إدوارد سعيد رأى الإمبراطورية برمّتها عارية

في ذكرى رحيل صاحب «الاستشراق» و«الثقافة والإمبريالية»

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد
TT

إدوارد سعيد رأى الإمبراطورية برمّتها عارية

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد

إدوارد سعيد (1935 - 2003)، الأكاديمي الفلسطيني - الأميركي الرّفيع، عدو السرديّات الملفقة وصائد مثقفي الاحتلالات، صاحب النصوص المؤسِسة لدراسات ما بعد الكولونياليّة (الاستعماريّة) في جامعات العالم، الذي كان وكأنه جيش من رجل واحد اخترق أقوى حصون الإمبراطوريّات المتقاعدة، وتجرّأ من قلب وارثتها الإمبراطوريّة الأميركيّة على أن يصرخ بالمصفقين جميعاً أن إمبراطوريتكم هذه عارية. يدخل غيابه في سنته الخامسة عشرة، لتصير خسارته لمعركته الأخيرة مع الموت المحتّم حضوراً في وجدان الفكر العالمي، حضوراً ما يلبث يتوهج أضاف عليه الغياب ألقاً يليق بحكماء البشريّة وأبطالها وشهدائها معاً.
سعيد الذي عاش يفاعته في الشرق بين فلسطين ولبنان ومصر، انتقل شاباً إلى العالم الجديد، فدرس الأدب المقارن، وغرق فيه كأي أكاديمي آخر يعيش أيامه متمهلاً في أروقة جامعات أميركا الراقية. لكنه في هدوء السنوات الأولى ومنطلقاً من قراءته النقديّة لأعمال الروائيين الكلاسيكيين كان يصوغ نظريته - العاصفة التي نشرها في «الاستشراق» (1978)، فتغيّر العالم الفكري والثقافي بعدها، ولم يعد أبداً كما كان.
كان سعيد في الاستشراق والنظريّة الثقافيّة كما غاليليو أو تشارلز دارون، أو كارل ماركس، أو أنطونيو غرامشي، مؤسس «برادايم جديد» ونسقٍ مغاير كليّاً لكيفية رؤية العالم.
كتاب «الاستشراق» وبعده «الثقافة والإمبريالية» (1993) يمثلان في مجموعهما ما يمكن اعتباره النص المؤسِس لنظريّة ما بعد الاستعماريّة في دراسات الثقافة التي أزاحت تراكمات من الانحيازات المركبة جعلت من الخطاب الغربي عن المشرق كأنّه جزء لا يتجزأ من المجهود الحربي الموجه للسيطرة على المنطقة والهيمنة عليها وإعادة تشكيلها بما يتوافق مع صورة نقيضة للذات الغربيّة في صورتها وفكرتها الكليّة وشخصيتها الجمعيّة وتجربتها التاريخيّة. ووفقاً لسعيد، فإن المشرق كما يُقرأ في الغرب لم يكن إلا اختراعاً أوروبياً محضاً ليس له رصيد فعلي من الواقع، وهو صريح في اتهامه للغرب بأنه احتاج إلى الممارسة الاستشراقيّة أساساً بحكم حاجته إلى بلورة هويّة ذاتيّة من خلال وضعها مقابل الشرق - الآخر المختلف والهلامي والجمعي.
بالطبع فإن سعيد الذّي استخلص استشراقه من قراءة الأدب المتعلق بالشرق، انتقل في مطاردته للسرديات الغربيّة شديدة الأدلجة في كتابه الأقوى (الثقافة والإمبرياليّة) إلى قراءة نسق أكثر شموليّة في فهم العلاقات بين الغرب المتحضر الحديث وأصقاعه الواقعة ما وراء البحار. عند سعيد الاستشراق نظام من «السرد الآيديولوجي» متداخل مع مسألة السلطة، والهيمنة وعلاقات القوّة. إنه إحدى أهم الآليات التي يكرس بها الغرب نفوذه على الشرق، وهي تتحوّل بحكم تعقدها الشديد إلى «نظام للحقيقة» يعتنقه الطرفان بوعي أو من غير وعي، لتترتب عليه إجراءات ماديّة تكرّس هذه «الحقيقة المتخيّلة»، ليصير لها تاريخها الذاتي الواقعي ولتأخذ مواقع مستقرة في العقل الجمعي للمجتمع.
تطورت النظريّة كما في «الاستشراق» بعد سعيد، وأصبحت نسقاً فكريّاً ومنهجاً له تطبيقات عامة ليست مقتصرة على علاقات الغرب - شرق، بل قراءة ممكنة لكل هويّة متخيّلة على أساس التناقض مع الآخر المختلف، وتعددت تطبيقاتها الإقليميّة في قراءة تواريخ مناطق من العالم وفق ذات الجدليّة من الهند إلى الصين فأوروبا الشرقيّة وأميركا اللاتينيّة، كما توسعت في تعريف مفهوم السرديّة المؤدجلة إلى ما بعد الأنواع الأدبيّة ومختلف أدوات التواصل الإنساني من فنون ومسرح وسينما وعمارة ولغة وموسيقى وثقافات شعبيّة ومرويات دينيّة (لا سيما تلك التوراتيّة)، وحتى تجارة واستراتيجيا وإعلام، لدرجة أنه لم يعد ممكناً مثلاً فهمُ كيف يرى الإسرائيليون جيرانهم الفلسطينيين، أو ذوو البشرة البيضاء أبناء مجتمعهم السود دون منهجيّة منطلقة من استشراق سعيد لتفكيك الهويّات الجمعيّة المتخيّلة التي لا تتشكل إلا من خلال تلفيق هويّة ذلك المختلف عنهم كآخر كلّي يفتقد إلى الملامح الفرديّة، فيبقى باهتاً وبعيداً وقابلاً دوماً لإعادة التشكيل ضمن تحوّلات معادلة علاقات القوّة في المجتمعات.
سعيد الذي انتزعته من برجه الأميركي العاجي المترف صدمته من السرديّة الغربيّة لأحداث عام 1967، كما كانت تروى على الملأ في وسائل الإعلام الأميركيّة، تحوّل بفضل تطوره الفكري بشأن «الاستشراق» إلى ناشط سياسي من الطراز الأول في مواجهة الصياغات الغربيّة والإسرائيليّة العمياء للمسألة الفلسطينيّة. وهو وإن بقي دائماً متحديّاً عنيداً ضد أوهام الإمبراطوريّة الأميركيّة تحديداً، فإنه اختار أن يقاتل من داخل أرض العدو وبلغته وأدواته، الأمر الذي اعتبره البعض تناقضاً حاول هو التّصدي له في كتابه عن «تمثلات المثقف» (1994)، وإن كان جداله بقي دون صرامة غرامشي في تعريفه المثقف العضوي الذي لا يمكنه إلا أن ينحاز في المطلق لطبقة ما ويصبح خادماً ثقافيّاً لمصالحها بشكل أو بآخر.
كان سعيد رغم دماثته الشخصيّة، وتمكنه الأنيق من اللغة، واشتغاله بالموسيقات الكلاسيكيّة، يطلق نيراناً لا ترحم على تجار الاستشراق ومثقفي السّلطة والمتعلمين أذناب الاحتلالات الذين كانوا يسترزقون من خلال نسج الثياب الموهومة للإمبراطوريّة التي كانت تدفع لهم مقابل خداعهم أجوراً طائلة. وحده هو كان في مواجهتهم جميعاً، صارخاً بأعلى صوته بأن الإمبراطوريّة عارية، وأن سوءاتها بادية للجميع، ولذا فأنت تجد أكواماً من التضليل والكذب والمبالغات في نصوص كتبها متضررون ضد سعيد. يقول غوديث بتلر الفيلسوف البريطاني المعاصر إن رؤى سعيد العميقة وامتلاكه قدرة استثنائيّة على تخيّل عوالم بديلة ممكنة للصور الديماغوجيّة التي تروجها الإمبراطوريّات هي التي مكّنته من كشف آليات الاستشراق المعقدّة، ولاحقاً من تقديم حلول واقعيّة للقضيّة الفلسطينيّة في ضوء الاستحالة الأكيدة لإمكان الإلغاء التام لأي من طرفي معادلة الصراع. لكن ذلك تسبب له بأعداء من قصار النظر على الجانبين. ورغم الفتوحات المجيدة لسعيد في تقويض التصورات الاختزاليّة المتوارثة والصور النمطيّة عن الآخر، فإنه كذلك أصبح هدفاً لمثقفين اتهموه بتجاهل حقيقة أن الهويّات الموهومة التي يختلقها البشر لنزع الأنسنة عن الآخر المختلف إنما هدفت دائماً لتبرير الاستغلال الاقتصادي أساساً، وخلق نوع من تحالفات عابرة للطبقات تكرّس أسس الهيمنة القائمة وتضمن استدامتها من خلال نسج عدو مشترك - نقيض. وقال آخرون إنه جعل من الشرق بمثابة ضحيّة بلهاء، تسبب بتخلفِها المستعمر المقبل من وراء البحار، لا عهود متطاولة من التخلّف الاجتماعي والثقافي والصراعات السياسيّة والآيديولوجيّة الدمويّة العقيمة. سعيد رحل دون أن يردّ شخصيّاً على كثرة من هؤلاء. لكنّ ما حققه في حياته كان أكبر من أن يُساء إليه في تفصيل جانبي هنا أو هناك. لقد علّمنا هذا الرّجل أن نمتلك العقل النقدي والقدرة على تحدي السرديّات المسمومة في مواجهة غطرسة الإمبراطوريّات، وأنه يمكننا دائماً تخيّل عوالم ممكنة لا تحكمها التصورات المسبقة ومصالح المهيمنين. كما نجح وحيداً تقريباً في فرض صورة أكثر صدقاً في ذهن المجتمع الغربي عن المشروع الاستعماري الإسرائيلي في قلب فلسطين الذي تمتع قبل سعيد باحتكار تام للسرديّة، وبالتالي للتحالفات وردود الأفعال الممكنة. وفوق ذلك كله، فإن أفكاره صارت اليوم ملجأ لتحالف المتضررين العريض من سياسة الإمبراطوريّة المعولمة الغاشمة ونقطة انطلاقه لتفكيك الخطابات الاستعمارية والشعبوية والعنصرية في صيغها المتجددة.
نُقل عن إدوارد سعيد قوله: «أنا مجرد أستاذ يعلّم استخدامات اللغة وسوء استخداماتها أيضاً». وكأنه يقول إن الإمبراطوريات تكبر في فضاء سوء الاستخدام المتعمد للكلمات. أليست تلك هي خلاصة التاريخ البشري كلّه؟



الحب بتوقيت «لينكد إن»... من منصة مهنية إلى تطبيق تَعارُف ومواعدة

تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)
تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)
TT

الحب بتوقيت «لينكد إن»... من منصة مهنية إلى تطبيق تَعارُف ومواعدة

تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)
تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)

ليس من المستغرَب مؤخراً أن يتحوّل طلب المتابعة على «لينكد إن» إلى طلب مواعدة. فالمنصة التي ارتبطت وما زالت بالمحتوى المهني والوظيفيّ تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى مساحة خصبة للتلاقي العاطفي. هنا، ما عاد البحث جارياً فقط عن الشراكات المالية والاستثمارية والمهنية، بل عن شريك حياة.

لطالما نُظِرَ إلى «لينكد إن»، منذ تأسيسها عام 2002، على أنها أكثر منصّات التواصل الاجتماعي جدّيّةً. اقتصر استخدامها على الراغبين في التطوّر مهنياً أو في الحصول على وظيفة، لكنّ السنتَين الأخيرتَين شاهدتان على تواصل من نوعٍ آخر على المنصة. تتعدّد أسباب هذا التحوّل، على رأسها التعب والملل من تطبيقات المواعدة المعروفة، إضافةً إلى ميزة لدى «لينكد إن» هي أنها أكثر المنصّات مصداقيةً من حيث المعلومات المنشورة عن المستخدمين.

إدارة «لينكد إن» لم تُرِد لنفسها هذا المصير بدليل التصريح الذي أدلت به إلى مجلّة «نيوزويك» الأميركية عام 2024، تعليقاً على لجوء الناس إليها بحثاً عن شركاء عاطفيين. «(لينكد إن) مجتمع مهني، ونحن نشجع المستخدمين على المشاركة في حوارات هادفة وصادقة»، قال متحدّث باسم الشركة. وأضاف: «يُعدّ التحرش العاطفي أو أي شكل من أشكال المضايقة انتهاكاً لقواعدنا. ويمكن للمستخدمين الإبلاغ عن أي حالة تحرّش، ما يسمح لنا باتخاذ الإجراءات اللازمة».

لماذا تحوّلت «لينكد إن»؟

* مصداقيّة المنصة

غالباً ما يعتمد مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي الزيفَ والنفاق في التعريف عن أنفسهم. ليس أسهل من استخدام صورة شخصية مزيّفة على «إنستغرام»، أو ادّعاء منصب مهني على فيسبوك، أو انتحال شخصية على «إكس». إلا أن «لينكد إن» ليس مكاناً مناسباً للهو، وهنا يكمن أحد عناصر جاذبيّته بالنسبة للساعين إلى علاقة عاطفية جادّة.

ما يضاعف عنصر المصداقية أن هذا الموقع المخصص للتواصل المهني، يطلب من المستخدمين ربط صفحاتهم الشخصية بصفحات أصحاب العمل الحاليين والسابقين.

تتميز «لينكد إن» عن سواها من منصات في المصداقية بعرض المعلومات الشخصية (لينكد إن)

يقول خبير الإعلام الرقمي ومنصات التواصل بشير التغريني في هذا الإطار، إنّ «المعلومات الشخصية على (لينكد إن) غالباً ما تكون دقيقة، من هنا تأتي ثقة المستخدم الباحث عن علاقة جادّة». لكن التغريني يلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه مقابل الباحثين عن شريك عبر «لينكد إن» عن سابق إدراك، «ثمة مَن يفعلون ذلك من دون وعيٍ بماهيّة المنصة بل لمجرّد رواجها مؤخراً».

* سهولة الاختيار والتواصل

من بين الأسباب التي فتحت الطريق إلى التواصل العاطفي على «لينكد إن»، أنّها المساحة الافتراضية الأقرب إلى الواقع. هنا، يستطيع المستخدم تعزيز فرَصِه والاختيار على أساس المواصفات الشخصية والمهنية التي تناسبه. بكبسة زرّ واحدة، يمكنه الاطّلاع على السيرة الذاتية بتفاصيلها، بما فيها الدراسة والوظائف والهوايات والاهتمامات والأنشطة الإنسانية والخيريّة.

كما أنّ المقاربة على «لينكد إن» ليست معقّدة ولا هي مدعاة للإحراج، إذ يمكن أن يتّخذ التواصل الأول شكل طلب نصيحة مهنية أثناء احتساء فنجان قهوة. وهكذا مقاربة تَقي من الضغوط والارتباك المصاحِبة عادةً للمواعدة.

تأسست «لينكد إن» عام 2002 بهدف تسهيل العثور على فرص عمل (رويترز)

* الإرهاق من تطبيقات المواعدة

يشتكي عدد كبير من مستخدمي تطبيقات المواعدة مؤخّراً من إرهاق، وخيبة، وملل من تلك المنصات المخصصة للبحث عن شركاء عاطفيين. ومن دون الغوص في تفاصيل الأسباب المتراوحة بين عدم الجدّيّة، والاختفاء المفاجئ، والابتزاز، وعدم التكافؤ الفكري، يفرض «لينكد إن» نفسه منصة عاطفية بديلة.

يشرح التغريني أن «الناس باتوا متردّدين في التعامل مع منصات المواعدة المعروفة مثل (تيندر) و(بامبل) وغيرهما، كما أنهم يُبدون حذَراً تجاه تلك المنصات تفادياً للصدمات السلبية والابتزاز الجنسي».

مستخدمو تطبيقات المواعدة مرهَقون منها ووجدوا البديل في «لينكد إن» (بكسلز)

* «ميكس» العمل والتسلية

فرض الجيل زد أو «الجيل الرقمي» خلال العقد الماضي تحوّلاً في العقلية الرقمية. لا يعترف هذا الجيل بالحدود المرسومة للمنصات وهي كلّها متداخلة وفق نظريته. قد يستخدم أبناء هذا الجيل «إنستغرام» مثلاً كمنصة لإيجاد فرص عمل وبناء شبكاتٍ مهنية، ويتعامل مع «لينكد إن» كرديفٍ لتطبيقات التعارف مثل «بامبل» و«تيندر». لا يمانع الجيل الجديد الدمج ما بين العمل والتسلية، وهذا ما فرض التحوّل المستجدّ على «لينكد إن».

* «لينكد إن cool»

منذ مدّة تشهد منصة «لينكد إن» على تحوّلاتٍ تجعلها تبدو أقلّ جدّيةً وصرامة، فالنشر عليها ما عاد ينحصر بالوظائف الشاغرة والإنجازات المهنية. تجد المقولات الملهمة هنا والصور والفيديوهات الطريفة هناك، إلى جانب ظهور مؤثّرين على «لينكد إن» كما هي الحال على المنصات الأخرى مثل «إنستغرام» و«تيك توك»، والتي تُعتبر cool مقارنةً مع «لينكد إن».

تقترب «لينكد إن» مؤخراً من المنصات الأخرى لناحية المحتوى الخفيف وانتشار ظاهرة المؤثرين (بيكساباي)

أخلاقيّات الحبّ على «لينكد إن»

في وجه هذا الاجتياح العاطفي لـ«لينكد إن»، ثمة عدد كبير من المستخدمين المستهجنين لما يحصل. يجدون أنه من المتطفّل وغير اللائق استعمال المنصة وسيلةً للعثور على شركاء عاطفيين.

أما الأخطر من ذلك فهو المزج بين العاطفي والمهني في مساحة مخصصة أصلاً للأعمال والوظائف. وثمة قناعة بأنّ مَن يتجاوزون الهوية المرسومة للمنصة يُخاطرون بعلاقاتهم المهنية وسُمعتهم، فالأمرُ أَشبَه بالمغازلة في المكتب.

يوافق التغريني هذا الرأي معتبراً أنّ «مقاربة شخص على (لينكد إن) بهدف التعارف ليس بالأمر المهني». ويضيف خبير الإعلام الرقمي أن «المحترفين والعارفين بهويّة تلك المنصة من المستبعد أن يستجيبوا أو أن يستسيغوا فكرة أن يتقرب منهم أحد لأسباب عاطفية على (لينكد إن) تحديداً». هذا بصورة عامة، أما عندما يتعلّق الأمر بموظّفين في الشركة نفسها فيصبح أكثر تعقيداً.


إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).