«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا 1 من 5: «داعش» ترك بنغازي محطمة وجريحة... وآثاره تكشف علاقاته الخفية

التنظيم حوَّل منزل مسؤول ليبي سابق إلى مقر لإدارة العمليات ضد الجيش

واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
TT

«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا 1 من 5: «داعش» ترك بنغازي محطمة وجريحة... وآثاره تكشف علاقاته الخفية

واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.

تركت تنظيمات متطرفة مدناً مُحطمة وجريحة. وتشهد طوابق العمارات المنهارة والمحترقة، في ضواحي العاصمة طرابلس، وفي بنغازي وسرت، على شدة المعارك التي خاضها الليبيون ضد هذه التنظيمات التي يُطلق عليها الأهالي مسميات مختلفة منها «الدواعش» و«الأنصار» و«الإخوان».
ومن بين خطوط الألغام والمفخخات وأصوات الرصاص، تقدّم «الشرق الأوسط» خمس حلقات عن قصص المعارك الحربية الشرسة لإسقاط أوكار عدة كان المتطرفون يستخدمونها مقاراً للانطلاق وغرف عمليات، بالإضافة إلى سراديب لسجن الأسرى، وأخرى لتكديس «الغنائم» من أسلحة وأموال وجواهر، بينما كان زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي يرسل لأتباعه المنهزمين في ليبيا رسائل بالتوجه إلى الجنوب والاستعداد لاستقبال «الدواعش» الفارين من العراق وسوريا.
بينما ما زالت طرابلس تعاني وتنتظر مستقبلاً مجهولاً، لم يتبقَ في بنغازي إلا مربع سكني واحد يتحصن فيه بقايا المسلحين المنهزمين. ويقع على مساحة نصف كيلومتر في نصف كيلومتر، قرب منطقتي الصابري وسوق الحوت. اسم المكان «سيدي خريبيش»، ولا يمكن الاقتراب منه لأن المنطقة شديدة الخطورة، فقد جرى تفخيخ الشوارع والمباني المحيطة بها على أيدي المتحصنين في الداخل. كما جرى حفر أنفاق تحت الأرض يستخدمها المسلحون للتنقل بين مواقعهم والاختباء. وبين وقت وآخر تسمع صوت القذائف الصاروخية وزخات من طلقات الرصاص. ويحدث الأمر بشكل مفاجئ. وحين تحني رأسك وتستعد للفرار، يقول لك مرافقك العسكري: طالما سمعت صوت الرصاص فأنت ما زلت على قيد الحياة!
وحتى الجري للنجاة بنفسك محفوف بالمخاطر... ففي كثير من الطرقات ما زال رجال الهندسة العسكرية يصِلون الليل بالنهار من أجل نزع الألغام والمفخخات.
وأسس تنظيم داعش أول غرفة عمليات له في جنوب بنغازي، في منزل يخص مسؤولاً ليبياً سابقاً يدعى علي حسين الجبالي، بعد طرده منه وقتل ابنه. وأقام قادة التنظيم فيه لمدة عامين. والمكان عبارة عن منزل كبير وفناء مزروع بالورد ومحاط بسور، وله أبواب حديد. وكان صاحبه، الجبالي، يعمل مديراً للمِلْكيات والإحصاء في هذه البلاد التي تعمها الفوضى منذ عام 2011. ويقع المنزل على حدود مزرعة العقيد الراحل معمر القذافي في ضاحية الليثي.
وحين تزور البيت اليوم ستجد جدراناً مهدمة ومحترقة والألوف من فوارغ طلقات الرصاص المبذورة في التراب وبين أوراق العشب الناشف، وتوجد بقايا صواريخ من طراز «سام» وأخرى من نوع «غراد»، ومزقاً من أوراق تحتوي على أسماء رجال أمن مستهدفين.
ويقول الجبالي عن هذه الجماعة التي عصفت ببيته وألقت رداء الحزن على أسرته إلى الأبد، إنهم «الأنصار» نسبة إلى «تنظيم أنصار الشريعة» الذي أعلن فريق منه موالاته لتنظيم داعش في عام 2014، بينما ظل فريق آخر على الولاء لتنظيم القاعدة.
ولمعرفة تداخل الأسماء بين الجماعات المتطرفة في ليبيا، لا بد من الإشارة إلى أن «تنظيم أنصار الشريعة» ولد قبل نحو أربعة أعوام من رحم تنظيم له كتيبة كبيرة كانت مجاورة لمزرعة القذافي ببنغازي، اسمها «كتيبة راف الله السحاتي». كما أن «كتيبة راف الله السحاتي» نفسها كانت قد خرجت من بطن تنظيم «كتيبة 17 فبراير» التي أسستها جماعة «الإخوان» لتستوعب فيها التيارات المتطرفة المختلفة، أثناء انتفاضة 2011، في أحد معسكرات الجيش الليبي الذي كان يعرف بـ«معسكر السابع من أبريل».
وعادت كل هذه التنظيمات للتعاون معاً تحت اسم «مجلس شورى ثوار بنغازي» بعد أن بدأ المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني، حملته لطرد المتطرفين من المدينة قبل نحو ثلاث سنوات.
وبينما كان يعيش حياة التقاعد من العمل في بيته، ويعتني بأزهار حديقته، لاحظ الجبالي تزايد أعداد العناصر التي كانت تقوم باحتلال مواقع حكومية ومصانع ومتاجر ومعسكرات الجيش القريبة من منزله. كان ذلك في صيف 2014. كما تزايد صوت إطلاق النار في ساحات التدريب المجاورة وسط أهازيج عن «قدوم دولة الخلافة» المزعومة لـ«داعش».
يقول الرجل، والدهشة ما زالت على وجهه، إنه لم يكن يتخيل أن هذه الجماعات ستسيطر على المدينة، من البحر شمالاً، حتى مطار بنينا جنوباً، بطول يزيد على 30 كيلومتراً، وبعرض مماثل يصل حتى منطقة قار يونس غرباً.
وانطلاقاً من بيت الجبالي، أسَّس المتطرفون أسفل مصنع الإسمنت الضخم، في منطقة استراتيجية ببنغازي، مقرات لاحتجاز الخصوم ومحاكمتهم وقتلهم، كما أسسوا، في أنفاق تحت المصنع نفسه، بيتاً أطلقوا عليه «بيت مال المسلمين» كان مكدساً بالأموال والجواهر وبكل ما كان «يغنمه» المتشددون من أهالي المدينة التجارية العريقة.
وأخيراً ترك التنظيم بنغازي.. لكنه تركها محطمة وجريحة.. تستطيع أن ترى ذلك بداية من الحطام والسُّخام الذي يلطخ المجمع التجاري، والذي كان يغص بفروع الشركات من كل الدنيا، والمعروف باسم «مجمع الدعوة الإسلامية»، وحتى مبنى «جامعة قار يونس» حيث حوَّل التنظيم كلية العلوم إلى مختبر للمتفجرات وصناعة المفخخات، ودمر القبة السماوية نادرة التصميم، والتي تتوسط فناء الجامعة.
وحتى اليوم يتطلب دخول أي صحافي إلى مبنى الجامعة تصاريح وموافقات خاصة، ومرافقة مسؤول أيضاً، بسبب الخوف من المفخخات والقنابل. فالطرقات بين مجمعات الكليات ما زالت مقطعة الأوصال بالكتل الخرسانية وصناديق الشاحنات والركام والشجر المحترق. ومن بين كل هذه الفوضى يمكن أن تكون هناك دانات مزروعة في انتظار من يقترب منها لتنفجر في وجهه.
علاقات خفية مع زعماء ميليشيات
وبينما تم دحره وإجبار عناصره على الفرار إلى غرب البلاد وإلى جنوبها، ترك التنظيم وراءه آثاراً في غرف عملياته في ضواحي الليثي، والصابري، وقنفودة، والميناء، وغيرها، لتكشف علاقات خفية مع زعماء ميليشيات في كل من طرابلس ومصراتة غرباً، ودرنة شرقاً، ومنها طُرق الحصول على المَدد والعون من داخل ليبيا ومن دول أخرى وراء البحر.
وجمعت هيئة القضاء العسكري، في مقرها في بنغازي، ملفات تضم الكثير من الأسماء الليبية وغير الليبية التي تسببت في كل هذا الخراب، للمطالبة بمحاكمتها، داخل ليبيا بالنسبة لليبيين، وعن طريق محكمة الجنايات الدولية بالنسبة لغير الليبيين. وتتولى جهات مسؤولة تابعة للقوات المسلحة التي يقودها المشير حفتر فحص المئات من الهواتف النقالة والحواسب المحمولة التي أمكن الحصول عليها من العناصر المتطرفة بعد أن تعرضت للقتل أو الأسر أو فرت خلال الحرب مع الجيش الوطني.
ويقوم الجبالي حالياً بترميم منزله بعد أن أضرم المتطرفون المنهزمون النار في محتوياته، أثناء تقهقرهم بفعل ضربات أفراد القوات المسلحة والمتطوعين المساندين لها. وكوّم الرجل عدة قذائف صاروخية معطوبة في جانب الفناء. ووضع في الجانب الآخر ما تبقى من مراتب وأغطية محترقة وأَسرَّة وخزائن خشبية محطمة، بينما ملأت رائحة الطلاء البيت من الداخل، حيث تقدمت ابنته الصغيرة للترحيب بالضيوف فيما رسمت والدتها ابتسامة حزينة على محياها.
ويقول، والدموع تكاد تفر من عينيه، إنه وأسرته أمضوا وقتاً عصيباً، بعد أن قتل الدواعش ابنه، واحتلوا مسكنه هذا، وكتبوا على واجهته «قادمون يا أقصى»، ودمروا كل شيء، بما في ذلك مكتبته التي تغص بشتى أنواع الكتب.
ويضيف أنه، قبل ثلاث سنوات، كان قد بدأ يرى طلائع العناصر المتطرفة وهي تعاين المنطقة. ثم أخذت مجاميع غريبة، تتحدث بلهجات ليبية ومصرية وتونسية وسورية وغيرها، «تتكاثر مثل الجراد» بالأسلحة والمعدات الحربية. كان بينهم أفارقة أيضاً. شن هؤلاء هجوماً على عدة معسكرات في الجوار، من بينها معسكر الصاعقة التابع للجيش الوطني، حيث كان ابن الجبالي؛ إحسونة، جندياً فيه.. «قتلوا إحسونة؛ استوقفوه حين كان عائداً للبيت في سيارته، وأطلقوا عليه الرصاص».
كيف حدث هذا؟ وأين كان الجيش وقوات الأمن لحماية المدينة؟ كانت الأمور معقدة. واللعبة تشارك فيها جهات محلية تريد أن تشكل قواتها الخاصة بعد أن تعرض الجيش، في 2011، لضربات موجعة من طائرات وصواريخ حلف شمال الأطلسي (ناتو). ويقول العميد أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش، إن الحلف بعد أن انتهى من ضرب مخازن ودشم القوات المسلحة الليبية، جاءت جماعة «الإخوان» في 2012، وأخرجت آلاف العسكريين من الخدمة، وجلبت العسكريين المفصولين من الجيش من أيام القذافي، ومعظمهم كانوا مفصولين إما بسبب أنهم كانوا يحملون فكراً تكفيرياً، أو بسبب قضايا تمس الشرف وطبيعة الخدمة العسكرية، بحسب ما قال.
وتشكل مع أواخر ذلك العام جيشٌ جرار يتكون من خليط عجيب من ميليشيات ذات توجهات جهوية تخص مدناً بعينها أو توجهات مذهبية لها علاقة بجماعة «الإخوان» و«الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة» (المرتبطة بتنظيم القاعدة). واختلطت العناصر المدنية بالعسكرية.
وتشير التحقيقات العسكرية الحالية، التي تعتمد على ما تركه المتطرفون من أدلة وإثباتات، إلى حصول أمراء وعناصر من هذه الميليشيات على عتاد ودعم من جهات محلية وإقليمية ثبت فيما بعد أن لها علاقة بالإرهاب.
ويقول حسن إرحومة الذي كان يعمل في مصنع الإسمنت في بنغازي: «في ذلك الوقت أصبحت الكلمة العليا في المدينة لتنظيم أنصار الشريعة. أذكر أنه بعد أن استولوا على منزل الجبالي، تقدم نحو خمسين شاباً منهم، تتراوح أعمارهم بين تسعة عشر عاماً وثلاثين عاماً، وهم يهتفون الله أكبر، الله أكبر.. وقاموا بتفجير مبنى مديرية الأمن القريب من المصنع. وهزت قوة التدمير شوارع بنغازي، وهوت بطوابق المبنى إلى الأرض. وأثارت هذه الواقعة الفزع، وبدأت العائلات ترحل بعيداً».
حمل إرحومة أسرته في سيارة وغادر المدينة متسللاً ليقيم لدى أبناء عمومته في طبرق شرقاً. ومع أواخر عام 2014 كان فرع تنظيم «أنصار الشريعة» في درنة قد أعلن مبايعته لتنظيم داعش، بينما انقسم التنظيم في بنغازي بين مؤيد ومُنتظر، لكن إصرار الجيش الوطني على طرد التنظيم من هذه المدينة، أعاد تحالف كل أنواع المتطرفين ضمن «مجلس شورى بنغازي»، وأخذت المجاميع المسلحة تتحرك بكل حرية وطمأنينة في المدينة، وقد اقتربت عناصرها كثيراً من منطقة المعسكرات والمصانع ومزرعة القذافي القديمة، في نطاق منزل الجبالي.
ويضيف إرحومة: «أصبحوا يتحركون بالدبابات والمدرعات والسيارات التي تحمل فوقها مدافع من عيار 14.5 ملليمتر و23 ملليمتراً. وقلت وقتها إنه ما من قوة تقدر على إخراجهم من المدينة. وقد يمكثون فيها عشرات السنين. أثناء ذلك.. وفي الضواحي الخلفية، كانت سيارات العائلات تتسلل لتغادر إلى أي مكان آمن، سواء داخل ليبيا أو خارجها. لكن حتى الهروب كان صعباً ومحفوفاً بالمخاطر».
ويذكر جبريل عبد الله، الذي كان يعمل في قطاع الأمن بالمدينة، أنه سهَّل مهمة مغادرة عشرات العائلات، بينما كان يرى «الأنصار» أو «الدواعش» وهم ينتقون المنازل الكبيرة والمحصنة لكي يحولوها إلى مراكز لهم، ثم يقيمون الحواجز بحثاً عن رجال الأمن والجيش لقتلهم، كما فعلوا مع إحسونة ابن الجبالي.
إعدامات
ويتذكر عبد الله تلك الأيام حيث كانت رائحة الموت تغطي الطرقات: «في كل زاوية وعلى كل شارع كانت تقف سيارة تابعة للمتطرفين، مجهزة بأجهزة حواسب محمولة عليها ملفات تحوي أسماء كل من التحق في أي يوم من الأيام بالجيش أو بالشرطة. وإذا تصادف مرور أي شاب أو عائلة معها رجل، تقوم بوابة الدواعش بتوقيفها والكشف على أسماء الركاب على الحاسوب. إذا ظهر أن اسم أي راكب مسجل في ملفات الجيش أو الشرطة، يتم إطلاق النار على رأسه في الشارع ولو كانت معه أسرته».
ويقول مصدر أمني يشارك في التحقيق في مخلفات غرف «الدواعش» إن قاعدة البيانات المجمعة عن رجال الجيش والأمن، التي كانت لدى التنظيمات المتطرفة، حصلت عليها تلك التنظيمات من قادة لها في طرابلس.. «هذه المنظومة المتكاملة لم تكن توجد إلا في العاصمة... من المسؤول عن وصولها إلى متطرفي بنغازي؟ أياً كان فنحن نرى أنه شريك في أعمال التفخيخ والقتل التي طالت رجال الجيش».
وتقول مصادر أمنية إن المتطرفين قتلوا أكثر من خمسمائة من المنتمين للقوات المسلحة والشرطة في بنغازي وحدها، خلال عام 2014 فقط... وحين أطلق المشير حفتر «عملية الكرامة» لمحاربة المتطرفين وإنقاذ المدينة، استشاط قادة هذه التنظيمات غضباً. ويقول ضابط من قادة الحرب في المحور الذي يقع فيه منزل الجبالي إن أمراء حرب من مصراتة وطرابلس دخلوا في ذلك الوقت على الخط لدعم هؤلاء المسلحين في بنغازي، حيث مكنهم المدد والدعم بالأسلحة والأموال والمعلومات الاستخباراتية من اجتياح ما تبقى من معسكرات الجيش ومقار الشرطة. وكان أبرزها معسكر الصاعقة الذي كان يعد آخر مركز لوجود الدولة في بنغازي، وهو المعسكر نفسه الذي كان ابن الجبالي أحد جنوده.
وأقام قادة «الدواعش» في منزل الجبالي نحو عامين وحولوه إلى مقر نموذجي للتخطيط والتوجيه، لأنه يتوسط معسكرات ومرافق عدة جرت السيطرة عليها بالفعل من قبل خليط المتطرفين... كان زعماء كبار من هذه التنظيمات، من أمثال محمد الزهاوي (قتل في معركة مطار بنينا) ووسام بن حميد (يعتقد أنه فرَّ خارج ليبيا)، وزياد بلعم (انتقل بقواته للمنطقة الغربية)، وفقاً للمصادر الأمنية، يترددون على المقر الذي كان يغص بأجهزة الكومبيوتر والملفات والأوراق التي تخص «أمراء الحرب».
ولفناء البيت بوابة حديدية كبيرة لدخول السيارات وأخرى صغيرة لدخول الأفراد. أما باب المنزل فيشبه أبواب الفيلات. وله واجهة إسمنتية عريضة. وتدل الآثار على أن المتطرفين استخدموا السطح للإشراف على باقي معسكراتهم المحيطة، وللتمركز من فوقه بالصواريخ والمدافع المضادة للطائرات، ومنع أي محاولة للجيش من الاقتراب. وتوجد بقايا لمناظير مراقبة من تلك التي يصل مداها إلى أكثر من ثلاثة كيلومترات.
ويقول الجبالي: «حين زاد عدد المعسكرات التي سيطر عليها الدواعش من حولي، وبعد قيامهم بقتل ابني، تركت بيتي.. صدرت تعليمات من الجيش لسكان المناطق التي فيها معسكرات للدواعش بإخلائها... لقد كانوا يحيطون بمسكني من كل جانب». ويشير بذراعه إلى جهة اليمين: «من هنا مقر كتيبة راف الله السحاتي». ثم يشير إلى اليسار: «ومن هناك كتيبة أخرى اسمها الكتيبة 210. وفي الخلف ثلاث كتائب.. كانوا موجودين في كل مكان».
وكان أحد أقارب الجبالي يتردد على بيته لتفقده بين وقت وآخر، إلى أن فوجئ في يوم من الأيام بقدوم «الدواعش» لاحتلال المنزل. وقالوا إنهم من تنظيم «أنصار الشريعة». وقالوا أيضاً إنهم يعرفون من هو صاحب البيت. وقبل خروجهم من المقر، وأمام تقدم الجيش الوطني، قام «الدواعش» بحرق المنزل بما فيه بعد أن أخذوا منه ما أمكن من أجهزة وأوراق مهمة. وحتى الآن ما زال يمكن أن تعثر على بقايا أوراق يبدو فيها رصد للعاملين في جهاز الأمن. وأثناء إقامتهم في المنزل فتح المتطرفون ممرات، مثل الأبواب، للتنقل بين سور البيت والمعسكرات التي استولوا عليها في الجوار.
وتمكن الرجل من إعادة طلاء معظم جدران البيت، وأعاد ري وتنسيق زهور حديقة منزله بعد أن رجع إليه أخيراً، لكنه ترك الحجرة التي تقع على يمين الباب، بما فيها من آثار الخراب والحريق الذي خلفه الدواعش، كما هي، للذكرى.

- غداً في الحلقة الثانية:
آخر مربع سكني يتحصن فيه مسلحو بنغازي
قصة «سيدي خريبيش»



قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
TT

قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)

قال رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية، اللواء الركن خالد القملي، إن سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة، ويتجاوز استهداف السفن إلى توسيع شبكات التهريب، وتعزيز القدرة على رصد حركة الملاحة في أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية (الشرق الأوسط)

وكشف القملي، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن سفناً يستخدمها الحوثيون للتهريب باتت تجوب سواحل البحر الأحمر علناً، من دون إطفاء أجهزة التتبع، بعدما كانت تطفئها في السابق خشية ضبطها من خفر السواحل اليمنية.

وحذّر من أن المخاطر المرتبطة بالسيطرة على مواقع ساحلية وجزرية لا تقتصر على تهريب الأسلحة، بل تشمل تهريب معدات الاتصالات والتقنيات مزدوجة الاستخدام والمخدرات والمكونات العسكرية.

وشدد اللواء القملي على أن مواجهة هذه الشبكات تستدعي «ربط منظومات المراقبة والاعتراض على الضفتين اليمنية والأفريقية معاً»، والتعامل مع مسار التهريب بوصفه شبكة متكاملة تمتد من الساحل الصومالي وجيبوتي إلى باب المندب والساحل الغربي اليمني.

تغيّر طبيعة التهديد الحوثي

أكد رئيس خفر السواحل اليمنية أن التطورات الأخيرة في المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر غيّرت طبيعة التهديد الحوثي؛ إذ لم يعد، وفق تقديره، مقتصراً على الجانب العسكري المباشر أو حرية الملاحة، بل امتد إلى شبكات التهريب والصلات المحتملة مع تنظيمات مسلحة في المنطقة.

عناصر من خفر السواحل الجيبوتية خلال دورية سابقة في باب المندب (الشرق الأوسط)

وأوضح أن السيطرة على هذه المواقع تمنح الحوثيين قدرة أكبر على تأمين مسارات الإمداد البحري وتوسيعها بين الساحل الغربي اليمني والقرن الأفريقي، مستفيدين من طبيعة المنطقة الجغرافية وكثافة حركة القوارب الصغيرة والجلبات.

وأضاف: «بدلاً من الاعتماد على مسار واحد، بات في إمكان الجماعة، استخدام مواقع ساحلية وجزرية متعددة لاستقبال الشحنات وإخفائها وإعادة توزيعها، لكن الأخطر هو تنوع المواد التي يمكن نقلها عبر تلك المسارات، فإلى جانب الأسلحة، يفتح امتداد شبكات التهريب عبر خليج عدن والساحل الصومالي المجال أمام نقل معدات اتصالات وتقنيات مزدوجة الاستخدام ومخدرات ومكونات عسكرية، مع إمكان تغيير الطرق ووسائط النقل لتفادي الاعتراض».

ميناء المخا تعرض لأضرار واسعة جراء الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة (إعلام محلي)

وكان القائم بأعمال السفارة الأميركية في الرياض نيل هوب اتهم إيران بامتلاك سفن عملت في البحر الأحمر ونفذت في السابق عمليات سيبرانية واستخباراتية لمصلحة الحوثيين، فضلاً عن نقل مكونات للصواريخ والطائرات المسيّرة، والمشاركة في نقل النفط عبر ما يعرف بـ«أسطول الظل».

ولفت القملي في هذا السياق إلى ما أوردته تحقيقات أممية بشأن تنويع الحوثيين سلاسل إمدادهم ومصادر حصولهم على الأسلحة والمعدات، عادّاً ذلك مؤشراً إلى تطور قدراتهم التنظيمية والتشغيلية.

باب المندب... ورقة ضغط

وحذّر رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية من انتقال الحوثيين من امتلاك القدرة على استهداف السفن إلى امتلاك مواقع جغرافية استراتيجية تتيح لهم مجالاً أوسع للرصد والإنذار المبكر والاستهداف قرب باب المندب.

وقال إن «وجود سواحل وجزر ومواقع قريبة من المضيق تحت سيطرة طرف يمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وزوارق مسلحة يرفع مستوى المخاطر أمام السفن العابرة، ويزيد احتمالات اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والحماية، فضلاً عن احتمال دفع بعض شركات الشحن إلى إعادة توجيه رحلاتها بعيداً عن المنطقة».

وتابع بقوله: «لا تكمن الخطورة بالضرورة في قدرة الحوثيين على إغلاق باب المندب إغلاقاً كاملاً، بل في امتلاكهم القدرة على إبقاء المخاطر التي تواجه حركة الملاحة الدولية عند مستوى مرتفع، واستخدام الممر البحري ورقة ضغط متى أرادوا».

وتُظهر متابعة المنظمة البحرية الدولية لأمن البحر الأحمر استمرار اهتمامها بالهجمات التي استهدفت السفن والبحارة في المنطقة؛ كما مدّد مجلس الأمن في يوليو (تموز) 2026 تكليف الأمين العام تقديم تقارير بشأن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.

توسع الصلات مع جماعات مسلحة

وتطرق اللواء خالد القملي إلى بُعد آخر يراه مثيراً للقلق، يتمثل في احتمال أن تهيئ السيطرة على مواقع في باب المندب بيئة بحرية أكثر ملاءمة لتوسيع الاتصالات القائمة بين الحوثيين وشبكات مسلحة في القرن الأفريقي، وفي مقدمتها حركة «الشباب» الصومالية، عبر مسارات يصعب ضبطها بالكامل.

أكد القملي أن سيطرة الحوثيين على باب المندب تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة (سبأ)

وحذّر من احتمال انتقال العلاقة من تبادل الأسلحة أو تهريبها إلى تعاون أوسع يشمل التمويل والمعدات والخبرات والتكنولوجيا والاتصالات، مستفيدة من شبكات التهريب القائمة بين اليمن والصومال.

ومن شأن حدوث ذلك، وفق تقدير القملي، أن يحوّل باب المندب من ممر لوجستي إلى حلقة وصل تشغيلية بين الحوثيين وجماعات مسلحة في القرن الأفريقي، ويوسع نطاق التهديد ليشمل خليج عدن والمنطقة المقابلة للساحل اليمني.

ربط منظومات المراقبة والاعتراض

أكد اللواء القملي أن الإجراءات الأمنية داخل المياه اليمنية، على أهميتها، لا تكفي وحدها للتعامل مع مسارات تهريب تمتد عبر الساحل الصومالي وخليج عدن وجيبوتي وباب المندب.

ودعا إلى تعزيز التعاون المباشر بين خفر السواحل اليمني ونظرائه في الصومال وجيبوتي، خصوصاً في تبادل المعلومات البحرية والاستخباراتية، وتتبع القوارب المشبوهة، وتنسيق عمليات الاعتراض.

باتت الجماعة الحوثية قادرة على استخدام مسارات متعددة لاستقبال الشحنات المهربة وفقاً للواء القملي (إ.ب.أ)

ويشمل هذا التعاون، وفق القملي، مراقبة حركة الجلبات وسفن الصيد التي تُستخدم لنقل الأسلحة والمخدرات والمعدات. لافتاً إلى أن «المتابعة الميدانية خلال السنوات الماضية أظهرت أن مكافحة التهريب في باب المندب لا تتحقق بالسيطرة على الجانب اليمني من الممر وحده، وإنما تتطلب ربط منظومات المراقبة والاعتراض على الضفتين اليمنية والأفريقية معاً».

وخلص رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية إلى أن التعامل مع الساحل الصومالي وجيبوتي وباب المندب والساحل الغربي اليمني بوصفها أجزاء من شبكة تهريب واحدة هو الأساس لمنع الحوثيين أو الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي من استغلالها، والحيلولة دون تحول البحر الأحمر وخليج عدن إلى مساحة تتحرك فيها تلك الشبكات بحرية أكبر.


الحوثيون يختبرون ولاء الساحل الغربي اليمني بالتجنيد والجباية

فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
TT

الحوثيون يختبرون ولاء الساحل الغربي اليمني بالتجنيد والجباية

فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)

«سنختبر ولاءكم في الجبهات وفي أعداد المجندين»... بهذه الجملة طالب القادة الحوثيون أعيان ووجهاء الساحل الغربي اليمني خلال الأيام الماضية، بعد سيطرة الجماعة على مناطق حيس والخوخة والمخا وصولاً إلى باب المندب.

فلم تكد الجماعة المتحالفة مع إيران تحكم قبضتها على مديريات الساحل الغربي، حتى بدأت بفرض منظومة من الإجراءات الأمنية والمالية والاجتماعية تستهدف إحكام السيطرة على السكان، عبر ابتزاز الوجهاء والأعيان لتجنيد مقاتلين، وإخضاع الأطفال والشبان لدوراتها الثقافية، وفرض الجبايات على التجار، بالتزامن مع حملات اعتقال ومداهمة ونهب لممتلكات خاصة ومرافق عامة.

وقالت مصادر محلية إن القادة الميدانيين الحوثيين ألزموا الأعيان والمشايخ ومسؤولي الأحياء، المعروفين بـ«عقال الحارات»، وهم أصحاب مناصب شبه رسمية، في بلدات وأرياف مديريات المخا وذوباب وموزع والوازعية في محافظة تعز، وحيس والخوخة في محافظة الحديدة، بتجنيد مقاتلين وإلحاق أطفال وشبان بما تسمى «الدورات الثقافية»، وحذرتهم من التخلف عن تنفيذ تلك المطالب.

وذكرت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن القادة الحوثيين أبلغوا الوجهاء والأعيان بأنهم يخضعون لـ«اختبار ولاء» بعد نحو 8 أعوام من سيطرة الحكومة الشرعية على المنطقة، وطالبوهم بإثبات ولائهم من خلال تنفيذ مهام تشمل التجنيد والتجسس على السكان وجمع الجبايات.

نازحون في مخيم قرب عدن هربوا من جحيم الحوثيين في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)

وقالت المصادر إن القادة الحوثيين دأبوا على تذكير هؤلاء الأعيان بأنهم يخضعون لاختبار ولاء، وعليهم إثباته من خلال رفد معسكرات التدريب والجبهات والدورات الثقافية بالشباب والأطفال.

وبحسب المصادر، حددت الجماعة حصصاً متفاوتة من المقاتلين والأطفال لكل منطقة وفق كثافتها السكانية، لكنها طالبت الوجهاء الذين رصدت تعاونهم مع السلطات المحلية خلال فترة سيطرة الحكومة بمضاعفة تلك الحصص، وتجنيد أقاربهم لإظهار «حسن النوايا».

حظر تجول غير معلن

بحسب المصادر، طالبت الجماعة الحوثية السكان في الساحل الغربي، بإقناع أقاربهم النازحين في مناطق سيطرة الحكومة بالعودة، لا سيما المنتمين إلى الجيش اليمني. وترجح المصادر أن يكون ذلك وسيلة لتجنيد بعض العائدين، أو اعتقالهم وإجبارهم على الكشف عن معلومات عسكرية وأمنية.

ولا تقتصر إجراءات السيطرة على التجنيد؛ ففي مديريتي حيس والخوخة، أفادت مصادر محلية بأن مسلحين حوثيين يتبعون ما تسمى «هيئة الزكاة»، داهموا محال تجارية وفرضوا على ملاكها مبالغ مالية، إلى جانب إلزامهم بتقديم مواد غذائية لعناصر الجماعة.

قادة حوثيون في مدينة الخوخة على الساحل الغربي (إعلام حوثي)

وطبقاً للمصادر، فإن الحوثيين احتجزوا عدداً من التجار الذين رفضوا دفع المبالغ المفروضة، ولم تطلقهم إلا بعد دفع المبالغ المطلوبة منهم إلى جانب غرامات تأخير.

وافتتحت الجماعة، بعد ساعات من سيطرتها على حيس، مقراً لما تسمى «هيئة الزكاة» في المديرية، ضمن مساعيها لفرض الجبايات على السكان والتجار، وتعويض خسائرها المادية في التصعيد العسكري وفقاً لمراقبين.

وفي المخا، تصاعدت المخاوف بين السكان مع استمرار الإجراءات الأمنية والمداهمات والاعتقالات، خصوصاً بعد احتجاز شابين من أبناء المدينة ونقلهما إلى منطقة البرح، الواقعة بينها ومدينة تعز باتجاه الشرق.

وتتحدث مصادر حقوقية عن اقتحام منازل واعتقال مدنيين وأشخاص تشتبه الجماعة في ارتباطهم بالقوات الموالية للحكومة، إلى جانب تقارير عن اعتقال صحافيين وناشطين.

واشتكى السكان من فرض قيود مشددة على الحركة والتجمعات، خصوصاً خلال ساعات المساء، ما يضطرهم إلى المبيت في منازلهم قبل مغيب الشمس.

30 ألف سلة غذائية في الساحل الغربي اليمني استولى عليها الحوثيون (إعلام حوثي)

وكشف عدد من الأهالي لـ«الشرق الأوسط»، عن اضطرارهم إلى ترك هواتفهم في المنازل بسبب إجراءات التفتيش التي تطالهم خلال تجولهم في الخارج أو مزاولة أعمالهم وأنشطتهم اليومية، وإجبارهم على فتحها والخضوع للتحقيق في حال اشتبه عناصر الجماعة في محتوياتها.

نهب المساعدات

تتزامن الإجراءات الأمنية والمالية الحوثية مع اتهامات للجماعة بالاستيلاء على ممتلكات ومرافق وموارد مخصصة للسكان. وقالت السلطات المحلية التابعة للحكومة اليمنية في الحديدة، إن الجماعة استهدفت عيادات طبية ومستودعات للغذاء والإيواء ومشروعاً للإمداد المائي مدعوماً من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

كما أدانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل اقتحام مخازن تابعة لمركز الملك سلمان وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمات محلية ودولية في الساحل الغربي، والاستيلاء على محتوياتها الإغاثية، محذرة من أن تعطيل تلك المنشآت يعرقل وصول المساعدات إلى مستحقيها.

الحوثيون جيّروا خدمات المنشآت الحيوية والصحية في الساحل الغربي لصالح أنشطتهم (إعلام حوثي)

وقالت الوزارة إن العيادات المدعومة من مركز الملك سلمان كانت تقدم خدمات مجانية لنحو ربع مليون مستفيد سنوياً، تشمل الفحوصات والعمليات الجراحية والأدوية، معتبرة أن تعطيلها يضاعف الأعباء على المرضى والأسر الأكثر احتياجاً.

وفي مؤشر على اتساع نطاق التداعيات، وثق تقرير حقوقي 958 جريمة وانتهاكاً في مديريات الساحل الغربي، بينها المخا وذوباب والوازعية وموزع وحيس والخوخة، خلال الفترة من 3 إلى 11 سبتمبر (أيلول)، شملت الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري واقتحام المنازل ونهب الممتلكات، إلى جانب نزوح نحو 2300 أسرة.

وتشير هذه الوقائع، في مجملها، إلى أن السيطرة الحوثية على الساحل الغربي لا تتوقف عند التحول العسكري في خريطة النفوذ، بل تترافق مع محاولة لإعادة تشكيل الحياة المحلية وفق منظومة من الولاء والجباية والرقابة الأمنية، في وقت يدفع فيه المدنيون تكلفة إضافية من حريتهم ومواردهم ووصولهم إلى الخدمات الأساسية.


2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
TT

2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)

تكبّدت الجماعة الحوثية خسائر بشرية وعسكرية كبيرة في ثماني جبهات يمنية، وفق حصيلة أعلنتها القوات الحكومية، في وقت تتركز فيه المواجهات الأشد في تعز ولحج، حيث تصطدم هجمات الجماعة المتواصلة بالضربات الحكومية الاستباقية ضمن مسعاها لتثبيت خطوط التماس وقطع طرق الإمداد القادمة من مناطق سيطرة الجماعة.

وقالت القوات المسلحة اليمنية إنها نفذت 706 عمليات استهداف نوعية ودقيقة في جبهات كتاف، والبقع، وعلب، والجوف، ومأرب والبيضاء، ولحج وتعز، مستخدمة الطيران الحربي والطائرات المسيّرة والقناصة والمدفعية وراجمات الصواريخ، مشيرة إلى أن هذه العمليات أسفرت، حسب حصيلتها، عن مقتل وإصابة 2316 عنصراً حوثياً خلال ثلاثة أيام.

وأوضحت القوات الحكومية أن العمليات طالت مواقع وعناصر وقدرات عسكرية للجماعة، وأدت إلى تدمير أو إعطاب ناقلات جنود وعربات وتعزيزات عسكرية ومنصات إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة وعتاد ومعدات أخرى.

دخان يتصاعد من موقع للحوثيين استهدفه الجيش اليمني (رويترز)

وتعكس هذه الحصيلة، وفق رواية القوات المسلحة اليمنية، اتساع نطاق الاستهداف من خطوط المواجهة المباشرة إلى العمق اللوجستي للجماعة الحوثية، في وقت تدفع فيه الأخيرة بمزيد من العناصر والتعزيزات إلى الجبهات للحفاظ على مكاسبها الأخيرة في الساحل الغربي، وفتح مسارات ضغط جديدة على تعز.

معركة تعز

في تعز، بدت الجبهة الأكثر نشاطاً خلال الساعات الأخيرة، مع تزامن الهجمات البرية الحوثية مع ضربات جوية استهدفت مواقع التجميع والتخزين والتحرك.

ونفَّذ الطيران الحربي، وفق مصادر عسكرية رسمية خمس غارات على مواقع حوثية شرق المحافظة، شملت مفرق ماوية ومحيط مدينة الصالح ومعسكر الاستقبال التابع لسلاح المهندسين.

وقالت مصادر ميدانية إن الضربات جاءت بالتزامن مع اجتماع لقيادات عسكرية حوثية ووصول تحشيدات إلى المنطقة، وإن بعض الأهداف كانت تستخدم لتخزين الأسلحة والمعدات.

دخان يتصاعد إثر ضربة جوية استهدفت مواقع للحوثيين في شرق مدينة تعز (رويترز)

كما استهدف الطيران الحربي تعزيزات حوثية في منطقة المرزم بالربيعي غرب مدينة تعز، وقالت مصادر عسكرية إن إحدى الغارات أصابت دبابة وأدت إلى احتراقها.

وفي الجبهات الغربية، تصدت القوات الحكومية لهجوم حوثي في جبهة العنين، كما أفادت مصادر محلية بتصدي القوات الحكومية ومقاتلين من أبناء المنطقة لهجمات شنتها الجماعة على بني بكاري والعنين في جبل حبشي، عقب وصول تعزيزات حوثية كبيرة إلى المديرية.

وبالتوازي، استهدفت المدفعية الحكومية تجمعات ومواقع حوثية في الأقروض، والكدحة، وسائلة غراب، والجعشاء والزيبيا، كما دمرت مدفعاً في البحابح واستهدفت طقماً عسكرياً في ضاحة الرباح، وفق موجز للمركز الإعلامي لمحور تعز.

وأعلنت الدفاعات الجوية الحكومية إسقاط طائرة مسيّرة حوثية فوق جبهة الكدحة. وتواصلت في المقابل الهجمات الحوثية بالقصف المدفعي؛ إذ أطلقت الجماعة أكثر من ست قذائف باتجاه قرى في منطقة الضباب غرب تعز، متسببة، وفق مصادر محلية، في أضرار مادية بالمنازل وحالة من الذعر بين السكان.

نزيف الإمدادات

لا تقتصر المعركة بين القوات المسلحة اليمنية والحوثيين على المواقع الأمامية؛ إذ تحولت طرق نقل المقاتلين والعتاد أهدافاً رئيسية للعمليات الحكومية.

وتقول مصادر محلية إن الحوثيين دفعوا بمئات العناصر من اتجاه فرع العدين في محافظة إب باتجاه جبل رأس في الحديدة، على متن عشرات الحافلات، لتعزيز جبهات الوازعية، والبرح وبني عمر.

كما دفعت الجماعة بتعزيزات بشرية كبيرة باتجاه جبهة حيفان في تعز، في وقت تتحدث فيه مصادر ميدانية عن تحركات حوثية تستهدف الضغط نحو مديريات الشمايتين، والتربة والمقاطرة من أكثر من اتجاه.

وتشير هذه التحركات إلى أن الجماعة تسعى إلى الإبقاء على ضغطها العسكري غرب تعز، بالتزامن مع الدفع باتجاه حيفان والمناطق الشرقية والجنوبية، في محاولة لإيجاد مسارات متعددة نحو المحافظة.

وفي المقابل، تركز القوات الحكومية على استهداف التعزيزات قبل وصولها إلى خطوط القتال، مستفيدة من الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية.

وقال الناطق العسكري ماجد النزيلي إن القوات الحكومية قتلت أربعة خبراء إيرانيين قال إنهم متخصصون في تشغيل وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ في محافظة تعز، دون إيراد تفاصيل عن هوياتهم.

ضغط في لحج

في لحج، تواصلت المواجهات على المحاور المتصلة بالساحل الغربي والمناطق المطلة على باب المندب، مع استمرار القصف والتحركات العسكرية في الوازعية، والمضاربة، ورأس العارة، والأغبرة وكهبوب.

وقالت مصادر ميدانية إن قوات العمالقة نفَّذت ضربات بطائرات مسيّرة ضد تجمعات وآليات حوثية في كهبوب، بالتزامن مع صد هجوم جديد للجماعة.

وتزامن ذلك مع تحركات عسكرية حكومية في جبهات الصبيحة، حيث تفقَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي، رفقة قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري، سير العمليات ومستوى الجاهزية في الخطوط الأمامية.

وأكد الصبيحي أهمية رفع الجاهزية واليقظة والاستعداد للتعامل مع التطورات الميدانية، مشيداً بثبات القوات في مختلف المواقع.

وتظهر تطورات تعز ولحج أن خطوط التماس منذ أيام لا تزال ثابتة نسبياً رغم كثافة الهجمات والتعزيزات، لكن ثبات الخريطة لا يعني هدوء الجبهات؛ إذ تحاول الجماعة الحفاظ على مكاسبها في الساحل الغربي، في حين تعمل القوات الحكومية على استنزاف القوة البشرية والعسكرية التي تدفع بها إلى مناطق القتال.

وتقول القوات الحكومية إن عملياتها استهدفت أهدافاً عسكرية، في حين تتبادل مع الحوثيين الاتهامات بشأن الأضرار المدنية الناجمة عن الغارات والقصف. وأكد النزيلي أن القوات الحكومية تلتزم، وفق قوله، باستهداف الأهداف العسكرية المشروعة وقواعد القانون الدولي الإنساني.