العالم يندد بقرار ترمب... وتوقعات بانفجار الوضع في «جمعة الغضب»

جنديان إسرائيليان يحاولان منع امرأة من رفع العلم الفلسطيني خلال مظاهرة نظمت أمس في القدس القديمة (إ.ب.أ)
جنديان إسرائيليان يحاولان منع امرأة من رفع العلم الفلسطيني خلال مظاهرة نظمت أمس في القدس القديمة (إ.ب.أ)
TT

العالم يندد بقرار ترمب... وتوقعات بانفجار الوضع في «جمعة الغضب»

جنديان إسرائيليان يحاولان منع امرأة من رفع العلم الفلسطيني خلال مظاهرة نظمت أمس في القدس القديمة (إ.ب.أ)
جنديان إسرائيليان يحاولان منع امرأة من رفع العلم الفلسطيني خلال مظاهرة نظمت أمس في القدس القديمة (إ.ب.أ)

تواصلت أمس ردود الفعل الغاضبة من القرار الأميركي القاضي بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، حيث شهدت عواصم عربية وعالمية وإسلامية أمس مظاهرات واحتجاجات واسعة، تعبيرا عن رفضها القرار الأميركي. فيما يتوقع أن تعرف عدة عواصم عربية وأوروبية غدا جمعة غضب، وهو ما قد يفجر الأوضاع في المدن الفلسطينية. وفي غضون ذلك، قال الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إنه تم رصد عدة قذائف صاروخية أطلقت من قطاع غزة باتجاه مستوطنات غلاف غزة. ولم يعرف إذا سقطت الصواريخ داخل الأراضي الإسرائيلية أو في مناطق مفتوحة قريبة. لكن لواء التوحيد، التابع لألوية الناصر صلاح الدين المقرب من حماس، أعلن مسؤوليته عن إطلاق الصواريخ ردا على القرار الأميركي.
فبعد الاحتجاجات التي عرفتها المدن الفلسطينية أمس، خرج سكان الأردن في عدة مظاهرات، ونظمت الأحزاب السياسية والحركة الإسلامية والنقابات المهنية والفعاليات الشعبية اعتصامات احتجاجية. كما اعتصم مئات الأردنيين في محيط السفارة الأميركية في عمّان، وطالب المحتجون بإغلاقها، كما طالبوا الحكومة الأردنية باتخاذ موقف رسمي حقيقي تجاه القرار الأميركي. وعلى أثر ذلك أعلنت السفارة الأميركية في عمان تعليق خدماتها العامة الروتينية مؤقتا، كإجراء احترازي عقب قرار الرئيس ترمب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونصحت السفارة الموظفين الحكوميين الأميركيين وعائلاتهم بالحد من تحركاتهم العامة، وعدم إلحاق أبنائهم بالمدارس.
من جهتها، أعربت الإمارات عن أسفها واستنكارها الشديدين لقرار الإدارة الأميركية، وقالت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في بيان لها، إن مثل هذه القرارات الأحادية تعد مخالفة لقرارات الشرعية الدولية، ولن تغير من الوضعية القانونية لمدينة القدس باعتبارها واقعة تحت الاحتلال، ويعتبر انحيازا كاملا ضد حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والثابتة في القدس، التي كفلتها القرارات الدولية ذات الصلة وحظيت باعتراف وتأييد المجتمع الدولي.

استنكار مغاربي وسوداني
في تونس صادق البرلمان في جلسة عامة استثنائية عقدت أمس على لائحة تتعلق برفض إعلان الرئيس الأميركي القدس عاصمة لدولة إسرائيل باعتباره «اعتداء على كل القيم الإنسانية وانتهاكا صارخا لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وتهديدا مباشرا للسلم والأمن الدوليين واستفزازا لمشاعر العرب والمسلمين». كما تضمنت اللائحة دعوات للكونغرس الأميركي وبرلمانات العالم للتنديد بقرار الرئيس ترمب، ودعا البرلمان التونسي كذلك إلى وقفة برلمانية بساحة باردو للتنديد بهذا القرار، والمشاركة في المسيرة الوطنية التي ستقام اليوم الجمعة للتعبير عن المساندة المطلقة للشعب الفلسطيني. كما نددت مختلف الأحزاب السياسية بالقرار الأميركي ودعت إلى تنظيم مسيرات احتجاجية حاشدة اليوم.
بدوره، قال البرلمان الليبي إن القرار الأميركي بشأن القدس يقوض مساعي السلام في المنطقة، وذكر في بيان صحافي أمس أن «اعتبار القدس العربية عاصمة للكيان الصهيوني هو ضرب لجميع المواثيق والمساعي الدولية لحل القضية الفلسطينية»، معربا عن رفضه كل ما يؤجج مشاعر المسلمين.
من جهتها، نددت الجمهورية الجزائرية «بشدة» بقرار الرئيس الأميركي، وفق ما جاء في بيان للخارجية الجزائرية نقلته وكالة الأنباء الحكومية. وجاء في البيان أن الجزائر «تندد بشدة بهذا القرار الخطير باعتباره انتهاكا صارخا للوائح مجلس الأمن ذات الصلة والشرعية الدولية، وباعتباره يقوض إمكانية بعث مسار السلام المتوقف منذ مدة طويلة».
من جانبه، رفض البرلمان السوداني قرار ترمب، في وقت أعلن فيه الرئيس عمر البشير مشاركة السودان في القمة الإسلامية الطارئة، التي دعا إليها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بمدينة إسطنبول الأربعاء المقبل، وحذرت الخارجية السودانية من أن يزيد القرار من حالات التطرف والإرهاب في العالم، وسط تزايد حدة الغضب الشعبي والرسمي ضد الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل. كما عقد البرلمان السوداني أمس جلسة طارئة، أعلن خلالها بالإجماع رفضه إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، ولنقل السفارة الأميركية إلى المدينة المحتلة.

رفض لبناني وغضب مصري
أجمع المسؤولون اللبنانيون على رفض قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، حيث دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى عقد جلسة بعد ظهر اليوم لبحث تداعيات القضية. كما اتصل رئيسا الجمهورية ميشال عون ومجلس النواب نبيه بري بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، مستنكرين القرار، وأكد عون «وقوف لبنان رئيسا وشعبا إلى جانب الشعب الفلسطيني والتضامن الكامل برفض هذه الخطوة وضرورة مواجهتها بموقف عربي واحد».
كما اعتبر رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري أن «القرار الأميركي خطوة يرفضها العالم العربي وتنذر بمخاطر تهب على المنطقة».
ومن جهته، قال حسن نصر الله، الأمين العام لجماعة «حزب الله» اللبنانية، أمس، إنه يؤيد الدعوة إلى انتفاضة فلسطينية جديدة ردا على قرار الولايات المتحدة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وحث على دعم «المقاومة» ضد هذه الخطوة، معتبرا أن «تصعيد المقاومة هو أكبر وأهم وأخطر رد على القرار الأميركي»، مضيفا: «نحن أمام عدوان أميركي سافر على القدس».
وفي مصر أصدر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب قرارا بأن تكون خطبة الجمعة (اليوم) في جميع مساجد مصر عن القدس وهويته العربية، ووجه الدعوة لجموع العالم الإسلامي لتوحيد الخطبة بجميع مساجد المسلمين اليوم، وذلك لرفض أي محاولة لتغيير هوية القدس العربية، والتأكيد على حقوق العرب والفلسطينيين التي أقرتها جميع المواثيق والأعراف الدولية. وفي غضون ذلك، دعت نقابة الصحافيين في مصر إلى مقاطعة السلع والبضائع الأميركية في العالم العربي والإسلامي.
وبدوره، حذر أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، من تصاعد التوتر والعنف في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالأخص في مدينة القدس، مؤكداً أن قرار الإدارة الأميركية، هو المسؤول عن إشعال التوترات وتأجيج مشاعر الغضب في فلسطين، وعموم العالمين العربي والإسلامي.

إردوغان: ترمب أدخل العالم في حلقة من النار
أبدت تركيا رد فعل غاضبا تجاه إعلان الرئيس الأميركي، وهاجم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قرار ترمب واصفا إياه بأنه «يلقي بالمنطقة والعالم داخل حلقة من نار».
ولفت إردوغان في كلمة ألقاها في مطار إسنبوغا بالعاصمة أنقرة، إلى أن أميركا وإسرائيل تجاهلتا قرار الأمم المتحدة الصادر عام 1980، الذي ينص على رفض قرار إسرائيل تغيير طابع القدس، واعتبار جميع القرارات التي اتخذتها إسرائيل في هذا الخصوص باطلة، مشيرا إلى أنه يواصل اتصالاته مع قادة الدول الإسلامية، وأنه سيناقش الموضوع مع بابا الفاتيكان لما تتمتع به القدس من قداسة لدى المسيحيين، بالإضافة إلى أنه سيبحث الموضوع مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين وكذلك مع قادة الدول الأوروبية.

إجماع عراقي
توالت ردود الفعل العراقية الرافضة قرار الرئيس الأميركي. ففي وقت أدان المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني أمس القرار واعتبره مسيئا لمشاعر العرب والمسلمين، نظم ديوان الوقف السني، أمس، وقفة احتجاج وغضب واستنكار لقرار الرئيس ترمب في جامع أم القرى ببغداد بحضور حشد كبير من علماء وأئمة وخطباء العراق.
كما رفضت الحكومة العراقية قرار الرئيس الأميركي، وعبرت عن قلقها من «خطوة غير حكيمة» أقدمت عليها الولايات المتحدة الأميركية، وأشارت الوزارة في بيان إلى «رفض العراق حكومة وشعبا للقرار... باعتبار القدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي، لما فيه من تعدٍ على هوية المدينة وقيمتها الدينية والعقائدية لدى أبناء الديانات كافة والمسلمين خاصة». كما جاءت أقوى الردود على قرار ترمب على لسان زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، الذي دعا إلى «غلق السفارة الأميركية وعلى أقل تقدير استدعاء السفير الأميركي لتقديم مذكرة احتجاج على ذلك وهذا أقل الإيمان».
ودعا الصدر منظمة الدول الإسلامية وجامعة الدول العربية إلى مواقف جهادية تحد من الانتشار الإسرائيلي والأميركي في المنطقة، وتفعيل دورها وعدم الاكتفاء بالشجب والاستنكار اللذين اعتادت عليهما سابقاً. وفي سابقة لم تحصل من قبل استدعت وزارة الخارجية العراقية أمس السفير الأميركي في بغداد دوغلاس سيليمان، وسلمته مذكرة احتجاج على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

توافق أوروبي على رفض القرار
أصدر الاتحاد الأوروبي تصريحات إضافية على لسان منسقة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني أمس، قالت فيها إن إعلان الرئيس ترمب ستكون له عواقب مقلقة، وشددت على أن الحل الواقعي الوحيد للصراع الفلسطيني الإسرائيلي يقوم على حل الدولتين، معربة عن خشيتها من تدهور الأوضاع حول الأماكن المقدسة. كما شددت على تصميم الاتحاد على العمل مع الأطراف الدولية كافة مثل اللجنة الرباعية، لإعطاء فرصة لـ«حل الدولتين» ليرى النور، منوهة إلى أن هذه اللجنة سيتم توسيعها لتشمل الأردن ومصر والمملكة العربية السعودية والنرويج.
وهيمنت تداعيات القرار الأميركي الأخير على الجو العام لجلسات الدورة الـ24 لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، التي بدأت صباح أمس بقصر الهوفبورغ بالعاصمة النمساوية فيينا، بمشاركة 40 وزير خارجية من الدول أعضاء المنظمة التي تضم دولا أوروبية شرقية وغربية، بالإضافة لدول آسيوية والولايات المتحدة.
وفيما قال رئيس الحكومة الليتوانية ساوليوس سكفيرنيليس إنه يرى في قرار الولايات المتحدة الاعتراف بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل خطرا على عملية السلام في الشرق الأوسط، وأن هذا القرار يمكن أن يؤدي إلى توترات جديدة في المنطقة، قالت ميركل ردا على سؤال بشأن اعتراف ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل: «نحن نلتزم بقرار الأمم المتحدة». فيما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يقوم بزيارة إلى قطر، أمس، أنه «لا يوافق» على اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل، مؤكدا أن هذا الإعلان «يتعارض مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي»، موضحا أن «فرنسا ستكرر موقفها أمام مجلس الأمن» الذي يعقد اجتماعا طارئا اليوم الجمعة، مذكرا بأن باريس تدافع عن «حل الدولتين مع حدود معترف بها دوليا والقدس عاصمة لكل منهما»، وهو حل لا بد من التوصل إليه عبر «التفاوض بين إسرائيليين وفلسطينيين».
وفي بروكسل، أوضح القادة الأوروبيون أنهم يريدون أن يتم اتخاذ القرار بشأن الوضع النهائي للقدس خلال مفاوضات مباشرة في إطار اتفاق سلام نهائي. وفي هذا السياق عبر الوزير النمساوي في حضور تيلرسون عن الموقف نفسه. وقال كورتس الذي سيصبح قريبا المستشار النمساوي الجديد في حكومة ائتلاف جديدة: «أعتقد أن علينا القيام بكل ما هو ممكن لتجنب مزيد من التصعيد في المنطقة».
من جهتها، أعربت روسيا عن قلقها إزاء خطط الرئيس الأميركي، إذ قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قلق لأن الاعتراف قد تكون له عواقب وخيمة على المنطقة.
أما وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون فقد قال أمس إن اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل «ليس مفيدا»، مشددا على أن العالم يود أن يسمع إعلانا جديا من الرئيس دونالد ترمب بشأن كيفية حل قضايا الشرق الأوسط.

طهران تحذر
وفي أول رد فعل لمسؤول عسكري إيراني وصف رئيس الأركان محمد باقري قرار ترمب بـ«غير الحكيم وبعيد عن العقلانية»، وقال إن تبعاته ستصيب أميركا وإسرائيل، كما اعتبره مؤشرا على خروج انتفاضة جديدة ضد إسرائيل وفقا لوكالة «فارس» الإيرانية.
كما اعتبر المتحدث باسم الأركان المسلحة الإيرانية الخطوة الأميركية انتقال مقر السفارة إلى القدس نتيجة «تحليل خاطئ لحكام أميركا لأوضاع المنطقة»، واتهم جزايري أميركا وإسرائيل باستغلال الأوضاع في المنطقة «لتحقيق أهدافهما البعيدة المدى في فلسطين».
بدوره، حمل أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني «مسؤولية زعزعة الاستقرار والأمن والتبعات الأمنية والسياسية لأي قرار يتعلق بالقدس للإدارة الأميركية وإسرائيل». وقال شمخاني إن «الحكومة الأميركية تهدف بافتعال أزمة حول القدس إلى تحريف الرأي العام لهزيمتها المذلة في المنطقة وخاصة في العراق وسوريا».
من جانبه، قال علي أكبر ولايتي إن «الرد على تحدي الاستقرار الإقليمي والدولي من الجانب الأميركي سيكون طريق المقاومة». فيما قال رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية علاء الدين بروجردي، إن «موقف بلاده من إعلان القدس عاصمة لإسرائيل الإدانة»، و اتهم بروجردي الإدارة الأميركية بـ«إثارة الفوضى تحت ذريعة إقامة السلام»، و«تغيير المسار الدبلوماسي إلى الحرب وإراقة الدماء».



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.