«الشرق الأوسط» تستعرض خريطة انتشار القوى العسكرية على الساحة الليبية

بعد «انتصار بنغازي»... هل يتجه حفتر إلى درنة أم طرابلس؟

TT

«الشرق الأوسط» تستعرض خريطة انتشار القوى العسكرية على الساحة الليبية

بعد ثلاث سنوات من القتال، حسمت قوات المشير خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني الليبي»، معركة بنغازي، المدينة التي انطلقت منها شرارة الثورة ضد نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، ونجحت قوات حفتر قبل يومين في دخول حي الصابري، آخر الأحياء التي كانت ما زالت تحت سيطرة مسلحين بعضهم محسوب على تنظيم «القاعدة» (مثل «مجلس شورى بنغازي») وبعضهم كان يقاتل تحت راية «داعش».
وأوقعت معركة بنغازي مئات القتلى والجرحى، وخلّفت أحياء مدمّرة تدميراً شبه كامل. لكن حسمها، على رغم التكلفة العالية، يطرح تساؤلات حول الوجهة المقبلة لقوات حفتر وإمكان حصول مواجهة بينها وبين بقية خصومها، بما في ذلك القوات الموالية لحكومة الوفاق بقيادة فائز السراج في غرب البلاد.
تقول الباحثة المختصة في الشؤون الليبية ماري فيتزجيرالد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «ثلاث سنوات من الحرب تعني أن قوات حفتر يمكنها أن تعلن النصر هذا الأسبوع، إلا أن بنغازي ما زالت تواجه تحديات كبيرة، بما فيها تحديات المصالحة وإعادة الإعمار لمنع اشتعال العنف مجدداً». وتضيف موضحة: «لقد لحق الكثير من الضرر بالتركيبة الاجتماعية للمدينة. حفتر قد يحرّك قواته في وقت قريب غرباً نحو سرت أو بني وليد، وفي الوقت نفسه يواصل تثبيت موقعه في شرق البلاد. لكن التوتر والتنافس الداخلي في صفوف معسكر حفتر نفسه يمكن أن يؤديا إلى إبطاء اندفاعاته».
ويتفق معها في هذا الرأي الباحث الليبي عاشور الشامس الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «ليس هناك قوة واحدة يمكن أن تسيطر على البلد كله. السلطة موزعة بين قوى مسلحة وسياسية متنافسة، لكن لا أحد لديه القوة الكافية كي يحكم وحده».
وهو يعتبر أن إعلان حسم معركة بنغازي لا يعني انتهاء المعركة بين حفتر وخصومه، إذ يشير إلى أن عناصر المجموعات التي كانت محاصرة في المدينة (وتحديداً في سوق الحوت وحي الصابري) «انسحبوا إلى خارجها. سيعاودون تجميع قواهم ويعودون إليها... ربما عبر تفجيرات» حتى وإن لم يكونوا قادرين على استعادتها عسكرياً.
وهو يشير، كما يبدو، إلى عناصر «مجلس شورى بنغازي» الذين يحظون بدعم من إسلاميين، بعضهم محسوب على تنظيمات متشددة. وشن «مجلس شورى بنغازي» وجماعات أخرى قبل شهور معركة مفاجئة ضد قوات حفتر في الهلال النفطي على الساحل الليبي. لكن جيش حفتر سرعان ما استعاد المبادرة، وطرد خصومه من هذه المنطقة الاستراتيجية.
وترددت معلومات قبل يومين عن مواجهة مسلحة وقعت بين قوات حفتر غرب الهلال النفطي وقوات موالية لحكومة السراج، وتحديداً في منطقة أبو هادي جنوب مدينة سرت. لكن الشامس يستبعد حصول مواجهة وشيكة بين الطرفين، على رغم تهديدات حفتر المتكررة بنقل المعركة إلى غرب ليبيا بهدف الدخول إلى العاصمة طرابلس.
ويقول إن وصول حفتر من شرق ليبيا إلى طرابلس في غربها يتطلب منه المرور عبر مدينة مصراتة «وهو أمر لا يبدو ممكناً عسكرياً، كون مصراتة هي القوة المهيمنة في الغرب الليبي».
ولعبت قوات مصراتة، وبعضها محسوب على جماعات إسلامية، دوراً أساسياً في طرد تنظيم داعش في معقله في مدينة سرت، وهي ما زالت تنتشر في المدينة إلى اليوم.
ويبدو الأمر محسوماً عسكرياً لحفتر في الشرق الليبي، باستثناء مدينة درنة، معقل الإسلاميين، التي يمكن أن تكون إحدى الوجهات المقبلة لحفتر بعد بنغازي. لكن معركة درنة ربما لن تكون سهلة نتيجة امتداد هذه المدينة مع الجبل الأخضر، الذي يُعتبر حصناً منيعاً نتيجة طبيعته الجغرافية. وكان هذا الجل معقلاً أساساً للمتشددين خلال حربهم ضد نظام القذافي في التسعينات.
وبعكس الشرق الليبي، تبدو خريطة توزع الجماعات المسلحة في غرب البلاد أكثر تعقيداً بأشواط. ففي الغرب هناك عشرات المجموعات المسلحة، يتحكم كل منها بمدينة أو حي، ويتوزع ولاؤها بين حكومة الوفاق برئاسة السراج، وإلى حد ما حكومة الإنقاذ الوطني برئاسة خليفة الغويل، كما أن هناك مجموعات أخرى موالية لحفتر وجيشه.
وحققت حكومة السراج في الأيام الماضية سلسلة انتصارات على الأرض تمثلت في سيطرة موالين لها على مواقع مهمة في طرابلس ومحيطها، بما في ذلك مطار طرابلس ومطار معيتيقة وسجن الهضبة، ومواقع أخرى كانت خاضعة لسيطرة جماعات متشددة، بما في ذلك جماعات يقودها قياديون سابقون في «الجماعة المقاتلة» باتوا جزءاً من الحكومات المتعاقبة بعد سقوط حكم القذافي. وبين أبرز المجموعات التابعة لحكومة السراج في طرابلس «كتيبة النواصي»، و«قوة الردع الخاصة»، علماً بأن هذه القوة الأخيرة (الردع) هي التي أوقف شقيق منفّذ هجوم مانشستر سلمان العبيدي، الذي أقر بأنهما مواليان لتنظيم «داعش».
لكن الشامس يقول في هذا الإطار إن مشكلة السراج في غرب ليبيا هي أن معظم المجموعات التي تُحسب على حكومته تعمل معها فقط في إطار «تفاهمات... هذا لا يعني أن ولاءها مضمون مائة في المائة». ويلفت إلى أن القوة الأساسية الموالية للسراج في غرب ليبيا حالياً هي قوات مدينة مصراتة و«هذه القوات معادية عداء تاماً لحفتر، لكن هناك مؤشرات إلى تفاهمات يمكن أن تحصل بينهما، وهو أمر سيشكل إذا ما حصل فعلاً تهديداً للسراج في طرابلس نفسها».
لكن رهان حفتر على دخول طرابلس لا يبدو مرتبطاً في الحقيقة بموقف مصراتة، سواء ناصبته العداء أو تحالفت معه. ويبدو موقف القوات العسكرية التي تسيطر على منطقة ورشفانة، قرب طرابلس، محورياً في هذا المجال. وتنتشر في هذه المنطقة قوات تابعة للجيش الليبي، وكانت قد خاضت معارك ضارية ضد جماعات متطرفة.
ويعتبر الشامس، في هذا المجال، أن قوات منطقة ورشفانة يمكن فعلاً أن تنضم إلى حفتر، لكن ليس واضحاً إذا كانت ستقبل خوض معارك خارج نطاقها الجغرافي، علماً بأن هذه المنطقة «هادئة» عسكرياً منذ شهور.
وإضافة إلى ورشفانة، يملك حفتر مجموعات مؤيدة له في الزنتان في الجبل الغربي، لكن فيها أيضاً مجموعات معارضة، لعل أبرزها تلك الموالية لأسامة الجويلي، وزير الدفاع في حكومة عبد الرحيم الكيب، الذي عيّنه السراج أخيراً قائداً عاماً لـ«المنطقة العسكرية الغربية»، بحسب توزيع المناطق العسكرية التابعة لحكومة الوفاق. ورفض حفتر هذه المناقلات العسكرية التي أجراها السراج.
وللسراج رسمياً قوة عسكرية أساسية مكلفة حماية حكومته في طرابلس، وهي قوة «الحرس الرئاسي» بقيادة نجمي الناكوع. لكن «الحرس الرئاسي» ما زال في طور البناء، ولم يصبح بعد قوة عسكرية يمكن أن تفرض نفسها على بقية المجموعات المسلحة، في حال حصل صدام بينها.
وتلاحظ الباحثة فيتزجيرالد في تصريحاتها لـ«الشرق الأوسط» أن «ميزان القوى في طرابلس ما زال غير ثابت، والولاءات لحكومة السراج تنتقل بحسب تغيّر الديناميات. إلى الآن، معظم الجماعات المسلحة في العاصمة هي إما تدعم أو مترددة إزاء حكومة السراج تبعاً لما تعتقد أنه سيكون لمصلحتها في نهاية المطاف. مصراتة مقسومة، فبعض العناصر فيها تدعم خليفة الغويل والدائرة المحيطة به. وعلى رغم أنه ضعُف كثيراً، إلا أن محاولة الغويل وحلفائه إعادة تثبيت أنفسهم في طرابلس لا يمكن تجاهلها كلياً».
أما الشامس فيقول إن حكومة الغويل لا تشكّل منافساً فعلياً للسراج في غرب ليبيا، رغم أن لديها وزراء «يشرفون» على عمل قطاعاتهم من قلب طرابلس. لكن نفوذ «وزراء الغويل» محدود جداً، لا سيما في ظل الاعتراف الدولي بوزراء حكومة السراج فقط في طرابلس.
أما في الجنوب الليبي، فلا يبدو أن هناك قوة عسكرية واحدة قادرة على السيطرة على هذه المنطقة الصحراوية المترامية الأطراف، التي تُعتبر ممراً أساسياً لنشاط المهربين والجماعات المسلحة التي لديها امتداد مع بلدان الساحل الأفريقي، بما في ذلك فرع «القاعدة». ويقول الشامس إن هناك قوات موالية لحفتر في الجنوب، وأخرى موالية لحكومة السراج، وأخرى أيضاً ما زالت على ولائها لنظام القذافي، كما أن هناك مجموعات متنافسة تتوزع بحسب انتمائها الإثني بين التبو والطوارق.
ورغم أن «داعش» كان قد أنشأ «ثلاث ولايات» في ليبيا هي طرابلس (غرب) وبرقة (شرق) وفزان (الجنوب)، فإنه بعد هزيمته في سرت لم يعد يشكّل تهديداً أساسياً، ربما باستثناء قيامه بهجمات متفرقة ضد خصومه الكثيرين في أنحاء ليبيا.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.