءات السافرة بالفلسطينيين والعبث بالقانون الدولي. مشيرا إلى أن البرلمان العربي اتخذ من القدس عاصمة أبدية لفلسطين شعارا لجلسته الطارئة، مؤكدا استمرار جهود البرلمان العربي في دعم فلسطين، وأن البرلمان العربي يجهز للقاء مع البرلمان الأوروبي لوقف مخططات تهويد القدس، ووقف قمة إسرائيل بالدول الأفريقية التي أجلت إلى أجل غير مسمى، محذرا من خطورة شغل إسرائيل مقعدا في مجلس الأمن الدولي وهو دولة محتلة. من جانبه، قال الشيخ لقمان حكيم سيف الدين، وزير الشؤون الدينية الإندونيسي، إن حكومة بلاده رفضت بشدة قرار الرئيس الأميركي بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، مشيراً إلى ضرورة توحد العرب، والوقوف صفاً واحداً، وبقاء قضية الأقصى والقدس خالدة في ذاكرة الأجيال.
وخلال جلسة المؤتمر الثانية، قال الحاخام اليهودي مير هيرش، زعيم حركة ناطوري كارتا اليهودية، إن الشعب اليهودي الأصيل «يرفض بصورة مطلقة كل حقيقة للوجود الصهيوني على هذه الأراضي الفلسطينية... ونحن نصلي يوميا لأن يزيح الله الحكم الصهيوني من على الأرض المقدسة، ونؤمن أن الحل النهائي والعادل لوقف نزيف الدماء وإحلال السكينة والسلام من أجل المسلمين واليهود، سيكون فقط من خلال إعادة الحكم عن طريق (فلسطين الواحدة) على أرض فلسطين لكل سكانها التي عاصمتها القدس».
من جهته، انتقد أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، قرار الولايات المتحدة تعليق نحو نصف المساعدات المبدئية التي خططت تقديمها لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا». وقال في كلمة أمام مؤتمر الأزهر، إن هذا القرار «لا يأتي بمعزل عن قرار الولايات المتحدة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهذا القرار يستهدف التعليم الفلسطيني، والصحة الفلسطينية، وإلغاء قضية اللاجئين».
وشدد أبو الغيط، على ضرورة مساندة الشعب الفلسطيني الذي يعاني كثيرا، موضحا أن مساعدتهم واجب على كل مسلم، وأن الأمن لن يتحقق في المنطقة إلا بحدود 1967.
في السياق نفسه، قال مرزوق الغانم، رئيس مجلس الأمة الكويتي، إن القدس «مدينة كل الناس والأجناس، ومدينة المساجد والكنائس والمعابد، ومهبط للأديان والرسالات... وعدونا يريد شيئاً واحداً هو أن يهزم صاحب القضية وهو الشعب الفلسطيني، وبعدها ييأس العرب ويتركوا القضية، وهو أمر جد خطير».
أما فؤاد السنيورة، رئيس وزراء لبنان الأسبق، فقد أكد بدوره أن هوية القدس ذات قدسية وخصوصية لأبناء الديانات الإبراهيمية، موضحا أن الصهاينة يزيلون الأماكن المقدسة بالقدس سواء للمسلمين أو المسيحيين لإلغاء ربط فلسطين بالقومية والهوية، وقال خلال ترؤسه جلسة «القدس وحضارتها... التاريخ والحاضر» على هامش مؤتمر «نصر القدس» بالقاهرة أمس: «يجب علينا استخدام قوتنا للحفاظ على فلسطين وإعلان الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس»، مطالباً بتوحيد جهود الفلسطينيين ما بين القومي والديني في مواجهة مخططات إزالة الهوية.
وأضاف السنيورة موضحا: «لدينا هدف واضح وهو إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، فلا يصح أن تحتكر دولة بعينها القدس... القدس جميع الأديان، والعمل الآن ينبغي أن يعتمد على الجهد العربي».
في سياق ذلك، حذر الشيخ محمد أحمد حسين، المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية، من أن القرارات الجائرة بشأن القدس تحاول محو الهوية العربية والإسلامية للمدينة، مشدداً على ضرورة إعادة البوصلة العربية والإسلامية نحو القدس، وأن تتوحد الأمة تجاهها.
بدوره، قال البابا فرنسيس الثاني بابا الفاتيكان، في رسالة بعث بها إلى مؤتمر الأزهر، قرأها نيابةً عنه الكاهن المصري يوأنس لحظي السكرتير الخاص لبابا الفاتيكان، إنه لن يكف عن الدعاء من أجل قضية السلام «ومن أجل سلام حقيقي فعلي، وأرفع الصلوات خاصة كي يعمل رؤساء الدول في كل بقاع الأرض من أجل تجنب دوامات جديدة من التوتر، ومن أجل دعم كل جهد كي يسود الوئام والعدل والأمان شعوب هذه الأرض».
وأضاف البابا أنه لن يكف أيضاً عن التوسُّط بين الفلسطينيين والإسرائيليين لحل الدولتين، مع الاحترام الكامل لمدينة القدس، التي تحتاج إلى وضع خاص للحفاظ على هويتها، وتجاوز النقاش بحدود الأراضي.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.