كوربين... من المقاعد الخلفيّة للبرلمان إلى النجم السياسي الأول

«المرشح» الذي ملأ الدنيا وشغل الناس

كوربين أثناء حملته الانتخابية
كوربين أثناء حملته الانتخابية
TT

كوربين... من المقاعد الخلفيّة للبرلمان إلى النجم السياسي الأول

كوربين أثناء حملته الانتخابية
كوربين أثناء حملته الانتخابية

أثار الصعود المتسارع لشعبيّة حزب العمّال البريطاني المعارض، وأداؤه المبهر في الانتخابات العامة المبكرة الأخيرة دهشة المتابعين داخل بريطانيا المؤيدين والمعارضين معاً، وعبر العالم. فبينما كانت رئيسة الوزراء الحاليّة تتمتع بأغلبيّة مريحة في البرلمان السابق يمنحها صلاحية الاستمرار وحزبها الحاكم - حزب المحافظين - في السلطة حتى نهاية العقد تقريباً، اختارت أن تدعو لانتخابات مبكرة، مستفيدة من تراجع شعبية حزب العمال المعارض إلى مستويات متدنيّة قياسية وفق استطلاعات الرأي. كانت وجهة نظر فريق مستشاريها - الذين أقيلوا قبل أيام - بأن الفرصة التاريخيّة سانحة حينها للقضاء المبرم على حزب العمال ودفنه إلى الأبد بالاستفادة من صراع الأجنحة داخله، وصراع البقاء الذي كان يعيشه جيريمي كوربين، زعيم الحزب.
لكن حساب الحقل وفق فريق ماي التي خرجت من عباءة التاتشرية النيوليبرالية لم يوافق حساب البيدر. فخلال أسابيع قليلة من انطلاق الحملات الانتخابيّة، بدأت استطلاعات الرأي التي تحدثت عن تقدم المحافظين بأكثر من 20 نقطة مئوية تحولت تدريجياً لمصلحة العمال حتى وصلت في الأيام الأخيرة للانتخابات إلى ما يشبه نقطة التعادل. وسرّب أعداء كوربين داخل حزبه مانيفستو حملته الانتخابية لضرب مصداقيته، فكان أن تحول إلى برنامج عمل شديد الجاذبيّة للطبقة العاملة في المملكة المتحدة، كما جرت الرياح بما لا تشتهي السفن بالنسبة لصحافة اليمين التي شنّت حرباً شعواء انتهت كلها إلى تلميع صورة الرجل وفقدان تلك الصحف لمصداقيتها عند الجمهور. وهكذا عندما جرت الانتخابات أخيراً، فقدَ الحزب الحاكم أغلبيته البرلمانية، وذهب مضطراً لحفظ ماءِ سلطته لاهثاً وراء تحالف مع حزب آيرلندي يميني مغمور للتمسك بالسلطة بأغلبيّة هشة، بينما حقق حزب العمّال أفضل نتيجة له منذ عام 1945 - عندما فاز بالانتخابات العامة حينها - وانتزع مرشحو الحزب عشرات المقاعد من المحافظين وغيرهم، بل هم فازوا بتمثيل منطقة كينغستون وتشيلسي في قلب لندن الأثرياء، وأصبح جيريمي كوربين المرشح الأوفر حظّاً لقيادة جبهة تقدميّة تتلقف السُّلطة من المحافظين إن هي أفلتت منهم لأي سبب.
لم تكُ تلك اللحظة في تاريخ السياسة البريطانيّة نتاج نوع من السحر أو حتى سوء الحظ للمحافظين. لقد كانت تتويجاً لمسيرة فريق صغيرٍ متماسك داخل (غابة) حزب العمال الشائكة يقوده جيريمي كوربين، وهو حقق تراكم انتصارات مذهل في إطار صراعات حزبه خلال السنتين الأخيرتين من خلال خلية عمل نابهة غاصت في تفهمٍ عميقٍ لتحولات مزاجات الناخبين البريطانيين وأساليب التأثير عليهم عبر أجواء النيو ميديا وتكنولوجيات التواصل الحديثة.
كتاب «المرّشح» للصّحافي البريطاني أليكس نونز الذي صدر حديثاً في لندن يقدّم - ما هو خارج فضاء الدراسة الأكاديميّة البحتة - رواية شديدة التشويق كأنها عمل أدبي مزركش بالخيال لسيرة صعود جيريمي كوربين العصيّة على التصديق: من مجرد نائب راديكالي دائم عبر الدورات الانتخابيّة لمجلس العموم البريطاني، إلى أهم زعيم لحزب العمّال منذ أيام الرّاحل توني بين (الأب الرّوحي لكوربين). ورغم أن الكتاب صدر أثناء الحملة الانتخابيّة الأخيرة - وبالتالي فهو لا يغطي المرحلة -، فإنه مرجع أساسي لفهم نجم الطبقة العاملة الصاعد وبنية الحركة التي يقودها.
يذهب نونز بعيداً ليلقي بالضوء على أسباب يجادل أنها تفسّر تلك الأحداث التي أعادت تشكيل العمل السياسي في بريطانيا المعاصرة، وستكون دليل عمل لكل الأحزاب السياسيّة الطامحة إلى السلطة لا سيما الحركات العماليّة واليساريّة التي تنتمي لمدرسة الاشتراكيّة الديمقراطية في أوروبا.
وبالنسبة لنونز فإن ظاهرة كوربين جاءت نتيجة إحساس عميق بالغضب في أوساط ناشطي حزب العمال وجمهوره من الأداء الباهت والمركزيّة غير المبررة لتيار جناح اليمين (جماعة توني بلير) وانخراط الأخيرين التام في مشاريع الحروب الأميركية بالشرق الأوسط، وتمريرهم للسياسات النيوليبراليّة الموروثة منذ أيام ثاتشر - رئيسة الوزراء البريطانيّة الرّاحلة - وسوء إدارتهم إبّان الأزمة الماليّة العالميّة التي ضربت العالم عام 2008 وبقيت مفاعيلها حتى الوقت الراهن. وبالنسبة لنقابات العمّال التي تشكل جزءاً مهماً من الحزب - وهي المتّجهة يساراً بحكم الضغوط الاقتصادية وسياسات التقشف التي اعتمدتها السلطات في مواجهة مفاعيل أزمة الـ2008 - وكذلك بالنسبة لتيار يسار الحزب والقواعد الشعبيّة، فإن تلك القيادة اليمينيّة اعتبرت تمثلاً لأسوأ الشياطين، وسرّ نكبات الحزب المتتالية.
تسببت تلك الأجواء المسمومة بنوعٍ من حرب أهليّة داخل حزب العمال، مما دفع بعض نوابه الوسطيين في البرلمان إلى قبول ترشيح كوربين لمنصب القيادة بعد الانتخابات العامة عام 2015 - التي كانت منحت المحافظين أغلبية مريحة على حساب العمال بالذات - وذلك كنوع من محاولة أخيرة للمحافظة على وحدته في مواجهة خطر الانشقاق من خلال السماح ليسار الحزب بتقديم مرشح لهم. كانت تلك نوعاً من مناورة فارغة، إذ إن كتلة نواب الحزب في البرلمان تعاطت قناعة شبه تامة بأن كوربين شخصية غير قابلة للنجاح في الانتخابات الداخليّة، ناهيك عن الانتخابات العامة. يمين الحزب كان قد دفع وقتها باتجاه تغيير أنظمة الانتخاب الداخليّة بحيث يمنح كل عضو صوتاً واحداً بينما عارضها يسار الحزب بشدة لإبقاء الثقل بيد النقابات. وكحلم سوريالي عجيب، كان ذلك التغيير بالأنظمة بالذات هو ما جعل فوز كوربين بمنصب القيادة ممكناً. فالرجل ببساطته وصدقه وانحيازه لقضايا المواطنين العاديين وهواجسهم كان أكثر قرباً لقواعد الحزب الشعبيّة - ولاحقاً بالطبع لقطاع عريض من الناخبين البريطانيين - مقارنة بأولئك المتأنقين المتحذلقين من يمين الحزب الطامعين بالوصول إلى مناصب السلطة من دون كبير اهتمام بهموم ومتاعب المواطنين الحقيقيّة.
يَصِفُ نونز المزاج في القاعة الكبيرة، حيث احتشد أعضاء الحزب لمعرفة نتائج تلك الانتخابات الداخليّة لمنصب الرئيس التي تقدم إليها ثلاثة من عتاة جناح اليمين في مواجهة مرشح اليسار، النائب جيريمي كوربين. قرأ إيان ماكنيكول السكرتير العام الأرقام النهائية التي حصل عليها المرشحون فانقسمت القاعة بين صراخ مبتهج من بعض أجزائها، بينما خيّم صمت قبورٍ على الأجزاء الأخرى. لقد حدثت المعجزة، وفاز كوربين بأغلبية كبيرة لتبدأ يومها رحلته نحو نجوميّة قد تنتهي به قريباً رئيساً لوزراء الإمبراطوريّة العجوز.
يقدّم الكاتب الكثير من التفاصيل الفطينة عن يوميات العمل في فريق كوربين بقيادة اليساري المخضرم جون ماكدونيل، وعن نجاح ماكينة الحزب ببناء وجود شديد الفعاليّة على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وبين قطاعات الشباب، ومقابلات مع الأشخاص الذين كان لهم دور في قصة الصّعود المذهلِ هذه، وكذلك توصيف لقدرة كوربين المثيرة للإعجاب على التكيف في تقديم صورته العامة للجمهور من نائب متمرد في أجواء السلطة البريطانيّة الحاكمة، إلى زعيم ذي شعبية تكاد أغلبيّة من البريطانيين ترى فيه أفضل رئيس وزراء ممكن للبلاد، لا سيّما بعد تلبد سماء المملكة بالأجواء السياسيّة والاقتصاديّة الصعبة.
«المرشح» يتجاوز حد السيرة السياسيّة لجيريمي كوربين زعيم اليسار البريطاني الجديد، ليشكل أبجدية لا غنى عنها لكل راغب بفهم تحولات الحياة السياسية في المملكة المتحدة بشكلها المستحدث. لقد غيّر كوربين - وفريقه - اللعبة بالكامل.



جائزة الشاعر حامد بدرخان لمحمد علي طه ومحمد شيخ عثمان

محمد علي طه
محمد علي طه
TT

جائزة الشاعر حامد بدرخان لمحمد علي طه ومحمد شيخ عثمان

محمد علي طه
محمد علي طه

تزامناً مع الذكرى الثلاثين لرحيله، التي تصادف 29 أبريل (نيسان) أعلنت اليوم لجنة جائزة الشاعر الكردي السوري حامد بدرخان عن أسماء الفائزين في دورتيها لعامي 2025 و2026.

وقد ارتأت اللجنة منح الجائزة في دورتها لعام 2025-2026 للشاعر محمد علي طه، «تقديراً لدوره الإبداعي في مجال الشعر، ولمواقفه الإنسانية إلى جانب حضوره الثقافي الفاعل»، كما منحت اللجنة الجائزة في دورتها لعام 2026 للشاعر محمد شيخ عثمان، «الذي عُرف بقربه من الشاعر الراحل ومرافقته له في مسيرته الأدبية حتى وفاته».

ويعد الشاعر حامد بدرخان (1945–1996) أحد أبرز الأصوات الشعرية في الأدب الكردي في سوريا، وقد كتب باللغات الكردية والتركية والعربية (إلى جانب إتقانه الفرنسية) وترك أثراً واضحاً في التجربة الشعرية الحديثة بصفة عامة.

تألفت لجنة الجائزة للدورتين الأخيرتين من كل من: د. هفال ميرو، والدكتور ولات محمد، والشاعر إبراهيم اليوسف.

ومحمد علي طه شاعر من مواليد دمشق 1937، عمل في التعليم منذ 1962، وبدأ كتابة الشعر مبكراً ونشره في الصحف، وشارك في أمسيات أدبية عديدة. أصدر ديوان قمر إلى فهد (1995) واليمامة (2013)، إضافة إلى كتب فكرية وسردية، وحافظ على حضور ثقافي وسياسي متواصل.

محمد شيخ عثمان

أما محمد شيخ عثمان فهو من مواليد 15 يناير (كانون الأول) 1946، نشأ في ظروف قاسية وانتقل إلى حلب حيث تابع دراسته وعمله، وعمل في جامعة حلب ابتداء من عام 1973. جمع في حياته بين العمل والدراسة، وشارك في النشاط الشعري، وأصدر مجموعته «ملهاة التجدد والأيام» عام 1996، وارتبط بعلاقة وثيقة مع حامد بدرخان منذ 1982 حتى وفاته.

وكانت جائزة حامد بدرخان للشعر قد أُطلقت في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2009 وتُعد واحدة من الجوائز التي يشرف عليها الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الكرد في سوريا، وقد مُنحت منذ تأسيسها لعدد من الشعراء السوريين والكرد، وهم، علي كنعان ومنذر مصري، ومها بكر، ورشيد عبد المجيد، ونازلي خليل، وصبحي حديدي، فرج بيرقدار، وفواز قادري 2016، محمد علاء الدين عبد المولى، وحسين حبش.


مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).