«الشرق الأوسط» في مهرجان كان (9): {المخدوع} بنكهة أخرى في كان

صوفيا كوبولا تعيد صناعة فيلم لأول مرّة

النسخة الأولى من فيلم (The Beguiled) عام 1971 بطولة كلينت ايستوود وجيرالدين بيج بتوقيع دون سيغل
النسخة الأولى من فيلم (The Beguiled) عام 1971 بطولة كلينت ايستوود وجيرالدين بيج بتوقيع دون سيغل
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان كان (9): {المخدوع} بنكهة أخرى في كان

النسخة الأولى من فيلم (The Beguiled) عام 1971 بطولة كلينت ايستوود وجيرالدين بيج بتوقيع دون سيغل
النسخة الأولى من فيلم (The Beguiled) عام 1971 بطولة كلينت ايستوود وجيرالدين بيج بتوقيع دون سيغل

العمل السينمائي الوحيد الذي نُقل إلى الشاشة الكبيرة كان للمؤلف توماس كولينان (1919 - 1995)، هو The Beguiled من إخراج دون سيغل عام 1971. وتعمد إليه ثانية المخرجة صوفيا كوبولا في نسخة جديدة عرضها المهرجان الفرنسي في مسابقته قبل يومين.
ليس سهلا احتواء العنوان الإنجليزي بتفسير واحد: Beguiled ومعناه، المخدوع الواقع تحت فعل مراوغة أو خطّـة ناتجة عن إغواء. يمكن تسمية الفيلم بـ«المخدوع» (أو «المنخدع») وفي نسخة صوفيا كوبولاً تنطبق الكلمة على الإناث الست لدى تسلل الجندي الشمالي إلى مدرستهن الخاصة، فوقعن تحت تأثير جاذبيته كونهن يعشن في حرمان ما، وكونه الرجل الوحيد في ذلك المكان، بالتالي هن «منخدعات» أكثر من خادعات كما ورد في نسخة سيغل.
حاولت طوال مدة عرض الفيلم الجديد (94 دقيقة)، تجاهل الفيلم الأصلي، لكن ذلك لم يكن ممكناً. ينقل الفيلم الجديد الحكاية كلّها والتغييرات التي في عمل المخرجة ليست حاسمة أو جديدة بحيث تمكن المشاهد من إلغاء فيلم سيغل إذا ما كان شاهده.
* براءة ورجولة
في الأصل، وكما ورد على الغلاف الأخير من نسخة «بينغوين» البريطانية للنشر، عندما اشترت حقوق الرواية الأميركية الصادرة سنة 1966. تلعب القصّـة على نسيج من العوامل النفسية والعاطفية والمرح الداكن. هذا المزيج ما بين العمق والترفيه الذي تقترحه الرواية والذي عمد إليه المخرج دونالد سيغل جيداً، هو ذاته المفقود في فيلم صوفيا كوبولا في أول فيلم لها تعيد تصويره (أو كما يسمى بـRemake).
الحكاية الواردة هي بالخطوط العريضة والمتوسطة ذاتها: جندي جريح (كولن فارل في الفيلم الجديد وكلينت إيستوود في النسخة الأولى) من الجيش الشمالي، خلال الحرب الأهلية الأميركية في مطلع ستينات القرن التاسع عشر، يسقط جريحاً بالقرب من مدرسة فتيات في الجنوب الأميركي وبمعزل عن باقي رفاقه. تكتشفه فتاة صغيرة فيُنقل إلى داخل المدرسة التي لم تعتد على أن يدخلها رجل.
يُداوى الجندي من جراحه، لكن خلال الفترة التي يستغرقها العلاج، يغوي الرجل فتاتين راشدتين، واهماً كلا منهما بإخلاصه لها، فيقع الخلاف بينهما وبين الإناث الأخريات. في النهاية يكون ضحية فعلته فيُقتل مسمما (باقتراح من فتاة صغيرة) للتخلص منه.
تختلف نسختا الفيلم في التفاصيل. في فيلم ابنة فرنسيس فورد كوبولا، هناك مدرّسة واحدة (نيكول كيدمان) مسؤولة عن حفنة من الفتيات (ست). في نسخة سيغل هناك مدرّستان وعدد أكبر من الطالبات. أيضاً، يخلو فيلم كوبولا من امرأة سوداء تخدم في المدرسة وتقوم بمهام التنظيف والعناية بالمكان وهو الأمر الطبيعي (الوارد في الحكاية أصلاً)، لكنّ هذا لم يغب عن نسخة سيغل. وفي فيلم كوبولا تُقطع ساق الرجل، بينما البطل في نسخة 1971، يحتفظ بساقه.
ثم هناك ما هو أهم من الفروقات بين العملين.
دون سيغل، وقد عمل مع كلينت إيستوود خمس مرات، كان «المخدوع» ثالثها، جعل من الرجل المحور الظاهر في الفيلم وليس البعد العاطفي المستتر. إنه من يسقط فريسة الإناث اللواتي أدخلنه جريحاً وعملن على العناية به. صحيح أنّه جلب على نفسه النهاية الوخيمة، بعد أن غرر بالفتيات وألب بعضهن على بعض، لكنّه خُـدع بدوره مصدقاً ما تبدّى من براءتهن وقبولهن به، بينما كنّ قد خططن لقتله بشوربة فطر مسموم.
في نسخة صوفيا كوبولا تركيز على أنّ الفتيات هن المنخدعات اللواتي صدّقن الرجل وألفن إليه وترددن في تسليمه إلى الجيش الجنوبي، فبادرهن بعد ذلك بمحاولة فرض سيطرته عليهن.
* بين ممثلين
مع وجود العدد الكبير من الشخصيات النسائية في نسخة دون سيغل، هناك قدر أوسع من تباين الشخصيات النسائية. مثلاً يجد الرجل نفسه، في كلا الفيلمين، في جنة مليئة بالنساء وعليه أن يقتنص الفرصة. كذلك فإن إحدى أهم الشخصيات الثانوية هي الخادمة الأفرو - أميركية، لكونها تعكس وضعاً واقعياً. غيابها في نسخة كوبولا يخلق تساؤلات، فالحرب الأهلية نشبت على مبدأ تحرير «العبيد»، ووجودها يجسد هذه الحقيقة كما أنّها، في الفيلم السابق، واحدة من الإناث الجميلات التي سوف تخلق لإيستوود بديلاً عاطفياً محتملاً.
في أسلوب كوبولا المتمحور حول أنثوية الوضع أكثر من ذكوريته، فقدت المخرجة كوبولا وجهة النظر المتوسطة الذي وفرها الروائي معايناً الموضوع والتاريخ والمكان والإشكالات المترتبة جميعاً. في الوقت ذاته، يفشل الممثل البريطاني كولين فارل (المحتفظ بلكنته الآيرلندية المخففة)، في تقديم تشخيص ثري وقوي وليس مجرد أداء تنفيذي. هو ربما جيد فيما أتيح له: تقديم دور الجندي الذي يحاول السيطرة على نساء المكان بالخديعة. لكن إيستوود نفّـذ مشروعاً أكثر أهمية كدراما: هو الرجل الذي يحاول السيطرة على نساء المكان بالخديعة، لكنه الأقدر على تجسيد الشخصية الرجولية (الماتشو)، وهو ما كان مقصوداً في الأساس لشحذ الدراما بالتناقضات الحادة وخدمة لإيستوود كنجم واثب.
فارل، حجماً، لا يقنع في هذا المجال، والأهم أنّ المخرجة خلعت أنيابه، فإذا به أضعف جسدا وشخصاً، من أن يجسد تلك الذكورية.
«المنخدعات»، حسب كوبولا، عليه أن يكون فيلماً نسائياً لأنّها امرأة. وهذا أضعف مبرر يمكن اعتماده في هذه الحالة. لقطاتها بعيدة ومتوسطة وكذلك التمثيل من الجميع: بعيد عن إثارة الاهتمام أو متوسط. لا ألفة يمكن أن يشعر بها المرء حيال أي من الأوضاع أو الشخصيات، ولا يستطيع الفيلم تجسيد أبعد مما يعرضه. وإذا كانت مشكلة فيلم سيغل أن الجمهور لم يُعجب بدور إيستوود - الأيقونة، لكونه أكثر دكانة من المتوقع له، فإن الجمهور هنا لن يكترث لأن تكون العصمة بيد النساء، لأن الشخصيات الواردة منها ضعيفة حتى وإن بدت، في نموذجين هما دور نيكول كيدمان ودور كيرستين دانست، غير ذلك.
فيلم كوبولا يفتقد عمق الدلالات. في جل أفلامها تعتبر كوبولا أنّ حكايتها تستطيع أن تسرد نفسها بنفسها. لا تحتاج لأن تكترث للتفاصيل التي تؤلف - بصرياً - الكيان التفاعلي بين المشاهد وبين الفيلم.
يتضح ذلك منذ مشهد البداية: الفتاة الصغيرة في المدرسة كانت تجوب الغابة بحثاً عن الفطر، فتجد الجندي جريحاً على الأرض. هذه البداية تحمل تمهيداً مقبولاً، لكنه غير مركّـز. فيما يبدأ فيلم سيغل بالجندي الجريح وهو يسقط أرضاً ثم يتدحرج من مرتفع إلى آخر قبل أن يستقر شبه غائب عن الوعي. هذه البداية تحمل الخلفية والتشويق والتركيز على الرجل في محنته أمام الحرب، ولاحقاً أمام عواطفه والمرأة عموماً.
بالمقارنة بين تمثيل جيرالدين بايج وإليزابيث هارتمان وجون آن هاريس بذلك المتوفر في فيلم كوبولا، تتبدّى أسباب لتفضيل التمثيل في الفيلم الأول عنه في الفيلم الجديد. إنّه اختيار المخرجة، غير الصائب، في إبقاء الحدة الناتجة عن هذا الوضع في أدنى قدرة لها على التجسيد.



حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور... هذا المشهد يتكرر هذه الأيام داخل صالات السينما في السعودية وغيرها حول العالم، حيث يحظى الفيلم بإقبال لافت، مع حجوزات تنقضي بسرعة وحضور واضح من فئة الشباب، ليعود اسم «ملك البوب» إلى الواجهة، بعد أكثر من 15 عاماً على رحيله، بوصفه أيقونة موسيقية تستعيد حضورها عبر الفن السابع، وتفتح باباً جديداً لقراءة سيرته سينمائياً.

عالمياً، تصدّر «مايكل» شباك التذاكر الأميركي، متفوقاً على بقية الأفلام، بعدما نجح فيلم السيرة الذاتية في حجز المركز الأول بجدارة بين إيرادات يوم الجمعة الماضي. فالفيلم، الذي يأتي من إخراج أنطوان فوكوا، حقق 39.5 مليون دولار في يوم افتتاحه من مئات صالات العرض في أميركا الشمالية. وتعوّل شركة «لاينزغيت» كثيراً على نجاحه في تحقيق عوائد كبيرة، خصوصاً أن ميزانيته الإنتاجية بلغت 155 مليون دولار، وهي تكلفة مرتفعة تأثرت بأسعار حقوق الموسيقى ومشاهد الحفلات الضخمة. وتُظهر الأيام الأولى للفيلم نجاحاً كبيراً حول العالم، رغم أن الحكاية تبدو مبتورة، فلا يصل الفيلم إلى أعلى الأجزاء إثارة وتوتراً في حياة مايكل، ليفاجأ الجمهور بتصاعد إيقاع الفيلم بقوة، ثم انتهائه «بغتة» بعبارة «القصة مستمرة».

البوستر الرسمي للفيلم

من البدايات القاسية إلى صناعة الأسطورة

يبدأ الفيلم في منزل عائلة جاكسون عام 1966، حيث يفرض الأب جو تدريبات قاسية على أبنائه، في مشهد أقرب إلى الانضباط العسكري، سعياً إلى تحقيق «الحلم الأميركي»، وهو يردد على أولاده: «في الحياة إما أن نكون فائزين وإما خاسرين»، ويُظهر الفيلم بوضوح قسوة الأب، بما في ذلك تعنيفه مايكل؛ مما يشكّل جانباً أساسياً في تكوين شخصيته.

ثم ينتقل العمل إلى عام 1978، حين يبدأ مايكل التعاون مع المنتج كوينسي جونز، في خطوة مفصلية نحو ألبوم «أوف ذا وول»، ويعرض الفيلم تحوّل شخصيته، بما في ذلك انعزاله وتعلقه بعالمه الخاص، قبل أن يتخذ قراره الحاسم بالاستقلال عن والده، تمهيداً لصناعة عمله الأسطوري «ثريلر».

من هنا، يركز الفيلم على العلاقة بين مايكل ووالده المتسلّط جوزيف جاكسون، الذي يجسده كولمان دومينغو. ويؤدي الدور الرئيسي ابن شقيق جاكسون؛ جعفر جاكسون، فيما يشارك في البطولة كل من: نيا لونغ بدور «كاثرين جاكسون»، وتري هورتون بدور «مارلون جاكسون»، ورايان هيل بدور «تيتو جاكسون»، إضافة إلى جوزيف ديفيد جونز بدور «جاكي جاكسون»، وجمال هندرسون بدور «جيرمين جاكسون».

ويبدو الفيلم أشبه باحتفالية بنجومية «ملك البوب»، الذي بدأ طفلاً يغني مع إخوته في الستينات من العقد الماضي، وصولاً إلى نجوميته الكبيرة في الثمانينات وتحوّله ظاهرةً عالمية، دون تناول المنعطفات الصادمة التي مر بها جاكسون. ورغم أنه شخصية معقّدة ومتعددة الأبعاد، فإن الفيلم يقدّمه بصورة مسطّحة. وعندما لا يكون على المسرح أو في الاستوديو، يظهر جاكسون مبتسماً طيلة الوقت؛ يشاهد التلفاز مع والدته، ويزور الأطفال المرضى، ويقتني الحيوانات الغريبة.

يأتي ذلك نتيجة تدخلات عائلة جاكسون التي تناولها الإعلام لفترات مضت؛ مما دفع بالمنتجين إلى استبعاد كثير من القصص الحساسة في حياته. وخضع الفيلم لإعادة تصوير واسعة استمرت 22 يوماً، بعد حذف «فصله» الثالث بالكامل بسبب قيود قانونية؛ مما دفع إلى تأجيل طرح الفيلم كثيراً، حتى عُرض مؤخراً، في خطوة هدفت أيضاً إلى تجنّب أي تأثير سلبي محتمل على أدائه في شباك التذاكر.

احتفالية موسيقية ونهاية مفتوحة

ورغم أن الفيلم يبدو تقليدياً في سرده، فإنه يخفي داخله حساً إنسانياً حميمياً، مع استعراض أبرز محطات مايكل الغنائية، من «دونت ستوب تِل يو غِت إناف»، إلى أدائه الأسطوري لـ«بيلي جين». ويتوقف الفيلم في منتصف الرحلة، بعد أن يعلن مايكل أمام حشد جماهيري كبير انفصاله عن جولات إخوته الغنائية ضمن فرقة «جاكسون5»، ثم وقوفه على مسرح ضخم استعداداً للغناء، لينتهي الفيلم بعبارة «القصة مستمرة»؛ مما فتح باب التكهنات بشأن احتمالية إنتاج جزء ثان.

كما يختار الفيلم مساراً محدداً في تناول الشخصية فنياً، حيث يركّز على الجوانب التي تعزز صورة النجم بوصفه موهبة استثنائية وصاحب تأثير عالمي واسع. ويشكّل أداء جعفر جاكسون أحد أبرز عناصر الجذب في الفيلم، حيث ينجح في استحضار تفاصيل دقيقة من شخصية مايكل، سواء في الرقصات والصوت الهادئ والحضور على المسرح.

وإجمالاً، يؤكد الفيلم حقيقة لا جدال فيها، بأن مايكل جاكسون كان عبقرياً موسيقياً ويمتلك رؤية واضحة لمسيرته؛ بداية من صعوده منذ طفولته بموهبته اللافتة وحضوره الكاريزمي، ووصولاً إلى مرحلة نضجه الفني، حيث طوّر إحساساً دقيقاً بما يناسبه من أعمال، وكيفية تقديمها، سواء في الأداء المسرحي والفيديوهات الموسيقية.

ويبدو فيلم «مايكل» أقرب إلى تجربة جماهيرية متكاملة، تجمع بين الحنين، والمتعة البصرية، والإيقاع السريع، بما يفسر حجم الإقبال في صالات السينما، وتصفيق بعضهم بحرارة خلال الفيلم، حيث يجد المشاهد نفسه أمام عمل يستعيد ذاكرة فنية مشتركة، يعيد تقديمها ضمن قالب حديث يناسب جيل اليوم.