«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا 1 من 5: «داعش» ترك بنغازي محطمة وجريحة... وآثاره تكشف علاقاته الخفية

التنظيم حوَّل منزل مسؤول ليبي سابق إلى مقر لإدارة العمليات ضد الجيش

واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
TT

«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا 1 من 5: «داعش» ترك بنغازي محطمة وجريحة... وآثاره تكشف علاقاته الخفية

واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.

تركت تنظيمات متطرفة مدناً مُحطمة وجريحة. وتشهد طوابق العمارات المنهارة والمحترقة، في ضواحي العاصمة طرابلس، وفي بنغازي وسرت، على شدة المعارك التي خاضها الليبيون ضد هذه التنظيمات التي يُطلق عليها الأهالي مسميات مختلفة منها «الدواعش» و«الأنصار» و«الإخوان».
ومن بين خطوط الألغام والمفخخات وأصوات الرصاص، تقدّم «الشرق الأوسط» خمس حلقات عن قصص المعارك الحربية الشرسة لإسقاط أوكار عدة كان المتطرفون يستخدمونها مقاراً للانطلاق وغرف عمليات، بالإضافة إلى سراديب لسجن الأسرى، وأخرى لتكديس «الغنائم» من أسلحة وأموال وجواهر، بينما كان زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي يرسل لأتباعه المنهزمين في ليبيا رسائل بالتوجه إلى الجنوب والاستعداد لاستقبال «الدواعش» الفارين من العراق وسوريا.
بينما ما زالت طرابلس تعاني وتنتظر مستقبلاً مجهولاً، لم يتبقَ في بنغازي إلا مربع سكني واحد يتحصن فيه بقايا المسلحين المنهزمين. ويقع على مساحة نصف كيلومتر في نصف كيلومتر، قرب منطقتي الصابري وسوق الحوت. اسم المكان «سيدي خريبيش»، ولا يمكن الاقتراب منه لأن المنطقة شديدة الخطورة، فقد جرى تفخيخ الشوارع والمباني المحيطة بها على أيدي المتحصنين في الداخل. كما جرى حفر أنفاق تحت الأرض يستخدمها المسلحون للتنقل بين مواقعهم والاختباء. وبين وقت وآخر تسمع صوت القذائف الصاروخية وزخات من طلقات الرصاص. ويحدث الأمر بشكل مفاجئ. وحين تحني رأسك وتستعد للفرار، يقول لك مرافقك العسكري: طالما سمعت صوت الرصاص فأنت ما زلت على قيد الحياة!
وحتى الجري للنجاة بنفسك محفوف بالمخاطر... ففي كثير من الطرقات ما زال رجال الهندسة العسكرية يصِلون الليل بالنهار من أجل نزع الألغام والمفخخات.
وأسس تنظيم داعش أول غرفة عمليات له في جنوب بنغازي، في منزل يخص مسؤولاً ليبياً سابقاً يدعى علي حسين الجبالي، بعد طرده منه وقتل ابنه. وأقام قادة التنظيم فيه لمدة عامين. والمكان عبارة عن منزل كبير وفناء مزروع بالورد ومحاط بسور، وله أبواب حديد. وكان صاحبه، الجبالي، يعمل مديراً للمِلْكيات والإحصاء في هذه البلاد التي تعمها الفوضى منذ عام 2011. ويقع المنزل على حدود مزرعة العقيد الراحل معمر القذافي في ضاحية الليثي.
وحين تزور البيت اليوم ستجد جدراناً مهدمة ومحترقة والألوف من فوارغ طلقات الرصاص المبذورة في التراب وبين أوراق العشب الناشف، وتوجد بقايا صواريخ من طراز «سام» وأخرى من نوع «غراد»، ومزقاً من أوراق تحتوي على أسماء رجال أمن مستهدفين.
ويقول الجبالي عن هذه الجماعة التي عصفت ببيته وألقت رداء الحزن على أسرته إلى الأبد، إنهم «الأنصار» نسبة إلى «تنظيم أنصار الشريعة» الذي أعلن فريق منه موالاته لتنظيم داعش في عام 2014، بينما ظل فريق آخر على الولاء لتنظيم القاعدة.
ولمعرفة تداخل الأسماء بين الجماعات المتطرفة في ليبيا، لا بد من الإشارة إلى أن «تنظيم أنصار الشريعة» ولد قبل نحو أربعة أعوام من رحم تنظيم له كتيبة كبيرة كانت مجاورة لمزرعة القذافي ببنغازي، اسمها «كتيبة راف الله السحاتي». كما أن «كتيبة راف الله السحاتي» نفسها كانت قد خرجت من بطن تنظيم «كتيبة 17 فبراير» التي أسستها جماعة «الإخوان» لتستوعب فيها التيارات المتطرفة المختلفة، أثناء انتفاضة 2011، في أحد معسكرات الجيش الليبي الذي كان يعرف بـ«معسكر السابع من أبريل».
وعادت كل هذه التنظيمات للتعاون معاً تحت اسم «مجلس شورى ثوار بنغازي» بعد أن بدأ المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني، حملته لطرد المتطرفين من المدينة قبل نحو ثلاث سنوات.
وبينما كان يعيش حياة التقاعد من العمل في بيته، ويعتني بأزهار حديقته، لاحظ الجبالي تزايد أعداد العناصر التي كانت تقوم باحتلال مواقع حكومية ومصانع ومتاجر ومعسكرات الجيش القريبة من منزله. كان ذلك في صيف 2014. كما تزايد صوت إطلاق النار في ساحات التدريب المجاورة وسط أهازيج عن «قدوم دولة الخلافة» المزعومة لـ«داعش».
يقول الرجل، والدهشة ما زالت على وجهه، إنه لم يكن يتخيل أن هذه الجماعات ستسيطر على المدينة، من البحر شمالاً، حتى مطار بنينا جنوباً، بطول يزيد على 30 كيلومتراً، وبعرض مماثل يصل حتى منطقة قار يونس غرباً.
وانطلاقاً من بيت الجبالي، أسَّس المتطرفون أسفل مصنع الإسمنت الضخم، في منطقة استراتيجية ببنغازي، مقرات لاحتجاز الخصوم ومحاكمتهم وقتلهم، كما أسسوا، في أنفاق تحت المصنع نفسه، بيتاً أطلقوا عليه «بيت مال المسلمين» كان مكدساً بالأموال والجواهر وبكل ما كان «يغنمه» المتشددون من أهالي المدينة التجارية العريقة.
وأخيراً ترك التنظيم بنغازي.. لكنه تركها محطمة وجريحة.. تستطيع أن ترى ذلك بداية من الحطام والسُّخام الذي يلطخ المجمع التجاري، والذي كان يغص بفروع الشركات من كل الدنيا، والمعروف باسم «مجمع الدعوة الإسلامية»، وحتى مبنى «جامعة قار يونس» حيث حوَّل التنظيم كلية العلوم إلى مختبر للمتفجرات وصناعة المفخخات، ودمر القبة السماوية نادرة التصميم، والتي تتوسط فناء الجامعة.
وحتى اليوم يتطلب دخول أي صحافي إلى مبنى الجامعة تصاريح وموافقات خاصة، ومرافقة مسؤول أيضاً، بسبب الخوف من المفخخات والقنابل. فالطرقات بين مجمعات الكليات ما زالت مقطعة الأوصال بالكتل الخرسانية وصناديق الشاحنات والركام والشجر المحترق. ومن بين كل هذه الفوضى يمكن أن تكون هناك دانات مزروعة في انتظار من يقترب منها لتنفجر في وجهه.
علاقات خفية مع زعماء ميليشيات
وبينما تم دحره وإجبار عناصره على الفرار إلى غرب البلاد وإلى جنوبها، ترك التنظيم وراءه آثاراً في غرف عملياته في ضواحي الليثي، والصابري، وقنفودة، والميناء، وغيرها، لتكشف علاقات خفية مع زعماء ميليشيات في كل من طرابلس ومصراتة غرباً، ودرنة شرقاً، ومنها طُرق الحصول على المَدد والعون من داخل ليبيا ومن دول أخرى وراء البحر.
وجمعت هيئة القضاء العسكري، في مقرها في بنغازي، ملفات تضم الكثير من الأسماء الليبية وغير الليبية التي تسببت في كل هذا الخراب، للمطالبة بمحاكمتها، داخل ليبيا بالنسبة لليبيين، وعن طريق محكمة الجنايات الدولية بالنسبة لغير الليبيين. وتتولى جهات مسؤولة تابعة للقوات المسلحة التي يقودها المشير حفتر فحص المئات من الهواتف النقالة والحواسب المحمولة التي أمكن الحصول عليها من العناصر المتطرفة بعد أن تعرضت للقتل أو الأسر أو فرت خلال الحرب مع الجيش الوطني.
ويقوم الجبالي حالياً بترميم منزله بعد أن أضرم المتطرفون المنهزمون النار في محتوياته، أثناء تقهقرهم بفعل ضربات أفراد القوات المسلحة والمتطوعين المساندين لها. وكوّم الرجل عدة قذائف صاروخية معطوبة في جانب الفناء. ووضع في الجانب الآخر ما تبقى من مراتب وأغطية محترقة وأَسرَّة وخزائن خشبية محطمة، بينما ملأت رائحة الطلاء البيت من الداخل، حيث تقدمت ابنته الصغيرة للترحيب بالضيوف فيما رسمت والدتها ابتسامة حزينة على محياها.
ويقول، والدموع تكاد تفر من عينيه، إنه وأسرته أمضوا وقتاً عصيباً، بعد أن قتل الدواعش ابنه، واحتلوا مسكنه هذا، وكتبوا على واجهته «قادمون يا أقصى»، ودمروا كل شيء، بما في ذلك مكتبته التي تغص بشتى أنواع الكتب.
ويضيف أنه، قبل ثلاث سنوات، كان قد بدأ يرى طلائع العناصر المتطرفة وهي تعاين المنطقة. ثم أخذت مجاميع غريبة، تتحدث بلهجات ليبية ومصرية وتونسية وسورية وغيرها، «تتكاثر مثل الجراد» بالأسلحة والمعدات الحربية. كان بينهم أفارقة أيضاً. شن هؤلاء هجوماً على عدة معسكرات في الجوار، من بينها معسكر الصاعقة التابع للجيش الوطني، حيث كان ابن الجبالي؛ إحسونة، جندياً فيه.. «قتلوا إحسونة؛ استوقفوه حين كان عائداً للبيت في سيارته، وأطلقوا عليه الرصاص».
كيف حدث هذا؟ وأين كان الجيش وقوات الأمن لحماية المدينة؟ كانت الأمور معقدة. واللعبة تشارك فيها جهات محلية تريد أن تشكل قواتها الخاصة بعد أن تعرض الجيش، في 2011، لضربات موجعة من طائرات وصواريخ حلف شمال الأطلسي (ناتو). ويقول العميد أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش، إن الحلف بعد أن انتهى من ضرب مخازن ودشم القوات المسلحة الليبية، جاءت جماعة «الإخوان» في 2012، وأخرجت آلاف العسكريين من الخدمة، وجلبت العسكريين المفصولين من الجيش من أيام القذافي، ومعظمهم كانوا مفصولين إما بسبب أنهم كانوا يحملون فكراً تكفيرياً، أو بسبب قضايا تمس الشرف وطبيعة الخدمة العسكرية، بحسب ما قال.
وتشكل مع أواخر ذلك العام جيشٌ جرار يتكون من خليط عجيب من ميليشيات ذات توجهات جهوية تخص مدناً بعينها أو توجهات مذهبية لها علاقة بجماعة «الإخوان» و«الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة» (المرتبطة بتنظيم القاعدة). واختلطت العناصر المدنية بالعسكرية.
وتشير التحقيقات العسكرية الحالية، التي تعتمد على ما تركه المتطرفون من أدلة وإثباتات، إلى حصول أمراء وعناصر من هذه الميليشيات على عتاد ودعم من جهات محلية وإقليمية ثبت فيما بعد أن لها علاقة بالإرهاب.
ويقول حسن إرحومة الذي كان يعمل في مصنع الإسمنت في بنغازي: «في ذلك الوقت أصبحت الكلمة العليا في المدينة لتنظيم أنصار الشريعة. أذكر أنه بعد أن استولوا على منزل الجبالي، تقدم نحو خمسين شاباً منهم، تتراوح أعمارهم بين تسعة عشر عاماً وثلاثين عاماً، وهم يهتفون الله أكبر، الله أكبر.. وقاموا بتفجير مبنى مديرية الأمن القريب من المصنع. وهزت قوة التدمير شوارع بنغازي، وهوت بطوابق المبنى إلى الأرض. وأثارت هذه الواقعة الفزع، وبدأت العائلات ترحل بعيداً».
حمل إرحومة أسرته في سيارة وغادر المدينة متسللاً ليقيم لدى أبناء عمومته في طبرق شرقاً. ومع أواخر عام 2014 كان فرع تنظيم «أنصار الشريعة» في درنة قد أعلن مبايعته لتنظيم داعش، بينما انقسم التنظيم في بنغازي بين مؤيد ومُنتظر، لكن إصرار الجيش الوطني على طرد التنظيم من هذه المدينة، أعاد تحالف كل أنواع المتطرفين ضمن «مجلس شورى بنغازي»، وأخذت المجاميع المسلحة تتحرك بكل حرية وطمأنينة في المدينة، وقد اقتربت عناصرها كثيراً من منطقة المعسكرات والمصانع ومزرعة القذافي القديمة، في نطاق منزل الجبالي.
ويضيف إرحومة: «أصبحوا يتحركون بالدبابات والمدرعات والسيارات التي تحمل فوقها مدافع من عيار 14.5 ملليمتر و23 ملليمتراً. وقلت وقتها إنه ما من قوة تقدر على إخراجهم من المدينة. وقد يمكثون فيها عشرات السنين. أثناء ذلك.. وفي الضواحي الخلفية، كانت سيارات العائلات تتسلل لتغادر إلى أي مكان آمن، سواء داخل ليبيا أو خارجها. لكن حتى الهروب كان صعباً ومحفوفاً بالمخاطر».
ويذكر جبريل عبد الله، الذي كان يعمل في قطاع الأمن بالمدينة، أنه سهَّل مهمة مغادرة عشرات العائلات، بينما كان يرى «الأنصار» أو «الدواعش» وهم ينتقون المنازل الكبيرة والمحصنة لكي يحولوها إلى مراكز لهم، ثم يقيمون الحواجز بحثاً عن رجال الأمن والجيش لقتلهم، كما فعلوا مع إحسونة ابن الجبالي.
إعدامات
ويتذكر عبد الله تلك الأيام حيث كانت رائحة الموت تغطي الطرقات: «في كل زاوية وعلى كل شارع كانت تقف سيارة تابعة للمتطرفين، مجهزة بأجهزة حواسب محمولة عليها ملفات تحوي أسماء كل من التحق في أي يوم من الأيام بالجيش أو بالشرطة. وإذا تصادف مرور أي شاب أو عائلة معها رجل، تقوم بوابة الدواعش بتوقيفها والكشف على أسماء الركاب على الحاسوب. إذا ظهر أن اسم أي راكب مسجل في ملفات الجيش أو الشرطة، يتم إطلاق النار على رأسه في الشارع ولو كانت معه أسرته».
ويقول مصدر أمني يشارك في التحقيق في مخلفات غرف «الدواعش» إن قاعدة البيانات المجمعة عن رجال الجيش والأمن، التي كانت لدى التنظيمات المتطرفة، حصلت عليها تلك التنظيمات من قادة لها في طرابلس.. «هذه المنظومة المتكاملة لم تكن توجد إلا في العاصمة... من المسؤول عن وصولها إلى متطرفي بنغازي؟ أياً كان فنحن نرى أنه شريك في أعمال التفخيخ والقتل التي طالت رجال الجيش».
وتقول مصادر أمنية إن المتطرفين قتلوا أكثر من خمسمائة من المنتمين للقوات المسلحة والشرطة في بنغازي وحدها، خلال عام 2014 فقط... وحين أطلق المشير حفتر «عملية الكرامة» لمحاربة المتطرفين وإنقاذ المدينة، استشاط قادة هذه التنظيمات غضباً. ويقول ضابط من قادة الحرب في المحور الذي يقع فيه منزل الجبالي إن أمراء حرب من مصراتة وطرابلس دخلوا في ذلك الوقت على الخط لدعم هؤلاء المسلحين في بنغازي، حيث مكنهم المدد والدعم بالأسلحة والأموال والمعلومات الاستخباراتية من اجتياح ما تبقى من معسكرات الجيش ومقار الشرطة. وكان أبرزها معسكر الصاعقة الذي كان يعد آخر مركز لوجود الدولة في بنغازي، وهو المعسكر نفسه الذي كان ابن الجبالي أحد جنوده.
وأقام قادة «الدواعش» في منزل الجبالي نحو عامين وحولوه إلى مقر نموذجي للتخطيط والتوجيه، لأنه يتوسط معسكرات ومرافق عدة جرت السيطرة عليها بالفعل من قبل خليط المتطرفين... كان زعماء كبار من هذه التنظيمات، من أمثال محمد الزهاوي (قتل في معركة مطار بنينا) ووسام بن حميد (يعتقد أنه فرَّ خارج ليبيا)، وزياد بلعم (انتقل بقواته للمنطقة الغربية)، وفقاً للمصادر الأمنية، يترددون على المقر الذي كان يغص بأجهزة الكومبيوتر والملفات والأوراق التي تخص «أمراء الحرب».
ولفناء البيت بوابة حديدية كبيرة لدخول السيارات وأخرى صغيرة لدخول الأفراد. أما باب المنزل فيشبه أبواب الفيلات. وله واجهة إسمنتية عريضة. وتدل الآثار على أن المتطرفين استخدموا السطح للإشراف على باقي معسكراتهم المحيطة، وللتمركز من فوقه بالصواريخ والمدافع المضادة للطائرات، ومنع أي محاولة للجيش من الاقتراب. وتوجد بقايا لمناظير مراقبة من تلك التي يصل مداها إلى أكثر من ثلاثة كيلومترات.
ويقول الجبالي: «حين زاد عدد المعسكرات التي سيطر عليها الدواعش من حولي، وبعد قيامهم بقتل ابني، تركت بيتي.. صدرت تعليمات من الجيش لسكان المناطق التي فيها معسكرات للدواعش بإخلائها... لقد كانوا يحيطون بمسكني من كل جانب». ويشير بذراعه إلى جهة اليمين: «من هنا مقر كتيبة راف الله السحاتي». ثم يشير إلى اليسار: «ومن هناك كتيبة أخرى اسمها الكتيبة 210. وفي الخلف ثلاث كتائب.. كانوا موجودين في كل مكان».
وكان أحد أقارب الجبالي يتردد على بيته لتفقده بين وقت وآخر، إلى أن فوجئ في يوم من الأيام بقدوم «الدواعش» لاحتلال المنزل. وقالوا إنهم من تنظيم «أنصار الشريعة». وقالوا أيضاً إنهم يعرفون من هو صاحب البيت. وقبل خروجهم من المقر، وأمام تقدم الجيش الوطني، قام «الدواعش» بحرق المنزل بما فيه بعد أن أخذوا منه ما أمكن من أجهزة وأوراق مهمة. وحتى الآن ما زال يمكن أن تعثر على بقايا أوراق يبدو فيها رصد للعاملين في جهاز الأمن. وأثناء إقامتهم في المنزل فتح المتطرفون ممرات، مثل الأبواب، للتنقل بين سور البيت والمعسكرات التي استولوا عليها في الجوار.
وتمكن الرجل من إعادة طلاء معظم جدران البيت، وأعاد ري وتنسيق زهور حديقة منزله بعد أن رجع إليه أخيراً، لكنه ترك الحجرة التي تقع على يمين الباب، بما فيها من آثار الخراب والحريق الذي خلفه الدواعش، كما هي، للذكرى.

- غداً في الحلقة الثانية:
آخر مربع سكني يتحصن فيه مسلحو بنغازي
قصة «سيدي خريبيش»



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.