تركيا: محاكمة صحافيي «جمهوريت» تثير موجة جديدة من القلق

المعارضة تنتقد وتحذيرات دولية من الضغوط على الإعلام

ناشطون أتراك يحتجون على محاكمة صحافيين في إسطنبول أمس (أ.ب)
ناشطون أتراك يحتجون على محاكمة صحافيين في إسطنبول أمس (أ.ب)
TT

تركيا: محاكمة صحافيي «جمهوريت» تثير موجة جديدة من القلق

ناشطون أتراك يحتجون على محاكمة صحافيين في إسطنبول أمس (أ.ب)
ناشطون أتراك يحتجون على محاكمة صحافيين في إسطنبول أمس (أ.ب)

انطلقت في إسطنبول، أمس، محاكمة 17 من الصحافيين والمسؤولين في صحيفة «جمهوريت» التركية، والذين وجه إليهم الادعاء العام تهم دعم والترويج لمنظمة إرهابية دون أن يكونوا أعضاء فيها، لتضاف هذه المحاكمة إلى الكثير من القضايا تتعلق بحرية الصحافة والتعبير التي تواجه الحكومة التركية بسببها انتقادات داخلية وخارجية واسعة.
وتجمع مئات من نواب حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي المعارضين والناشطين الحقوقيين والمواطنين من قراء الصحيفة، التي تعد أحد الأصوات القليلة المعارضة في تركيا، أمام القصر العدلي في منطقة تشاغليان في إسطنبول وأمام مقر الصحيفة نفسها في حي بيشكتاش للاحتجاج على محاكمة الصحافيين والمسؤولين بها، مرددين أن «الصحافة ليست جريمة».
ويطالب الادعاء بعقوبات تتراوح بين السجن 7 سنوات ونصف السنة، و43 سنة للعاملين في الصحيفة، وبينهم عدد من أشهر الصحافيين في تركيا، اتهموا باستهداف الرئيس رجب طيب إردوغان «بوسائل حرب غير متكافئة».
ومن الأسماء المعروفة في الأوساط الإعلامية والسياسية والشعبية في تركيا، من بين الخاضعين للمحاكمة الكاتب قدري غورسال، ورئيس التحرير مراد صابونجو، إضافة إلى رسام الكاريكاتير موسى كارت، والكاتب الصحافي الاستقصائي أحمد شيك، المعروف خصوصا بكتابه الذي نشر عام 2011 تحت عنوان «جيش الإمام» الذي كشف فيه مدى قوة القبضة التي كانت لدى حركة الخدمة التابعة لفتح الله غولن، المتهم بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا العام الماضي، على الدولة التركية.
ومن بين المتهمين السبعة عشر، يحاكم 11 منهم وهم رهن الحبس الاحتياطي، بمن فيهم غورسال وصابونجو وكارت وشيك، بينما الستة الآخرون خارج السجن لكنهم يخضعون للإشراف القضائي.
وبالإضافة إلى ذلك، يحاكم غيابيا رئيس تحرير الصحيفة السابق جان دوندار الذي فر إلى ألمانيا، حيث حكم عليه بالسجن لمدة خمسة أعوام وعشرة أشهر على خلفية تقرير في الصفحة الأولى اتهم فيه الحكومة التركية بإرسال أسلحة إلى سوريا في القضية المعروفة باسم «شاحنات المخابرات». وحكم في هذه القضية بالسجن المؤبد في 14 يونيو (حزيران) الماضي على نائب حزب الشعب الجمهوري أنيس بربر أوغلو، بتهمة إفشاء أسرار الدولة بغرض التجسس السياسي أو العسكري، بعد أن سلّم الصحيفة نفسها مقاطع فيديو تظهر عمليات نقل أسلحة إلى تنظيم داعش في سوريا من خلال 3 شاحنات ترافقها عناصر من المخابرات التركية، أوقفت في أضنة جنوب تركيا في 19 يناير (كانون الثاني) عام 2014. وقالت الحكومة آنذاك إنها كانت تنقل مساعدات طبية إلى التركمان في شمال سوريا، وإن حركة غولن دبرت عملية التوقيف بهدف إحداث اضطراب في البلاد والإطاحة بالحكومة التي كان يترأسها إردوغان في ذلك الوقت، ونشرت الصحيفة هذه المقاطع في مايو (أيار) 2015.
وقضى المحبوسون من صحافيي وإداريي صحيفة «جمهوريت» 267 يوما في السجن، باستثناء أحمد شيك الموقوف منذ 206 أيام، وظلت الصحيفة منذ اعتقالهم تخصص مساحات بيضاء في مكان أعمدتهم.
وجاء في لائحة الاتهام الواقعة في 324 صفحة أن جماعة غولن، المقيم في بنسلفانيا بالولايات المتحدة منذ عام 1999، سيطرت بشكل فعال على صحيفة «جمهوريت»، وتم استغلالها «للتغطية على أعمال الجماعات الإرهابية». ووصفت الصحيفة التهم بأنها «اتهامات وهمية وتشهير».
وتشكل التدوينات على تطبيقات التواصل الاجتماعي الجزء الأكبر من الأدلة التي استندت إليها لائحة الاتهام، إضافة إلى مزاعم بأن المتهمين كانوا على اتصال بمستخدمي تطبيق «بايلوك» للرسائل المشفرة، الذي تقول الحكومة إن أتباع غولن كانوا يستخدمونه للتواصل فيما بينهم.
وتتضمن لائحة الاتهامات أيضا بدعم حزب العمال الكردستاني، وحزب جبهة التحرير الشعبي الثوري، وحركة غولن التي تسميها الحكومة «منظمة فتح الله غولن الإرهابية».
وقد عرفت الصحيفة، التي تأسست عام 1924، بعد عام واحد من تأسيس الجمهورية التركية، بهجومها وانتقاداتها للمجموعات الثلاث.
وتشير لائحة الاتهامات إلى أن «جمهوريت» أطلقت عملية تهدف إلى بدء «حرب غير متكافئة» ضد إردوغان وكتابة أخبار تخدم «المناورة الانفصالية». وخلال جلسة أمس، طالب رئيس تحرير «جمهوريت» بتأجيله حتى 25 يوليو (تموز)، مشيرا إلى أنه تمت مصادرة بعض وثائقه وتقارير صحفته، ثم قبلت المحكمة طلبه.
وفي الوقت نفسه، قال غورسال إن الادعاءات المتعلقة بعلاقته مع حركة غولن، لا أساس لها، وإنه لم يرد على أي مكالمات أو رسائل من المنظمة.
ووصف المدير التنفيذي للصحيفة أكن أتالاي التحقيق في الصحيفة بأنه «جريمة قتل قانونية كاملة»، مشيرا إلى أن الهدف كان إما إسكات الصحيفة أو الاستيلاء عليها، مشيرا إلى أن الصحيفة ليست لها علاقة بأي تنظيمات أو جماعات تغلغلت في مؤسسات الدولة، وتعهد بمواصلة نضالها من أجل القيام بالصحافة حتى النهاية.
وتخشى المعارضة التركية من استغلال السلطات حالة الطوارئ المفروضة عقب محاولة الانقلاب الفاشلة لملاحقة كل من يتحدى إردوغان. وقالت فيليز كيريتجي أوغلو، النائبة بالبرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي المعارض، والتي وجدت أمام المحكمة: «وفقا للحكومة كل من في المعارضة إرهابي... هم فقط (الحكومة) ليسوا إرهابيين».
وينتقد حلفاء تركيا في الغرب تدهور وضع حقوق الإنسان والحريات في تركيا، بعد أن تم حبس أكثر من 50 ألفا وفصل أكثر من 155 ألفا من أعمالهم في مختلف أجهزة ومؤسسات الدولة منذ محاولة الانقلاب.
وقالت نقابة الصحافيين الأتراك إن السلطات أغلقت نحو 150 وسيلة إعلامية، وسجنت نحو 160 صحافيا ضمن هذه الحملة التي تسببت في توتر العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، إلا أن رد فعل الاتحاد كان محدودا نظرا لاعتماده على أنقرة في كبح تدفق المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا.
وتتزامن محاكمة صحافيي ومسؤولي صحيفة «جمهوريت» مع تصاعد أزمة جديدة بين تركيا وألمانيا بسبب اعتقال 10 حقوقيين، بينهم ألماني في 5 يوليو الجاري اتهمهم إردوغان بالتخطيط لمحاولة انقلاب جديدة ووجه لهم الادعاء العام تهم دعم الإرهاب.
وعززت ألمانيا ضغوطها في الأيام الأخيرة، وهددت بإجراءات تعطل الاستثمار الألماني في تركيا وبمراجعة طلبات أنقرة المتعلقة بصفقات السلاح.
وينظر إلى المحاكمة على أنها اختبار لحرية الصحافة في تركيا، التي حلّت في المرتبة 155 في آخر مؤشر لمنظمة «مراسلون بلا حدود» المتعلق بحرية الصحافة في العالم، أي بعد بيلاروسيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
وتقول مجموعة «بي24» لحرية الصحافة، إن هناك 166 صحافيا يقبعون في السجون التركية، اعتقل معظمهم في ظل حالة الطوارئ. إلا أن إردوغان يقول إن هناك «صحافيين حقيقيين اثنين فقط» خلف القضبان في تركيا، والباقون متورطون في الإرهاب.
ويرى قراء صحيفة «جمهوريت» أن الاتهامات الموجهة ضد العاملين فيها تهدف فقط إلى تكميم أفواههم وتضييق الخناق على صحيفتهم. واعتبر أمين عام منظمة «مراسلون بلا حدود»، كريستوف دلوار، أن «الصحافة التركية بأسرها وليست فقط (جمهوريت) هي التي تحاكم» قائلا إن «الصحافيين يعاملون مجددا كإرهابيين لقيامهم بوظيفتهم».
وقالت مجموعة العمل حول الاعتقال التعسفي التابعة للأمم المتحدة الشهر الماضي إن اعتقال العاملين في «جمهوريت» كان تعسفيا، داعية إلى الإفراج الفوري عنهم ومنحهم حق الحصول على تعويض لأن سجنهم «ناتج عن ممارستهم لحقوقهم وحرياتهم»، معربة عن قلقها بشأن «ضبابية» الاتهامات الموجهة إليهم المتعلقة بدعم مجموعات إرهابية
من جانبه، قال هارلم ديسير ممثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، المعني بحرية الإعلام، إن بدء المحاكمة ضد الصحافيين وأعضاء مجلس إدارة صحيفة «جمهوريت» يسلط الضوء على الحاجة الملحة لحماية الصحافة وتحسين حرية الإعلام في تركيا. وأضاف في بيان: «سوف أتابع عن كثب الإجراءات التي بدأت صباح اليوم (أمس) في إسطنبول ضد 17 صحافيا، ومحررا وأعضاء في مجلس إدارة جمهوريت، بمن فيهم جان دوندار وقدري غورسال ومراد صابونجو وأحمد شيك.. الصحافة تلعب دورا أساسيا في النهوض بالديمقراطية. ولذلك، فإنني أدعو تركيا إلى إسقاط التهم والإفراج عن جميع الصحافيين الذين سجنوا بسبب عملهم وبدء الإصلاحات السياسية التي تشتد الحاجة إليها لحماية حرية الإعلام في البلاد».



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».