السبت - 1 شهر رمضان 1438 هـ - 27 مايو 2017 مـ - رقم العدد14060
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/05/27
loading..

لدولة لبنانية مدنية... إضغط على الرقم التالي: 81202040

لدولة لبنانية مدنية... إضغط على الرقم التالي: 81202040

الجمعة - 22 شعبان 1438 هـ - 19 مايو 2017 مـ رقم العدد [14052]
شعار الحملة المطالبة بدولة مدنية في لبنان (عن صفحة الحملة على تويتر) - بعض التغريدات التي تحمل شعار «نحن الدولة المدنية»
نسخة للطباعة Send by email
بيروت: تمارا جمال الدين
بدأت في لبنان شعارات مطالبة باستبدال النظام الطائفي بنظام عصري متطور ينهي صراع الطوائف على السلطة، تتردد مؤخراً في معظم المناسبات السياسية أو الدينية، وفي المظاهرات والتحركات المطلبية، على ألسنة السياسيين، والمواطنين الناشطين في الحقول الاجتماعية. وترافق مع هذه الفكرة العامة عنوان عريض يحمل مصطلح «الدولة المدنية».
كثيرا ما نسمع من بعض اللبنانيين أن الحل لآفة الفساد ومشكلة النظام الطائفي يكمن بقيام الدولة المدنية. ونسمع من البعض الآخر أنه ضد هذا المفهوم، خوفا على دينه. فيزعم الكثير بأن الدولة المدنية تتعارض مع الأديان والإيمان.
ضمن هذا الإطار، أطلقت 44 شخصية لبنانية، من مثقفين وأكاديميين وفنانين ومهندسين وإعلاميين، أمس (الخميس) في 18 مايو (أيار)، حملة وعريضة بعنوان «احترموا الدستور، نعم للاقتراع خارج القيد الطائفي»، من أجل «استعادة الدولة المدنية»، وفق الأمين العام لحركة "مواطنون ومواطنات في دولة"، الوزير السابق شربل نحاس.
تصدر هاشتاغ #نحن_الدولة_المدنية قائمة التغريدات على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، بعد ساعة على إطلاق المبادرة من برنامج كلام الناس الذي يبث مساء كل خميس على قناة المؤسسة اللبنانية للإرسال.
تنطلق الحملة من المادة السابعة من الدستور التي تنص على أن «كل اللبنانيين سواء لدى القانون»، والمادة التاسعة منه التي تنص على «حرية الاعتقاد مطلقة». بالتالي: «أي قانون انتخاب يحرم المواطن من خيار الترشح أو الاقتراع لمرشح التزم تمثيله خارج الانتماء الطائفي هو خرق للدستور».
* اللبنانيون ينشرون هوياتهم دعماً للدولة المدنية
دعت الحملة المواطنين إلى إرسال صور عن هوياتهم إلى رقم الحملة 81202040 عبر تطبيق واتساب. كما يمكنهم التواصل مع منظمي الحملة عبر الاتصال بالرقم نفسه. وقد شهدت الساعات الأولى من إطلاق الحملة إرسال ما يزيد على 3 آلاف هوية، مع إطلاق هاشتاغ التواصل والرد: #نحن_الدولة_المدنية.
استضاف برنامج كلام الناس، الوزير السابق شربل نحاس، قائد الحملة، فأعلن رسميا عن ولادة هذه الحملة، وقال‬: «نحن نثبّت شرعية الدولة المدنية. لسنا قلائل. لا نخاف. نحن هذا المجتمع، ونحن نناضل لأجله!».
وأشار نحاس إلى أن هذه الحملة هي خطوة أساسية لـ: «نردّ القاعدة مع المواطنين إلى ماهية لبنان وأساسه: الدولة المدنية». وأضاف: «في بلادنا لا تقاليد. نحن اليوم نستعيد تاريخ البلد من خلال دعوة المواطنين إلى مبادرة سياسية تسترد الدولة المدنية».
* نص العريضة
«أي قانون انتخاب يحرم المواطنة من خيار الترشح خارج الانتماء الطائفي أو من الاقتراع لمرشحة التزمت تمثيله خارج الانتماء الطائفي هو خرق للدستور».
- المادة 7: كل اللبنانيين سواء لدى القانون.
- المادة 9: حرية الاعتقاد مطلقة.
الدولة المدنية هي القاعدة. الواسطة الطائفية هي الاستثناء. احترام الدستور واجب وحاجة.
سألت «الشرق الأوسط» أحد القيمين على حملة 81202040، ما المقصود وراء إرسال صور الهويات، فأتى الرد كالتالي: «تعتبر هويات المناصرين لهذه الحملة وسيلة تثبت انك ضد منع الترشح والانتخاب خارج الانتماء الطائفي. وهذه الخطوة الأولى باتجاه الدولة المدنية».
وعندما طرحنا موضوع حماية الخصوصية، خاصة أن أرقام الهويات في لبنان لا تتوفر للجميع، ومن المستحسن أن تبقى هكذا معلومات خصوصية بعض الشيء، نظرا لدقتها، أجاب المتحدث باسم الحملة: «تتعهد الهيئة التنسيقية للحملة على حماية خصوصية المواطنين، ولن نقوم باطلاع أي جهة مهما كانت على المعلومات الخاصة بأي مناصر». وأضاف: «سنتواصل مع جميع المشاركين بالحملة لإعلامهم بكل المستجدات والخطوات المقبلة، في الوقت المناسب». كما أكد أن هذه الخطوة التي أطلقتها حملة 81202040 تتعدى النشاط المطلبي، لتسجل موقفا سياسيا صارخا بوجه السلطة التي تعرقل الانتخابات النيابية، وتتمسك بمضمون الطائفية.
تنتمي حملة «احترموا الدستور، نعم للاقتراع خارج القيد الطائفي» من أجل «استعادة الدولة المدنية» إلى سلالة «حركتي» التي تسعى إلى شطب المذهب عن سجلات النفوس، والحصول على حق الزواج المدني الكامل والقانوني على الأراضي اللبنانية.
فهي مثل سابقتيها تستند إلى تفسير الدستور، وتنطلق من مواد فيه تعتبرها مدنيّة. فتقول إن الدستور مغيّبٌ ويجري استبداله بـ«نظام» عرفي.
وهي مثل سابقتيها أيضاً وأيضاً... تهدف إلى إحداث خرق دستوري وحقوقي وسياسي وثقافي في الجدار الطائفي، على أمل إحراج السلطة السياسيّة والإدارية عبر مواجهتها بالدستور.
يقولون: «إذا أردت أن تميّع مفهوماً، أو تشوّهه وتتحايل عليه، وتخلق بلبلة عنه، وتصرف الأذهان في المحصلة، يكفي أن تطلق عليه تسميات أخرى لتزيده غموضاً ولبساً، وتخترع له ألقاباً وأوصافاً».
فهل هذا ما حصل حقا بما يتعلق بمفهوم الدولة المدنية في لبنان؟ فكثيرا ما نربط مباشرة بين مفهوم الدولة المدنية، والأفكار المنبثقة عن «العلمانية».
أولا، ما هو مفهوم الدولة المدنية؟
لا يوجد في علم السياسة ما يسمى أصلاً بالدولة المدنية، ومصطلح الدولة المدنية لا أساس له في المراجع السياسية كمصطلح سياسي. ولكن، تم استخدمه وتداوله إعلامياً في لبنان. يعني هذا المصطلح قيام دولة يكون الحكم فيها للشعب بطريقة ديمقراطية، ويتساوى أبناء الشعب في الحقوق، ولا يكون فيها الحكم لرجال الدين أو للجيش.
* مفهوم الدولة العلمانيّة
الدولة العلمانيّة هي الدولة القائمة على حقوق الإنسان، بغض النظر عن دينه أو عرقه، أو مستواه الاجتماعي، حيث مصدر السلطة هو الشعب وليس رجال الدين.
الدولة العلمانية نوعان، يحدّدهما الموقف من الدين.
النوع الأول: الدولة العلمانية المعارضة للدين.
النوع الثاني: وهو في نظرنا الدولة المدنيّة، هي الدولة العلمانية التي لا تعارض وتحاول أن لا تتعارض مع الدين، لا بل ترعاه من حيث مبادئها وفلسفتها، ومن حيث حمايتها حرية الضمير وحرية العبادة.
مخاطر العلمانية.
يتفق الكثير من خبراء علم الاجتماع، على بعض المخاطر التي تحوم حول هذا المفهوم في لبنان. ومن أبرزها: «أن تكون المطالبة بالعلمانيّة، في مجتمع تعدّدي كلبنان، غطاءً للديمقراطيّة العدديّة القائمة على أساس طائفيّ، وأن تُستخدَم أداة لقهر الأقليّات».
نماذج من الدول المدنيّة
الدولة المدنية يمكن أن تكون أحادية الأمة والدين، كفرنسا وتركيا وتكون عادة متحفظة على الدين. ويمكن أن تكون مركبة كسويسرا وبلجيكا والولايات المتحدة وألمانيا حيث تكون عادة إيجابية مع الأديان.
يتألف نظام الحكم في لبنان من مؤسسات الدولة وسلطاتها التشريعية (المجلس التشريعي)، والتنفيذية (الحكومة)، يديرها مدنيون منتخبون يخضعون للمساءلة والمحاسبة، ولا تدار الدولة بواسطة عسكريين أو رجال دين. واستبعاد رجال الدين لا يعني استبعاد المتدينين، ولكن المقصود ألا تجتمع السلطتان السياسية والدينية في قبضة رجل واحد، حتى لا يتحول إلى شخص فوق القانون وفوق المحاسبة.
فمدنية الدولة تمنع تحويل السياسة إلى صراع حول العقائد الدينية أو الشرائع السماوية، بل تبقيها صراعا سلميا بين رؤى وأفكار وبرامج وقوى ومؤسسات وأشخاص يهدف إلى اختيار الأفضل للدولة والمجتمع. وذلك لا يعني الإلحاد أبدا، فالدستور اللبناني يجرم الملحدين، ويمنعهم من التجمع أو إقامة الندوات والمحاضرات العامة منها والخاصة. كما وتعاقب المادة 473 التجديف على اسم «الله» المقدس.
رجال الدين يعترفون بالدولة المدنية في لبنان
اعتبر البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي أن «لبنان دولة مدنية من خلال حكم الميثاق الوطني والمادة 9 من الدستور، ومواصفاتها دولة غير دينية، سلطتها من الشعب لا من الدين، وهي قائمة على حقوق الإنسان والحريات العامة، تساوي في الحقوق والواجبات بحكم المواطنة لا الدين، وفيها تمايز واستقلالية وتعاون بين الدولة والدين، ديمقراطية توافقية لا عددية، مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وتحترم جميع الأديان».
أما الشيخ شفيق جرادي فيتفق مع القول التالي: «إنّ الدولة نقطة ارتكاز نهائية لأي نشاط سياسي، وثمرة عليا لأي مشروع مطلبي أو تغييري، والمصبّ النهائي لأي رؤية مجتمعية. فالدولة ليست مضافة إلى المجتمع، بل هي المجتمع نفسه منظورٌ إليه من أعلى مستويات تنظيمه لنفسه. إنّها داخليته ومرجع هويته ومبرّر وجوده… فالمجتمع المدني ليس اللادولة، وإنّما هو شرط وجود الدولة، مثلما أنّ الدولة هي شرط وجوده أيضاً. فعلى رغم قيام المجتمع المدني كوحدة قائمة بذاتها، إلا أنّه يكتسب عينيته وملموسيته من علاقته بالدولة والأوضاع السياسية ونظام الحكم».
لا يمكننا أن نتحدث عن الدولة المدنية من دون استحضار رجل من رجال الاستقلال، فؤاد شهاب، لا اسماً علَماً لقائد جيش ورئيس جمهورية وحسب، بل عنوانا لمرحلة ما زال لها شهودها، باقية على صورة «دولة مدنيَّة»، لا عسكرية ولا دينية. فحاول جاهدا القيام بإصلاحات في الإدارة الرسمية اللبنانية، بأنها «دولة حديثة تتأسس على علاقة التعاقد الوطني، بعيداً عن التعاقد الطائفي». وتعود بنا الذاكرة أيضا إلى كل ما تحدث عنه كمال جنبلاط في كتابه «نظرة عامة في الشؤون اللبنانية والذهنية السياسية»، فيؤمن أنه: «لا وطن قومي مسيحي في لبنان ولا وطن قومي إسلامي، ولا طغيان سياسي لطائفة على طائفة، بل دولة مدنيّة علمانية تحترم مبادئ الأديان وتعاليمها الأخلاقية المشتركة وتستند إليها. فعلمانية الدولة شرط بقاء لبنان وضمان بنيه».
منذ أن أبصرت الدولة اللبنانية النور، وحلبة صراع الطوائف مفتوحة للجميع في أي زمان ومكان. لأن الطوائف بتعددها واختلافها لا يمكنها أن تبني دولة، ولأن «الدولة» بشكلها الحالي مبنيّة أصلا على الطوائف. ولأن لا أمل بأن تغيّر الطبقة السياسية هذا الواقع، ولا أن تتغير هي بحد ذاتها، فلا بدّ لحملات من هذا النوع، مثل حملة 81202040 أن تُظهر ما يريده اللبنانيون حقاً. لعلّ هذه الصرخة لا تقع على آذان صمّاء، وأن لا تكون «موضة تويترية» عابرة، ينطفئ وهجها مع مرور الوقت.