القرصنة... سرطان الإنترنت الخبيث ومراحل تطوره عبر التاريخ

القرصنة الإلكترونية تجتاح العالم (إنديان اكبرس)
القرصنة الإلكترونية تجتاح العالم (إنديان اكبرس)
TT

القرصنة... سرطان الإنترنت الخبيث ومراحل تطوره عبر التاريخ

القرصنة الإلكترونية تجتاح العالم (إنديان اكبرس)
القرصنة الإلكترونية تجتاح العالم (إنديان اكبرس)

يقولون إن السرقات الكبيرة تحدث في وضح النهار. وهذا ما برهنه بالفعل قراصنة «الفدية الخبيثة».
فجأة ومن دون مقدمات، وجدت 99 دولة نفسها تحت رحمة بركان هائج من الهجمات الإلكترونية غير المسبوقة، والتي أثرت على أداء الكثير من المؤسسات والمنظمات الحكومية والخاصة في العالم.
ضرب فيروس «وانا كراي» الناجم عن برنامج «الفدية الخبيثة» الجسم الدولي أجمع، وتفشى فيه كسرطان قاتل.
من روسيا إلى إسبانيا والمكسيك وفيتنام، تضررت عشرات الآلاف من أجهزة الكومبيوتر بالبرنامج الذي يستغل ثغرة في نظام التشغيل «ويندوز». ويعتقد الخبراء أن هذه الثغرة كشفت في وثائق تمت قرصنتها العام الفائت، لوكالة الأمن القومي الأميركية (إن إس إيه).
ويمنع البرنامج المستخدم من فتح ملفاته ويجبره على دفع مبلغ من المال قيمته 300 دولار (275 يورو) لاستعادتها. وتدفع الفدية بالعملة الافتراضية «بيتكوين» التي يصعب تقفي أثرها.
* تحقيقات دولية بالكارثة الإلكترونية
استدعى الحدث الطارئ إعلاناً خطيراً من المكتب الأوروبي لأجهزة الشرطة الأوروبية (يوروبول) الذي أكد أن «الهجوم بمستوى غير مسبوق، وسيتطلب تحقيقاً دولياً معقداً لمعرفة الفاعلين»، بينما ركز وزراء مالية مجموعة السبع خلال اجتماعهم في إيطاليا على مسألة الأمن الإلكتروني ومكافحة القرصنة المعلوماتية.
يبحث المحققون وخبراء المعلوماتية عن آثار القراصنة الذين شنوا الهجمات إلكترونية الخبيثة.
ذكر اليوروبول أنه تم تشكيل فريق في المركز الأوروبي لمكافحة جرائم المعلوماتية «للمساعدة في هذا التحقيق»، موضحا أنه «سيضطلع بدور كبير فيه».
وأكد المسؤول في الشركة المعلوماتية «إف - سيكيور» في فنلندا، ميكو هيبونين، لوكالة الصحافة الفرنسية «انه أكبر هجوم من هذا النوع في التاريخ»، مشيرا إلى «اختراق 130 ألف نظام في مائة بلد في العالم».
أما الشرطة الفرنسية فقد ذكرت أن موجة الهجمات الإلكترونية أصابت «أكثر من 75 ألف» جهاز كومبيوتر في العالم حتى الآن.
شرح لانس كوتريل، المدير العلمي لمجموعة «إنتريبيد» الأميركية التكنولوجية، أنه خلافا للفيروسات العادية، هذا الفيروس ينتقل من كومبيوتر إلى آخر عبر الخوادم المحلية وليس العناوين الإلكترونية. وأكد أن تأثير البرنامج «الخبيث» يمكنه أن يتفاعل مع الحاسوب من دون أن يقوم أحد بفتح رسالة إلكترونية أو النقر على رابط ما.
*أبرز المتضررين
بقي الخبراء متحفظين حيال انتشار الفيروس. فأعلن لوران ماريشال الخبير في الأمن المعلومات في شركة «ماك - افي» لوكالة الصحافة الفرنسية: «لا نعرف حتى الآن ما إذا كان الأمر في انحسار أو في تصاعد».
ويبدو أن القطاع الصحي البريطاني الذي يعمل فيه 1.7 مليون موظف، كان من الضحايا الرئيسيين لهذه القرصنة.
تحدثت وزيرة الداخلية البريطانية امبر راد للبي بي سي قائلة إن «نحو 45 مؤسسة» طبية تأثرت بهذا الهجوم. وقد اضطر بعضها لإلغاء عمليات جراحية أو إرجائها.
واعترفت مجموعة رينو الفرنسية لصناعة السيارات بأنها تأثرت بهذا الهجوم، ولا سيما مصنع داسيا رينو في رومانيا ومصنع ساندرلاند في بريطانيا واليابانية نيسان شريكة رينو.
أعلن البنك المركزي الروسي أن نظامه المصرفي استهدف بالهجوم الإلكتروني وكذلك عدد من الوزارات، موضحا أن القراصنة حاولوا اختراق المنشآت الإلكترونية لشبكة السكك الحديد.
وتأثر بهذه العملية عدد من الشركات مثل مجموعة «فيديكس» الأميركية العملاقة للبريد وشركة الاتصالات الإسبانية «تلفونيكا» التي دعت موظفيها بمكبرات الصوت إلى وقف تشغيل أجهزة الكومبيوتر فورا.
كتب القرصان الإسباني السابق، شيما الونسو، الذي أصبح مسؤولا عن أمن المعلوماتية في «تلفونيكا» الإسبانية، على مدونته قائلا: «على الرغم من الضجة الإعلامية التي أثارها هذا البرنامج للحصول على فدية، لم يكن له تأثير حقيقي، لأنه ظهر على محفظة العملة المستخدمة أن عدد الصفقات ضئيل».
وتابع أن آخر أرقام السبت تشير إلى أن «ستة آلاف دولار فقط» دفعت إلى طالبي الفديات.
دفع هذا المبلغ المتواضع، عمار زنديق، المسؤول في شركة الأمن المعلوماتي «مايند تكنولوجيز» إلى ترجيح كفة هجوم شنه قراصنة أرادوا إثارة ضجة أكثر من جمع أموال.
وفي مبادرة غير معهودة، قررت مايكروسوفت تفعيل تحديث لبعض برامجها لمواجهة هذا الفيروس. ويهاجم هذا الفيروس خصوصا نسخة «ويندوز اكس بي» التي لم تعد «مايكروسوفت» تؤمن متابعتها التقنية. ولم يستهدف نظام التشغيل «ويندوز 10» بالهجوم.
*بطل مجهول أوقف العملية بـ11 دولارا فقط
نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية أن «البطل المجهول» دارين هوس، العامل في شركة الأمن «Proofpoint» استطاع إيقاف عملية القرصنة بـ11 دولارا فقط.
فقام هوس، بالاشتراك مع صاحب حساب «تويتر» «MalwareTechBlog» بشراء اسم النطاق المشفر في كود الفيروس والذي يسمى «iuqerfsodp9ifjaposdfjhgosurijfaewrwergwea.com»، ما أحبط أي محاولة من القراصنة لخرق أي حاسوب أو ملف إلكتروني.
وأكدت «الغارديان» أن هوس وصديقه رصدا بعد ذلك آلاف الطلبات التي ترسل إلى النطاق المسجل في الثانية الواحدة. ونقلت عن هوس قوله: «لم أكن أتصور أن تسجيل اسم النطاق سيوقف البرمجية الخبيثة»، محذرا في الوقت نفسه أنه في حال غير الهاكرز من كود البرمجية فسيستعيد الفيروس القدرة على العمل.
ووفقا لموقع «lenta» الروسي، فإن اسم النطاق المكتشف في نص الكود كان يجب أن يستخدمه الهاكرز في الحالات القصوى.
وكانت شركة «Windows» أصدرت تحديثات خاصة لأنظمة التشغيل حتى تلك التي لم تعد توفر دعما تقنيا لها مثل «Windows XP» و» Windows Server 2003» و» Windows 8»، وذلك للحماية من إصابة الأجهزة بفيروس «WanaCrypt0r 2.0» وهو نفسه «WannaCry» الذي يقوم بتشفير البيانات ويظهر رسالة بدفع فدية.
أما موقع Politico، فأفاد بأن البرنامج الذي أنتجته وكالة الأمن القومي الأميركية، يسمح للبرمجيات الخبيثة بالانتشار عبر بروتوكولات تبادل الملفات المثبتة على أجهزة حواسيب كثير من المؤسسات حول العالم.
فالقراصنة، أو «الهاكرز» يستخدمون البرامج التي استخدمتها وكالة الأمن القومي الأميركية على شكل واسع خاصة في هكذا حالات استثنائية ومهمات خطرة، وفقا لتغريدة العميل السابق للوكالة، إدوارد سنودون.
*تاريخ القرصنة الإلكترونية
لم يكن مفهوم الاختراق قديما يعني اختراق شبكة حاسوب أو موقع إلكتروني فقط، وإنما كان اختراق أي جهاز لتحقيق هدف خاص يسمى اختراقا. لذلك، يمكننا القول إن عام 1903 شهد أول عملية اختراق في التاريخ، وتطورت الاختراقات بعدها لتصل إلى حد الحروب الإلكترونية.
كان الفيزيائي جون أمبروز فلمنج يستعد لعرض إحدى العجائب التكنولوجية المستجدة في عام 1903، وهي نظام تلغراف لاسلكي بعيد المدى ابتكره الإيطالي جوليلمو ماركوني، في محاولة لإثبات أن رسائل شفرة مورس يمكن إرسالها لاسلكيا عبر مسافات طويلة. وكان الحدث منظما أمام جمهور غفير في قاعة محاضرات المعهد الملكي الشهيرة بلندن.
وقبل بدء العرض بقليل، بدأ الجهاز ينقر، مكونا رسالة. بدأت الأحرف بالظهور، وتحولت إلى قصيدة ساخرة بشكل غير لائق تتهم ماركوني «بخداع الجمهور».
والمخترق هو الساحر والمخترع البريطاني نيفيل ماسكيلين الذي قال لصحيفة «تايمز» إن هدفه كان كشف الثغرات الأمنية من أجل الصالح العام.
- الثمانينات والتسعينات
وفي عام 1981 تشكلت مجموعة قراصنة «نادي فوضى الحاسوب» في ألمانيا، ومجموعة «آسياد البرامج» (وير لوردز) في أميركا التي تتألف من الكثير من المتسللين المراهقين ومخترقي الهاتف والمبرمجين والكثير من قراصنة الحاسوب الذين يعملون في الخفاء.
أما في صيف عام 1994، فتمكن قرصان روسي يدعى فلاديمير ليفين من اختراق بنك «سيتي بنك» الأميركي وتحويل عشرة ملايين دولار من حسابات عملاء إلى حساباته الشخصية في فنلندا وإسرائيل.
حكم عليه بعد اعتقاله بالسجن ثلاث سنوات، واستعادت السلطات كافة المبلغ المسروق باستثناء أربعمائة ألف دولار.
- القرن الـ21
في ديسمبر (كانون الأول) 2006 أجبرت ناسا على حجب رسائل البريد الإلكتروني التي تأتي مع مرفقات قبل إطلاق المركبات الفضائية خشية اختراقها، وذكرت مجلة «بيزنس ويك» الأميركية أن خطط إطلاق مركبات الفضاء الأميركية الأخيرة حصل عليها مخترقون أجانب غير معروفين.
في عام 2007 تعرضت شبكات حاسوب الحكومة الإستونية لهجوم من نوع الحرمان من الخدمة من طرف مجهولين، وذلك بعد جدال مع روسيا بشأن إزالة نصب تذكاري، وتعطلت في الهجوم بعض الخدمات الحكومية الإلكترونية والخدمة المصرفية عبر الإنترنت.
أيضا في ذلك العام، تمكن قراصنة من اخترق حساب بريد إلكتروني غير سري لوزير الدفاع الأميركي، ضمن سلسلة كبيرة من الهجمات للوصول إلى شبكات حاسوب البنتاغون.
استمرت مساعي القراصنة لسرقة عدة حسابات ومواقع وملفات إلكترونية بالتفاقم في الأعوام الماضية. وسجل العالم الكثير من عمليات القرصنة الكبيرة، وتتفاوت أكبر عمليات قرصنة في العالم بين موقع وآخر، لكن لم تنكر أي جهة أن قضية القرصنة المتعلقة بالانتخابات الأميركية عام 2016، نقلت هذه المحاولات من مجرد تلاعب إلكتروني رقمي إلى حرب عالمية واسعة.
- العبث بالانتخابات
تصاعدت حدة الجدل في الولايات المتحدة بشأن اتهامات روسيا بالقرصنة خلال الانتخابات الأميركية، وبحسب تقارير أميركية، فإن واشنطن حددت العملاء الروس المسؤولين عن القرصنة الإلكترونية، وفقا لشبكة «سي إن إن» الأميركية.
وأفادت البيانات بأن هؤلاء الأشخاص، الذين لم تذكر أسماؤهم، أرسلوا رسائل إلكترونية «إيميلات» خاصة بالحزب الديمقراطي، إلى موقع ويكيليكس الذي ينشر وثائق مسربة، في محاولة للتأثير في التصويت لصالح دونالد ترمب، وإسقاط منافسته هيلاري كلينتون.
- إسقاط مسؤولين
تسببت وثائق سرية قرصنها الروس بإسقاط المرشحين عن الحزب الديمقراطي لانتخابات الكونغرس في الكثير من الولايات.
كما تسببت عمليات القرصنة الإلكترونية الروسية بتصاعد السجال بين الرئيس المنتخب ووكالات الاستخبارات الوطنية بعد العثور على دلائل تؤكد محاولة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من خلال أجهزة الاستخبارات تشويه الديمقراطية الأميركية، وتحديد هوية الفائز بالانتخابات.
دفع هذا الأمر إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إلى طرد دبلوماسيين روس من الولايات المتحدة وفرض عقوبات جديدة على موسكو.
أقال ترمب الأسبوع الفائت، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، جيمس كومي، الذي كان يقود تحقيقات متعلقة بصلات محتملة بين فريق حملة ترمب وروسيا.
وكان كومي (56 عاما) الذي عينه أوباما في هذا المنصب، أكد في 20 مارس أنه يحقق في احتمال «التنسيق» بين مقربين من ترمب وروسيا قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، واحتمال قرصنة الروس لملفات متعلقة بكلينتون، منافسة ترمب للرئاسة، ما دفع بترمب للفوز بلقب الرئاسة.
يمكننا أن نتهم التطور التكنولوجي وصانعي العالم الافتراضي والرقمي بكل ما وصلنا إليه اليوم من جرائم إلكترونية وعمليات سرقة وقرصنة قدرت بملايين الدولارات سنويا في العالم. ذلك عدا عن ضحايا القراصنة المتخصصين بجرائم الاغتصاب وترويج المخدرات وخطف الأطفال والتجارة بالبشر. ولكن، لا يسعنا أيضا إلا أن نتهم الحروب والمجاعات والفقر المتفشي في العالم، الذي فجر طاقات البشر السلبية. فمفهوم القرصنة لم يكن مرتبطا بالإنترنت من قبل. بل، ارتبط بالسرقات الناتجة عن حروب بين جماعات وعشائر وملوك وسلاطين وبلدان. ومما يحصل في العالم من حولنا، أصبح بوسعنا التأكد أن الحرب تخلق اللصوص، بكل أشكالهم وأهدافهم، والسلام وحده يشنقهم.



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.