الرئيس التنفيذي لـ«الزامل للخدمات البحرية»: نستهدف بناء تسع سفن وإصلاح 200 سنويا

قال لـ {الشرق الأوسط} إن المجموعة استثمرت 800 مليون دولار في الصناعة

سفينة بعد اكتمالها في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام. وفي الإطار سفيان الزامل («الشرق الأوسط»)
سفينة بعد اكتمالها في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام. وفي الإطار سفيان الزامل («الشرق الأوسط»)
TT

الرئيس التنفيذي لـ«الزامل للخدمات البحرية»: نستهدف بناء تسع سفن وإصلاح 200 سنويا

سفينة بعد اكتمالها في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام. وفي الإطار سفيان الزامل («الشرق الأوسط»)
سفينة بعد اكتمالها في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام. وفي الإطار سفيان الزامل («الشرق الأوسط»)

تقترب مجموعة «الزامل للخدمات البحرية» من إكمال ورشة المجموعة في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام، والتي ستمثل نقلة نوعية في تصنيع وإصلاح السفن في السعودية، والتي تقدر استثمارات المجموعة فيها بنحو ثلاثة مليارات ريال (800 مليون دولار).. وفي هذا الحوار تلتقي «الشرق الأوسط» المهندس سفيان الزامل، الرئيس التنفيذي لمجموعة «الزامل للخدمات البحرية» للحديث عن هذه الصناعة ومدى الإضافة التي تعزز بها الاقتصاد السعودي، وكذلك التحديات التي تواجهها:
* ما الأسباب التي دفعت شركة الزامل إلى الدخول في مجال صناعة بناء السفن وتوطينها سعوديا؟
- السبب الأول والرئيس هو أن صناعة بناء السفن هي صناعة استراتيجية بالمقام الأول، وكذلك وجود طلب متنام لشركة أرامكو السعودية لخدمة حقولها البحرية، وخصوصا مع تركيزها على زيادة الإنتاج من الحقول البحرية تدريجيا.
كما أن للسعودية سواحل بحرية تحدها من الشرق والغرب بامتداد مئات الكيلومترات وبها الكثير من الموانئ البحرية والتي تحتاج جميعها لقاطرات وسفن خدمة بحرية، كذلك وجود وحدات بحرية سريعة متخصصة في قطاع حرس الحدود، ووجود قطع بحرية دفاعية وهجومية في القوات البحرية. كما أن مجموعة الزامل انتهجت مند نشأتها فكرة التنوع وتوطين الصناعات العالمية في السعودية، كما حدث في صناعات التكييف والحديد، لذا قررت المجموعة الاستثمار في هذه الصناعة والعمل على توطينها والمساهمة في زيادة القيمة المضافة للاقتصاد السعودي.
ويعد الدخول في هذه الصناعة تكاملا طبيعيا لمساندة التوسع في عدد وحدات الأسطول المملوك للشركة والذي جرى بناؤه محليا، كما يضمن للشركة الصيانة والإصلاح والتعديل والتطوير داخل السعودية.
* دخلت صناعة السفن للسعودية في عام 2002، عبر مجموعة الزامل.. ما حجم التطور الصناعي الذي حدث حتى الآن؟
- في الفترة من 2002 إلى عام 2003 قامت الشركة ببناء سفينتين مساندتين للأعمال لخدمة حقول البترول البحرية لشركة أرامكو السعودية، وفى عام 2004 قامت الشركة بالتنويع في بناء السفن وجرى بناء ثلاث قاطرات لعمليات الملاحة في ميناء الدمام.
وفي عام 2005 وبعد تمكن الشركة من بناء ست سفن دخلت الخدمة بنجاح في كل من أرامكو السعودية ومؤسسة الموانئ السعودية اتضح جليا دخول صناعة بناء السفن إلى السعودية، لذا قررت الشركة إحداث طفرة في القطاع الذي تقوده «بناء السفن» ليكون لها مردود عالمي وقررت تصميم وبناء أول قاطرات على مستوى العالم تدار بقوى محركة كهروميكانيكية، وجرى إعداد التصميمات في سنغافورة والنرويج ونجحت الشركة في بناء عشر سفن من هذا التصميم ودخلت العشر سفن الخدمة لدى شركة أرامكو السعودية.
وفى عام 2008 بدأت الشركة في بناء سبع سفن لخدمة حقول البترول البحرية من تصميم رولز رويس واستوردت لها أحدث المعدات والماكينات من الدول المتقدمة في الصناعات البحرية، وجرى بناء السفن بنجاح تحت تصريح تصنيع من رولز رويس لتنضم ترسانة الزامل إلى مصاف الترسانات المتقدمة عالميا في بناء السفن.
وعلى أثر ذلك تمكنت الشركة في عام 2010 من ببناء أكبر سفينتين لخدمة حقول البترول البحري وجرى تزويدها بمعدات لمساندة عمليات الغوص.
وفي عام الماضي فازت الشركة بعقد تشغيل الحوض في ميناء الملك فهد في مدينة جدة على البحر الأحمر، وفي العام الحالي تعد الشركة لافتتاح واحدة من أحدث الترسانات البحرية على مستوى الشرق الأوسط داخل ميناء الملك عبد العزيز بالدمام.
وفي ذات الوقت تعد الشركة لبناء ترسانة رابعة في ميناء ينبع لتكون أكبر ترسانة لإصلاح وبناء السفن على البحر الأحمر.
كل هذا يوضح التطور الهائل الذي قامت وتقوم به مجموعة الزامل في مجال بناء السفن على مدى 12 عاما فهي الأولى والوحيدة بهذه الصناعة حتى الآن، وقد تمكنت خلال تلك الفترة من بناء 47 سفينة، 27 منها لخدمة حقول البترول وثلاث للقوات البحرية والباقي لمؤسسة الموانئ السعودية للعمل بموانئ الدمام والجبيل ورأس الخير وضبا.
* في سبتمبر (أيلول) المقبل سيكتمل بناء الترسانة البحرية للمجموعة بميناء الملك عبد العزيز في الدمام، ماذا يمثل ذلك صناعيا واستثماريا للشركة؟
- لقد قامت مجموعة الزامل القابضة بضخ استثمارات ضخمة تتجاوز المليار ريال (266 مليون دولار) لبناء واحدة من أحدث الترسانات البحرية المتخصصة في بناء وإصلاح السفن في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام بمواصفات عالمية على مساحة مائتي ألف متر مربع جرى ردمها من البحر وجرى تزويدها برافعة للسفن بقدرة تبلغ 7000 طن وجرى بناء مجموعة من أحدث الورش وجرى استيراد أحدث الماكينات والمعدات والتي تضمن الجودة العالية وسرعة الأداء.
ومن الناحية الصناعية، فإن هذه الترسانة ستضاعف من طاقة البناء ليكون في مقدور الشركة بناء من ثماني إلى تسع سفن سنويا وإصلاح ما يقرب من 200 سفينة.
* كم يبلغ حجم استثمارات الشركة في قطاع تصنيع السفن؟
- ما جرى استثماره حتى الآن في بناء السفن والترسانة الجديدة يصل إلى نحو ثلاثة مليارات ريال (800 مليون دولار).
* ما العائد على الاقتصاد السعودي؟
- أينما تنشأ صناعة لبناء السفن في بلد من البلدان تنشأ حولها صناعات كثيرة للخامات والمعدات والماكينات البحرية المغذية وتصبح الدولة مركزا صناعيا متكاملا. الصناعات البحرية ترفع من قدرة الدولة اقتصاديا وتمنحها إمكانية مساندة دفاعاتها الساحلية والبحرية، وهذا ما حدث في كل من الولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا والصين على سبيل المثال.
* ما الأسواق التي تستهدفها المجموعة في الفترة المقبلة؟
- السوق السعودية لكل من أرامكو ومؤسسة الموانئ - القوات البحري وحرس الحدود علاوة على القطاع الخاص هو السوق الرئيسة في الفترة الراهنة، يأتي في المرتبة الثانية السوق الخليجية وهناك عقد جرى توقيعه مع خفر السواحل الكويتية لبناء أربع سفن، وفي المدى الأوسع الشركة تستهدف أسواق الشرق الأوسط بشكل عام.
* هل تخطط المجموعة لدخول مجال تصنيع السفن التجارية وسفن الركاب؟
- في الوقت الحالي تركيز الشركة منصب على بناء سفن خدمة حقول البترول البحرية وخدمة الموانئ وسيضاف لها السفن الحربية إذا ما طلب منها ذلك.
* ما حجم الطلب على صناعة السفن في السوق السعودية والسوق الخليجية؟
- لا توجد إحصاءات دقيقة لأن الصناعة صناعة عالمية مفتوحة، ولكن مبدئيا يمكن أن نذكر أن احتياجات شركة أرامكو وحدها تصل إلى 30 سفينة سنويا خلال العامين القادمين بخلاف الموانئ وحرس الحدود والقوات البحرية.
* ما أبرز الشركات المنافسة سواء إقليميا أو عالميا؟
- محليا، تعد الشركة الوحيدة في مجال بناء وصيانة السفن، وإقليميا يوجد بالإمارات وقطر أربع ترسانات.
* كم عدد السفن العسكرية التي صنعتها الشركة، وما حجم الطلب على هذا النوع من السفن؟
- الشركة لم تبن بعد أي سفن عسكرية، بل بنت سفن قطر للقوات البحرية الملكية السعودية، وتعاقدت مع خفر السواحل الكويتي لبناء أربع سفن.
* كان لدى الشركة توجه لبناء الحفارات البحرية ومنصات البترول، هل ما زال ذلك قائما؟
- طبعا، هذا ما زال ضمن توجه الشركة وهناك دراسة حالية لبناء منصة قابلة للارتفاع تستخدم لصيانة وإصلاح منصات إنتاج البترول والمنشآت البحرية.
* كان لدى الشركة في عام 2008 توجه لاستثمارات خارج السعودية في مجال تصنيع وصيانة السفن، إلى أي مدى سارت في هذا الاتجاه؟
- قررت المجموعة أن تنتظر إلى حين أن يستقر الإقليم العربي سياسيا.
* هل تتجه الشركة للدخول في صناعة اليخوت والقوارب الفارهة التي يكثر عليها الطلب خليجيا؟
- هناك ترسانات كثيرة بالخليج العربي تغطي الاحتياجات الحالية، ومعظم السفن من هذه النوعية تصنع حاليا من اللدائن وليس الحديد والصلب وإنشاء خط إنتاج جديد ليس ضمن خطط الشركة حاليا.
* هل جرى اتخاذ خطوات لتوطين هذه الصناعة وتأهيل كوادر سعودية للعمل بها؟
- قامت الشركة بعمل مجموعة من الدراسات لتوطين تقنيات الصناعة الجديدة وخلصت إلى أنه من الضروري تشجيع القطاع الخاص السعودي على الاستثمار في إنشاء الكثير من الصناعات الصغيرة المغذية لصناعة بناء وإصلاح السفن.
جرى البدء في تزويد الكثير من المصنعين المحليين بمواصفات المكونات والخامات والمعدات البحرية ونجحت الشركة في الحصول منهم على عدد من المنتجات على سبيل المثال «المواسير المجلفنة وبأقطار مختلفة، ممرات تثبيت الكابلات ولوحات التوزيع الكهربية وكشافات الإضاءة، إطارات النوافذ والزجاج الخاص بها، وجميع الإطارات والكفرات، ومعدات وتجهيزات الثلاجات والمطابخ، والأصباغ البحرية الخارجية والداخلية، وبعض الأثاث لكبائن الإعاشة، وأسياخ اللحام».
والشركة اتخذت خطوة متقدمة بإنشاء مكتب لتصميم السفن داخل ترسانتها البحرية وجرى افتتاحه في عام 2009، وقد جرى تجهيزه بأحدث البرمجيات الإلكترونية لأعداد الرسومات التنفيذية والإنتاج كخطوة أولى، وسيجري تطويره في مرحلة لاحقة لإعداد تصميمات متكاملة للسفن.
كما جرى توفير فرص تدريبية للشباب السعودي داخل وخارج السعودية من خلال اتفاقيات تدريب مع الأكاديمية العربية وشركة أرامكو ومؤسسة الموانئ، وجرى إلحاقهم بالعمل بقطاعات الشركة المختلفة. الأهم من ذلك، نعد الخطوات والتوجهات التي اتخذناها في شركة الزامل سيكون لها انعكاسها الإيجابي على الاقتصاد السعودي، حيث ستمهد للكثير من فرص الاستثمار والعمل خاصة للشباب وفى مجال جديد وواعد.
* ما أبرز المعوقات التي تواجه هذه الصناعة؟
- في الواقع، تحتاج هذه الصناعة لاستثمارات مالية كبيرة ودعم وحماية حكومية، كما تحتاج لتحويل المنطقة إلى منطقة حرة، كما أن هذه الصناعة تقوم على الخبرات لذلك تحتاج وجود إجراءات خاصة لتسهيل دخول وخروج الخبراء الأجانب والأطقم البحرية.
وهناك مشكلة في توفير العمالة الخبيرة المتخصصة أجنبية وسعودية (محدودية الفيزات)، وكذلك توفير مركز تدريب نظري وعملي متطور ومحاكيات في حين أن المتوفر حاليا مركز تدريب مبسط.
أيضا هناك غياب للتخصص الهندسي لهذه الصناعة في تخصص بكليات الهندسة بالجامعات السعودية لتخرج مهندسي عمارة السفن والهندسة البحرية مما يحد من إمكانية التطوير، سواء للتصميم أو الإنتاج.



فرص التوظيف بمصر تقاوم «ثورة» الذكاء الاصطناعي

تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة بالتوظيف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة بالتوظيف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
TT

فرص التوظيف بمصر تقاوم «ثورة» الذكاء الاصطناعي

تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة بالتوظيف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة بالتوظيف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

رغم أن تقديرات دولية تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل الوظائف أكثر مما سيقضي عليها، فإن حجم هذا التأثير وطبيعته يتفاوتان من دولة إلى أخرى حسب هيكل الاقتصاد ومستوى التطور التكنولوجي وطبيعة المهارات السائدة في سوق العمل، وخصوصاً في البلدان النامية، وفق ما أكده البنك الدولي، الذي استند في تقديراته إلى بيانات من 25 دولة تضم نحو 3.5 مليار نسمة وتمثل قرابة 80 في المائة من قوة العمل العالمية.

وخلصت هذه التقديرات إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة وأبطأ وتيرة مقارنة بالدول مرتفعة الدخل، ويعود ذلك إلى طبيعة أسواق العمل في هذه الاقتصادات التي تعتمد اعتماداً أكبر على الوظائف اليدوية والمهن القائمة على التفاعل المباشر بين الأشخاص، وهي وظائف لا تزال بعيدة نسبياً عن متناول الأتمتة الراهنة.

المهن اليدوية تصمد أمام ثورة الذكاء الاصطناعي (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

ولا تقف مصر بمعزل عن هذا المشهد؛ إذ يفرض الذكاء الاصطناعي متغيراً جديداً وحاسماً في معادلة التشغيل، لا سيما في ظل وجود فجوة بين أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل وفرص التوظيف المتاحة؛ فوفق تقديرات البنك الدولي، يدخل نحو 1.3 مليون شاب وشابة سوق العمل المصرية سنوياً، في حين لا يتجاوز عدد الوظائف المستحدثة نصف مليون وظيفة في العام ذاته.

وأمام هذه الفجوة المُتّسعة، هل يتحول الذكاء الاصطناعي في هذا السياق تهديداً، أم محركاً للنمو الاقتصادي؟

وبين هذين الاحتمالين، يستحضر المهندس وليد جاد، خبير التحول الرقمي والرئيس السابق لمجلس إدارة غرفة صناعة تكنولوجيا المعلومات باتحاد الصناعات المصرية، سابقة تاريخية يرى أنها تضيء الطريق، فدخول الحاسوب إلى مصر أواخر القرن الماضي، صاحبته مخاوف مماثلة من انعكاساته على سوق العمل وتفاقم البطالة.

لكن استعراض ما آلت إليه تلك الحقبة يكشف عن مفارقة لافتة، وهي أنه «رغم اندثار بعض الوظائف بفعل انتشار الحاسوب، نشأت وظائف أخرى وازدهرت في ظله، فضلاً عن قفزة إنتاجية بلغت عشرة أضعاف».

الذكاء الاصطناعي بدأ التأثير على الأعمال المكتبية والرقمية (حساب القرية الذكية المصرية على فيسبوك)

ويضيف جاد لـ«الشرق الأوسط»: «الذكاء الاصطناعي، وإن كان سيعيد رسم ملامح سوق العمل، يمثل في الوقت نفسه فرصة حقيقية لتعزيز الإنتاجية؛ وسيؤدي إلى ظهور أسواق عمل جديدة كلياً لم تكن في الحسبان».

وغير أن هذا التفاؤل المشروط لا ينفي، في نظر الدكتور أبو العلا عطيفي، أستاذ الذكاء الاصطناعي بكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي في جامعة القاهرة، أن مصر تمر بمرحلة انتقال جوهرية مما يسميه «الهامش التكنولوجي» إلى «التأثير البنيوي العميق» في بنية الوظائف والمهارات المطلوبة.

ويختصر عطيفي جوهر اللحظة الراهنة لـ«الشرق الأوسط» بقوله: «السؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر على سوق العمل المصرية، بل متى وبأي درجة وبأي نمط سيتجلى هذا التأثير؟».

لكن الدكتور أحمد طنطاوي، المشرف على أعمال مركز الابتكار التطبيقي بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، يحذّر من «الإفراط في التخوف من التطور العلمي أو محاربته بهدف تجنب جميع المخاطر المحتملة التي قد تصاحبه؛ بل على المجتمعات والمؤسسات الاقتصادية الساعية إلى النمو أن تتبنى تخطيطاً واقعياً للاستفادة من التكنولوجيا، وتطوير أدوات ونظم مبتكرة تعود بالنفع على مختلف شرائح المجتمع».

الدول النامية تعتمد على الصناعات اليدوية والزراعية (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

ويشدد طنطاوي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على أن «التجارب التاريخية تؤكد أن الطفرات التكنولوجية لا تقتصر على إحداث تغييرات في هيكل الأنشطة الإنتاجية القائمة فحسب، بل تؤدي أيضاً إلى ظهور صناعات وأنشطة جديدة نتيجة الابتكار الخلّاق في توظيف التقنيات الناشئة والاستفادة من تطبيقاتها واستخداماتها المجدية».

الأكثر تأثراً

وتكشف دراسة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية في أبريل (نيسان) 2026، عن أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بات يشكل تهديداً غير متكافئ على قطاعات سوق العمل في مصر، محذرةً من أن الوظائف الأكثر عرضة للاستبدال هي بالضبط تلك التي تمثل البوابة التقليدية للخريجين الجدد نحو العمل الرسمي. ويصف المركز في دراسته، المعنونة بـ«إعادة تعريف العمل في مصر: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل متطلبات المهارات»، بأنها «أول تقدير كمي تجريبي لتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل المصرية»؛ إذ اعتمد فيها على تحليل أكثر من 28 ألف إعلان وظيفي إلكتروني عبر منصات رقمية كبرى.

وتتصدر هذه القائمة فئة موظفي الأعمال المكتبية والإدارية؛ إذ بلغ متوسط مؤشر أتمتة مهامهم نحو 52 في المائة، وهو ما وصفه الباحثون بـ«الإحلال الجوهري»، أي أن الذكاء الاصطناعي يستهدف صميم هذه الوظائف، ولا سيما في مهام معالجة البيانات وجدولة المواعيد وإدارة السجلات.

مصريون يتطلعون لمواكبة التطور التقني (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

غير أن هذه النسبة المرتفعة لا تعني، برأي الدكتور محمد الموجي، رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات بكلية الحاسبات والمعلومات في جامعة المنصورة المصرية، اختفاء المسمى الوظيفي فجأة وبالكامل، بل ما يسميه «الاندماج الهائل»؛ إذ سيتمكن عدد قليل من الموظفين الذين يستعينون بأدوات الذكاء الاصطناعي من إدارة أحجام ضخمة من المعاملات؛ ما يقلّص التوظيف الجديد ويفرز ضغوط بطالة انتقالية حادة.

نمط جديد

ويتوقع الموجي لـ«الشرق الأوسط» أن ينتج من هذا الاندماج نمط جديد هو «الموظف متعدد المهارات؛ فالذكاء الاصطناعي لن يلغي الوظيفة بقدر ما سيتولى المهام الجانبية والروتينية فيها، مما يغيّر طبيعتها جذرياً».

وفي مقابل تلك الفئة المُهددة، تكشف الدراسة عن أن الوظائف اليدوية والحرفية والزراعية هي الأكثر صموداً في مواجهة موجة الأتمتة الراهنة؛ نظراً لاعتمادها على مهارات جسدية دقيقة وبيئات عمل متغيّرة لا يجيد الذكاء الاصطناعي حتى الآن محاكاتها، وهو ما يؤكده الموجي بقوله: «إن وظائف كعمال الزراعة والصيد والبناء والمهن الحرفية، فضلاً عن المجالات القائمة على التفاعل الإنساني كالرعاية الطبية والخدمة الاجتماعية، لا تزال بمنأى عن هذه الموجة في مرحلتها الحالية».

الذكاء الاصطناعي يفرض متغيراً جديداً وحاسماً في معادلة التشغيل (حساب القرية الذكية المصرية على فيسبوك)

أما الشريحة الواقعة بين هذين الطرفين، أي فئة المهنيين، فلن يطولها التأثير الأعمق في صورة استبدال كامل، بل في إعادة تشكيل طبيعة أدوارها من الداخل، حسب دراسة المركز المصري للدراسات الاقتصادية، فالمهن القانونية والاجتماعية، كالمحامين والاختصاصيين الاجتماعيين، تواجه أتمتة تطال نحو 45 في المائة من مهامها الأساسية، فيما تبلغ النسبة 41 في المائة لدى فنيي تكنولوجيا المعلومات، و37 في المائة لدى المهندسين والعلماء، وهذا يعني أن دور هؤلاء المهنيين سيتحول من تنفيذ المهام المعرفية إلى توجيه منظومات الذكاء الاصطناعي والإشراف عليها.

ويتقاطع هذا الاستنتاج مع ما يلاحظه الدكتور حسن أبو العلا، مدرّس الميكروبيولوجيا بكلية الطب البيطري في جامعة القاهرة؛ إذ يرى أن التأثير الحالي للذكاء الاصطناعي يظهر أولاً في طبيعة المهام لا في اختفاء الوظائف، وإن كانت خصوصية سوق العمل المصرية تجعل وتيرة التحول أبطأ نسبياً مقارنة ببعض الدول الأخرى.

ويوضح أبو العلا لـ«الشرق الأوسط»: «نلاحظ بالفعل توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في مهام مثل كتابة المحتوى والترجمة والتسويق الرقمي، وبات الموظف الواحد قادراً على إنجاز ما كان يحتاج إلى فريق بأكمله قبل سنوات قليلة. وربما لا تظهر حتى الآن أرقام كبيرة لفقدان الوظائف، لكننا نشهد بوضوح إعادة تعريف للوظيفة ذاتها؛ إذ تتغيّر المهام المطلوبة وتتبدّل المهارات اللازمة للنجاح فيها».

فرصة... أم تهديد؟

ويختصر أبو العلا التحدي في سؤال: «كيف سنرسم المسار المهني للأجيال الجديدة؟»، وإذا كان هذا السؤال يحمل نبرة قلق، فإن جاد يقابله بمثال ملموس على وظائف ناشئة تلوح في الأفق؛ فقدرة الذكاء الاصطناعي على توليد محتوى مزيَّف بالصوت والصورة ستفرز سوقاً وظيفية تتمحور حول الكشف عن التزوير الرقمي، ومن المرجح أن تشهد نمواً متسارعاً مع تصاعد تحديات المعلومات. ويستحضر جاد تجربة دخول عصر الحاسوب دليلاً على قدرة مصر على اغتنام الفرص؛ فبعدما كان المجال لا يتجاوز أربع شركات عالمية تستقطب الكفاءات المصرية، باتت البلاد اليوم حاضنة لأكثر من خمسة آلاف شركة محلية في تقنية المعلومات.

خبراء يرون أن مصر تستطيع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

وأولت مصر اهتماماً مؤسسياً بالفعل، فأنشأت، وفق وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي عام 2019، قبل توسيع اختصاصاته مطلع 2026 ليصبح المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيات البازغة، لمواكبة التقنيات المستقبلية. كما أطلق المجلس الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي عام 2021، ثم نسختها الثانية مطلع 2025، والتي ترتكز على ستة محاور تشمل الحوكمة، والتكنولوجيا، والبيانات، والبنية التحتية، وبناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي، وتنمية المهارات.

غير أن هذا الزخم المؤسسي لا يكتمل، في نظر عطيفي، من دون مراجعة جوهرية على المستوى التعليمي؛ إذ يضع الجامعات في قلب التحول، قائلاً: «لم يعد كافياً أن يتخرج الطالب حاملاً معرفة تخصصية فحسب؛ يجب أن يمتلك معها ملكة التعلم المستمر والتفكير النقدي. وقد يعمل خريجو اليوم في وظائف لم تولد بعد».

ويرى أن جوهر التحدي يتمثل في الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الاقتصاد الرقمي، عبر ثلاثة مستويات متشابكة: إحلال المهام الروتينية، وإعادة تعريف الوظائف القائمة، وخلق طلب على مهارات جديدة كلياً.

ويتوقع طنطاوي أن تكون النتيجة النهائية لدخول الذكاء الاصطناعي سوق العمل إيجابية في المُجمل، من خلال توسع الأعمال والأنشطة الجديدة من جهة، مقابل انكماش بعض الأعمال التي ستحل الأدوات المبتكرة محلها من جهة أخرى.


رئيس وزراء كندا: السعودية أحد أهم أعمدة الاقتصاد العالمي

صورة جماعية للمشاركين في «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي» (الشرق الأوسط)
صورة جماعية للمشاركين في «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي» (الشرق الأوسط)
TT

رئيس وزراء كندا: السعودية أحد أهم أعمدة الاقتصاد العالمي

صورة جماعية للمشاركين في «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي» (الشرق الأوسط)
صورة جماعية للمشاركين في «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي» (الشرق الأوسط)

أكد رئيس وزراء كندا، مارك كارني، أن السعودية باتت تمثل اليوم أحد أهم أعمدة الاقتصاد في العالم، مشيداً بالتسارع الكبير واللافت الذي يشهده النمو الاقتصادي السعودي على الأصعدة والمؤشرات الفنية كافة، بالتزامن مع التحولات الهائلة والهيكلية التي تعيشها البلاد في ظل «رؤية 2030».

وأعلن كارني، في تصريحات موسعة أدلى بها على هامش أعمال «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي» بجدة، عن عزم بلاده الراسخ على تعزيز الشراكة والتعاون الثنائي مع المملكة في قطاعات حيوية واستراتيجية متصدرة، وفي مقدمتها قطاعا الطاقة والتعدين.

وأبدى رئيس الوزراء الكندي سعادة بالغة بالطاقة والحيوية الكبيرة التي تفيض بها النقاشات بين قادة الأعمال والمستثمرين في الملتقى، مؤكداً أن قطاع الثروة المعدنية يمثل ركيزة هائلة للتعاون المشترك في الوقت الراهن.

واستذكر رئيس الوزراء الكندي مشاركته السابقة في «منتدى مستقبل المعادن» بالمملكة، مشيراً إلى أن التدقيق في مسيرة السنوات الماضية يظهر بوضوح كيف تحولت المملكة إلى واحد من أهم الموردين والأعضاء الفاعلين والنشطين في مجالات التعدين عالمياً، مدعومة بضخ استثمارات مالية ضخمة لتعزيز هذا القطاع الحيوي.

ودعا كارني إلى تسريع آليات الدمج والتكامل بين الخبراء ورؤوس الأموال الكندية والخبرات الجيولوجية المتقدمة، مع توجيه هذه الشراكة نحو مسار «تعليمي وتدريبي» متبادل؛ يهدف إلى تحويل العلوم الجيولوجية والتقنيات الحديثة إلى وظائف مستدامة لكافة العاملين في قطاع التعدين السعودي.

ونوّه بأن المؤسسات التعليمية الكندية، مثل كلية «نيكارا»، مهيأة تماماً للمساهمة في تأهيل القوى العاملة الوطنية وتطوير قدراتها الرقمية والفنية لتبني أدوات الذكاء الاصطناعي.

ولفت رئيس الوزراء الكندي إلى الأهمية الاستراتيجية لهذا التعاون، مبيناً أن نحو 40 في المائة من شركات التعدين الكبرى حول العالم ترتبط بشراكات وثيقة على مستويات عدة، مما يعزز من فرص العمل المشترك وتطوير الأنظمة التشغيلية واستكشاف فرص الملاحة والمخاطر المدروسة بروح الشراكة الحقيقية.

واختتم كارني تصريحاته بالقول: «نحن بطبيعتنا شركاء، وفي الوقت الذي يحتاج فيه العالم إلى شركاء موثوقين في قطاع المعادن والتعدين، نقف هنا اليوم معاً لقطف ثمار هذه الجهود وتلبية احتياجات الأسواق العالمية».


الخريّف يتباحث مع رئيس وزراء كندا في جدة لتعميق التعاون الصناعي والتعديني

اللقاء بين رئيس وزراء كندا ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي (إكس)
اللقاء بين رئيس وزراء كندا ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي (إكس)
TT

الخريّف يتباحث مع رئيس وزراء كندا في جدة لتعميق التعاون الصناعي والتعديني

اللقاء بين رئيس وزراء كندا ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي (إكس)
اللقاء بين رئيس وزراء كندا ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي (إكس)

التقى وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريّف، برئيس وزراء كندا، مارك كارني، في جدة على هامش زيارته الرسمية للمملكة.

وأوضح الخريّف أنه جرى خلال اللقاء بحث فرص تعميق التعاون الصناعي والتعديني بين المملكة وكندا، بالإضافة إلى مناقشة مسارات توسيع الشراكات الاستثمارية في عدد من القطاعات الصناعية المستهدفة، بما يخدم المصالح المشتركة ويلبي تطلعات البلدين الصديقين.