اليونان تحصل على «حزمة إنقاذ»... دون تساهل

تسيبراس يشيد بالاتفاق ويؤكد أنه خطوة حاسمة للخروج من الأزمة الطويلة

وزير المالية اليوناني يانيس فاروفاكيس (يمين) يمازح وزير الاقتصاد الإسباني لويس دي جونيدوس أثناء حضورهما اجتماع وزراء المالية للمجموعة الأوروبية في لوكسومبورغ (أ.ب)
وزير المالية اليوناني يانيس فاروفاكيس (يمين) يمازح وزير الاقتصاد الإسباني لويس دي جونيدوس أثناء حضورهما اجتماع وزراء المالية للمجموعة الأوروبية في لوكسومبورغ (أ.ب)
TT

اليونان تحصل على «حزمة إنقاذ»... دون تساهل

وزير المالية اليوناني يانيس فاروفاكيس (يمين) يمازح وزير الاقتصاد الإسباني لويس دي جونيدوس أثناء حضورهما اجتماع وزراء المالية للمجموعة الأوروبية في لوكسومبورغ (أ.ب)
وزير المالية اليوناني يانيس فاروفاكيس (يمين) يمازح وزير الاقتصاد الإسباني لويس دي جونيدوس أثناء حضورهما اجتماع وزراء المالية للمجموعة الأوروبية في لوكسومبورغ (أ.ب)

في وقت متأخر من مساء الخميس، وبعد مشوار شاق، تصاعد الدخان الأبيض من مقر اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو في لوكسمبورغ، معلنا التوصل إلى اتفاق بين اليونان ودائنيها يقضي بمنح أثينا قرضا يمكنها من مواصلة مشوارها الطويل، لكن الاتفاق لم يتضمن جانبا كانت تطمح فيه اليونان يقضي بتخفيف أعباء ديونها.
وتوصل وزراء مالية منطقة اليورو وصندوق النقد الدولي والحكومة اليونانية، في لوكسمبورغ، إلى اتفاق ينص على منح أثينا حزمة قروض جديدة بقيمة 8.5 مليار يورو (نحو 9.5 مليار دولار)، لتجاوز أزمة ديونها السيادية التي بدأت في عام 2010.
وقد وافق وزراء مالية دول منطقة اليورو على منح اليونان هذا القسط من المساعدات لسداد الدفعة المقبلة من الديون المستحقة عليها في شهر يوليو (تموز) المقبل. كما استعرض وزراء مالية دول المنطقة بعض الحلول المقترحة لكيفية إسقاط الدين الأوروبي عن اليونان، وما يمكن أن يكون عليه على المدى الطويل.
وأشاد رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس بالاتفاق، حيث سارع باللقاء مع الرئيس اليوناني بيريكوبوس بافلوبلوس ليبلغه بالأمر، قائلا له إن الاتفاق خطوة حاسمة للخروج بالبلاد من أزمتها الطويلة، وإشارة لتوقعات واضحة في إيجابية الأسواق، وأنه في الوقت نفسه يأتي نتيجة صبر وتضحيات الشعب اليوناني الذي عانى طويلا.. معربا عن التزامه بالخروج نهائيا من مذكرات الدائنين وبرامج المساعدات في غضون عام من الآن.
وأكد تسيبراس على أن «الوقت قد حان لمضاعفة الجهود وليس للاسترخاء، من أجل تهيئة الظروف لتحقيق الانتعاش القوي للاقتصاد اليوناني، والذي سوف تتم ترجمته في المعيشة والحياة اليومية للمواطنين، وتحقيق الانتعاش الاقتصادي والتنمية العادلة والشفاء من جروح الأزمة»، على حد قوله.
بدوره، أعرب الرئيس اليوناني عن اتفاقه مع تصريحات تسيبراس، وأن قرار توصل مجموعة اليورو إلى اتفاق، يجب أن يفسر على أنه بداية لجهد كبير لإنهاء الأزمة العميقة التي يعاني منها اليونان وشعب اليونان، والذي تحمل الكثير من التضحيات، مؤكدا أنه «أيضا، كانت هناك تضحيات ظالمة».
من جانبه، قال جيروين ديسلبلوم، رئيس مجموعة اليورو، إن حجم الدفعات التي على أثينا سدادها سوف يكون محل مناقشة بين وزراء مالية منطقة اليورو، مؤكدا أن اليونان تحرز تقدما على صعيد ما طلب منها من إجراءات إصلاحية. وقد كتم اليونانيون أنفاسهم مساء الخميس أملا في أن تنتهي المباحثات، وينتهي معها الكابوس الذي عاشوه على مدار سنوات، وأن يجري التوصل لاتفاق وانتهاء الأزمة.
ولكن اليونانيون لن يحصلوا فورا على إجراءات لتخفيف ديونهم الهائلة التي تعادل مستوى 179 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي، والتي يطالبون بها منذ أشهر، غير أن منطقة اليورو قدمت لهم «توضيحات» بشأن ما قد يحصلون عليه لاحقا.
وإثر اجتماع لوكسمبورغ الذي حضرته مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، قال ديسلبلوم: «يسرني الإعلان أننا توصلنا إلى اتفاق على كل العناصر». بينما سارعت لاغارد إلى الإعلان أنها ستقترح على صندوق النقد الدولي المشاركة المبدئية إلى جانب منطقة اليورو في خطة المساعدة هذه، خاتمة أشهرا من الخلافات بهذا الشأن.
وكان التوصل إلى اتفاق مساء الخميس متوقعا نظرا إلى الإيجابية السائدة قبل الاجتماع، وهو تطور يبعث على الارتياح بالنسبة إلى منطقة اليورو.. فهو يجيز إطلاق خطة المساعدة الثالثة للبلاد بقيمة 86 مليار يورو، التي وقعها الأطراف في يوليو 2015، وتعرقلت نتيجة الخلافات بين أعضاء منطقة اليورو، وعلى وجه الخصوص ألمانيا، وصندوق النقد الدولي.
وستجيز الدفعة الجديدة التي ستتلقاها اليونان تسديد أكثر من سبعة مليارات يورو من الديون المستحقة في يوليو، مبعدة شبح أزمة في الصيف.
ويحرص صندوق النقد الدولي واليونان على الحصول على توضيح بخصوص تخفيض ديون اليونان لتصبح مستدامة وأن تكون قابلة للسداد، وذلك في الوقت الذي ينقسم فيه الدائنون الدوليون لليونان حول استمرار صرف حزمة قروض الإنقاذ الثالثة لأثينا، حيث تطالب ألمانيا باشتراك صندوق النقد في تمويل الحزمة، فيما يشترط الصندوق ضرورة تخفيف أعباء الديون على اليونان لتصل إلى المستويات التي تتيح لأثينا سدادها بإمكاناتها الذاتية. وتعني شروط الصندوق ضرورة تمديد فترة سداد الديون وتقليل سعر الفائدة.
وللتوصل إلى تسوية، قبل صندوق النقد تخفيف مطالبه، وأعطى «موافقة مبدئية» على المساهمة في خطة المساعدة، الأمر الذي كانت ألمانيا تطالب به. لكنه لن يسدد قرشا واحدا قبل إقرار الأوروبيين تخفيف ديون اليونان التي يعتبرها لا تحتمل.
وقالت لاغارد: «لا أحد يقول إنه أفضل الحلول»، لكنه «ثاني أفضل الحلول»، وأضافت أن «البرنامج نال الموافقة مبدئيا؛ لكن التسديد لن يتم قبل تحديد تام لكيفية تخفيف الدين»، مشيرة إلى مساهمة الصندوق بنحو ملياري دولار أميركي.
وقال مفوض الشؤون الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي بيار موسكوفيسي: «نجحنا في إيجاد اتفاق شامل سيسمح لليونان بأن تطوي صفحة مرحلة في منتهى الصعوبة»، لا سيما بعد تنفيذ اليونانيين في السنوات الأخيرة إصلاحات قاسية لإرضاء الدائنين. وصرح وزير المالية اليوناني أوقليدس تساكالوتوس: «بات هناك مزيد من الوضوح مع ختام هذا الاجتماع لمجموعة اليورو سواء لدى الشعب اليوناني والأسواق المالية في آن». بينما أفاد وزير الاقتصاد برونو لومير بأن «هذا الاتفاق تم بفضل الروحية الإيجابية لدى كل الأطراف حول الطاولة».
من ناحيته، يصر وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله على ضرورة استمرار شروط القروض حتى نهاية برنامج الإنقاذ المالي الحالي، مع إمكانية إعادة التفاوض على هذه الشروط لتخفيفها في العام المقبل بعد انتهاء الانتخابات العامة الألمانية المقررة في سبتمبر (أيلول) المقبل. ودافع شويبله مساء الخميس في برلين عن قرار وزراء مالية الاتحاد الأوروبي بعدم منح أثينا حاليا تسهيلات للحصول على قروض جديدة. وقال في تصريحات لبرنامج «جورنال اليوم» بالقناة الألمانية الثانية إن «هدف برنامج المساعدات الحالي هو تقوية اليونان لتتمكن من الوقوف على قدميها ثانية». موضحا أنه يعتقد أن «البرنامج ناجح، وأن القروض اليونانية بمقتضاه ستكون ممكنة السداد».
وبالنسبة لدور صندوق النقد، قال شويبله إن الصندوق قرر برنامجا جديدا لليونان ينتظر التمويل، مبينا أن هذا يعد «انحرافا عما تم تقريره من قبل». وأضاف أن لجنة الموازنة بالبرلمان الألماني ستناقش هذا الأمر خلال اجتماعها أمس الجمعة.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.