دستور اليابان يتأرجح بين السلمية والدفاعية

في ذكراه السبعين تأييد شعبي لمبادئه الأولى وسعي حكومي لتغييره ليناسب الوضع الدولي

دستور اليابان يتأرجح بين السلمية والدفاعية
TT

دستور اليابان يتأرجح بين السلمية والدفاعية

دستور اليابان يتأرجح بين السلمية والدفاعية

رغم أن اليابانيين يفتخرون بدستورهم ويرونه مثالاً لتقدم الحضارة البشرية واعتناق الإنسان لمبادئ السلام، فإن المناخ السياسي الحالي المحلي والدولي بدأ يبتعد قليلا عن تلك الأجواء التي سادت لسبعين عاما، وأبعدت اليابان عن النزاعات الدولية. وفي الذكرى السبعين بالذات، التي صادفت يوم أول من أمس، أتى التعبير الأقوى عن الخطر الذي يحيق باستمرارية الدستور الحالي، على شكل إعلان صريح وغير مسبوق لرئيس الوزراء شينزو آبيه عن جدول زمني محدد لتحقيق حلمه بتغييره. حيث قال في رسالة فيديو موجهة إلى منتدى حول الدستور نظمه مركز أبحاث يميني التوجه في طوكيو، إنه يأمل أن يرى الدستور الجديد النور في عام 2020، داعياً اليابانيين إلى الدخول في نقاش معمّق حول الشكل الذي يجب أن تكون الصيغة الجديدة عليه.
في الواقع، فإن تغييرا قد بدأ بالفعل. فقبل الذكرى بيومين أبحرت «إيزومو» كبرى سفن قوات الدفاع الذاتي اليابانية من قاعدة يوكوسوكا البحرية جنوبي طوكيو لترافق سفينة حربية أميركية تبحر قرابة الشواطئ اليابانية والقيام بحمايتها. وقد أصبحت مهمات عسكرية كتلك ممكنة قانونياً منذ سبتمبر (أيلول) 2015 عندما أقرّ البرلمان الياباني عدداً من القوانين الأمنية التي تبنّت تفسيراً جديداً تماماً للدستور، يسمح لليابان بممارسة حق الدفاع الذاتي، وأيضاً الدفاع عن دول حليفة، حتى لو لم تتعرض اليابان لعدوان مباشر.
وكثفت كوريا الشمالية على مدى الاثني عشر شهرا الماضية تجاربها الصاروخية، وكان أحدثها تجربة إطلاق باءت بالفشل يوم السبت الماضي. واتهمت بيونغ يانغ الولايات المتحدة بدفع شبه الجزيرة الكورية إلى شفا حرب نووية بعد أن أجرت قاذفتان أميركيتان استراتيجيتان تدريبات مع القوات الجوية الكورية الجنوبية واليابانية.
آنذاك لم تستطع المعارضة إيقاف تمرير القوانين؛ نظراً للأغلبية التي يحظى بها الائتلاف الحاكم في مجلسي النواب والمستشارين، إلا أن جلسات البرلمان شهدت مئات الساعات من النقاشات الحادة، كما غزت شوارع طوكيو مظاهرات حاشدة لمعارضة القوانين الجديدة، ذكّرت بفترات النشاط السياسي الطلابي في ستينات القرن الماضي. ويرى مناصرو الحفاظ على الدستور الحالي في القوانين الجديدة التفافاً على روح الدستور المتمثلة في الفقرة التاسعة الشهيرة التي تنص صراحة على أن اليابان تنبذ الحرب بصفتها حقّاً سيادياً، وتمتنع عن امتلاك قوات عسكرية.
أظهر استطلاع نشرت نتائجه يوم الأربعاء بمناسبة الذكرى، أن ناخبي اليابان منقسمون بشدة حول حملة رئيس الوزراء شينزو آبي لتعديله وسط حالة من القلق بسبب التوتر مع كوريا الشمالية. وأظهر الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة «نيكي» بالتعاون مع قناة «تي.في طوكيو» ونشر بمناسبة ذكرى صياغة الدستور، أن هناك تزايدا في التأييد لحملة آبي لتعديل الوثيقة التي كتبتها الولايات المتحدة بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، ولم يطرأ عليها أي تعديل من وقتها. ويشير الاستطلاع إلى أن نحو 46 في المائة ممن شاركوا فيه يؤيدون الإبقاء على الدستور بصيغته الحالية، وهو ما يقل أربع نقاط مئوية عن استطلاع مماثل أجري العام الماضي. أما نسبة المؤيدين للتعديل فبلغت 45 في المائة بزيادة خمس نقاط مئوية عنها قبل عام.
ويبدو أن الرأي العام الياباني يتجه ببطء إلى قبول تغيير الدستور. وتطرح تساؤلات حول ما إذا كان ذلك نابعاً من عدم اهتمام المواطن الياباني العادي بالشؤون السياسة، وتسليمه أمر اتخاذ القرارات لـ«ذوي الأمر»، أم أن التوتر المتصاعد مع كوريا الشمالية والمستمر مع الصين قد لعب دوراً أساسيا في ذلك.
وأشار آبي يوم الاثنين إلى تزايد خطورة «الوضع الأمني» كعامل يظهر أن الوقت حان لاتخاذ «الخطوة التاريخية صوب الهدف الكبير المتمثل في الإصلاح الدستوري»، وفقا لما ذكرته وكالة «كيودو» للأنباء. ونقلت «كيودو» عن آبي قوله أمام جمع في طوكيو ضم عددا من المشرعين المؤيدين للتعديل الدستوري والمنتمين إلى أحزاب مختلفة «إن من يظنون أن الدستور مجلد خالد هم الآن أقلية صغيرة».
وفي مارس (آذار) تقدم الحزب الديمقراطي الحر الحاكم باقتراح رسمي بأن تبحث الحكومة اكتساب قدرات تمكنها من ضرب قواعد العدو، وتعزيز الدفاع الصاروخي في مواجهة تهديدات كوريا الشمالية. وتنص المادة التاسعة من الدستور على أن تنبذ اليابان وللأبد الحق في شن حرب.
ويثير الدستور الياباني نقاشاً مستمراً منذ عقود، فهو كتب بيد عدد من الموظفين الأميركيين في إدارة الاحتلال الأميركي لليابان بعد الحرب العالمية الثانية وتحديداً عام 1947، لكن اليسار الياباني الذي رفض الاحتلال الأميركي وما تلاه من ارتباط وثيق بين طوكيو وواشنطن يدافع عن الدستور، ويعتبر أن الأميركيين أرادوا أن يحيّدوا اليابان عن الحروب في تلك الفترة، فخلقوا وثيقة سلمية عن طريق الخطأ، لكنه خطأ أدى إلى صواب، بحسب تعبيرهم.
ويشير أصحاب هذه النظرية إلى دعوة الولايات المتحدة اليابان للتخلي عن الفقرة التاسعة ودعم القوات الأميركية خلال الحرب الكورية في الخمسينات، أي بعد تطبيق الدستور الياباني بسنوات قليلة. أما النظريات السائدة في أوساط اليمين، فهي غالباً ما ترى في الدستور رمزاً لهزيمة اليابان في الحرب، وسبباً لبقاء اليابان بلداً غير طبيعي من ناحية حرمانه من حق امتلاك جيش يدافع عن أرضه كسائر الأمم.
وفي الواقع، تمتلك اليابان قوات عسكرية ضخمة تندرج عادة ضمن ترتيب القوات العشر الأكبر حجماً في العالم، لكنها تحمل اسم قوات الدفاع الذاتي وليس الجيش الياباني، كما أن وزارة الدفاع اليابانية لم تحظ بهذا الاسم إلا منذ عشر سنوات، حيث كانت تسمى وكالة الدفاع الذاتي لغاية عام 2007. ولا ينحصر الجدل المتعلق بالدستور في الأمور العسكرية، حيث تسعى الحكومة الحالية لإدخال بنود تكرس توجهها الاجتماعي المحافظ في نصّ الدستور الجديد. وتتضمن البنود المقترحة حالياً من طرف الحكومة تأكيداً على أهمية القيم العائلية، وغيرها من القيم الأخلاقية التقليدية التي يخشى البعض أن تفتح الباب لتدخل الدولة في الحياة الخاصة للمواطنين، وأن تتعارض مع الحريات الفردية، أو أن تنعكس على مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية. فعلى سبيل المثال، قد يطرح وجود مثل تلك البنود تساؤلات حول حدود مسؤولية الدولة في تقديم الضمان الاجتماعي للمسنّين في مقابل مسؤولية العائلة اليابانية إزاء مسنّيها.
كما تتضمن القضايا الدستورية مسائل تتعلق بالأسرة الإمبراطورية ومنها حقّ الإمبراطور في التنحي من منصبه، وهي قضية ساخنة في اليابان حالياً منذ تلميح الإمبراطور الحالي أكيهيتو في كلمة متلفزة صيف العام الماضي إلى مسألة تقدمه في السنّ، وصعوبة ممارسته واجباته العامة. وفي السياق ذاته، قد تظهر مسألة أخرى في السنوات المقبلة تتمحور حول إمكانية اعتلاء امرأة للعرش الإمبراطوري الياباني، وذلك في ظل عدم وجود ابن ذكر لولي العهد الحالي الأمير ناروهيتو.

معرض عن الدستور الياباني في الذكرى السبعين لكتابة نصه (أ.ف.ب)
الذكرى الثلاثون للهجوم على صحيفة «أساهي»
* تزامن إحياء الذكرى السبعين للدستور الياباني في 3 مايو (أيار) مع الذكرى الثلاثين للهجوم الإرهابي على مقر صحيفة «أساهي» في مقاطعة هيوغو غربي اليابان، الذي وقع في الثالث من مايو عام 1987 حين اقتحم شخص مسلّح مقر الصحيفة المعروفة بتوجهها اليساري في مدينة نيشينوميا، وأطلق النار على صحافيين اثنين؛ فأردى أحدهما قتيلاً. منظمة «سيكيهوتاي» اليمينية المتطرفة أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم آنذاك.

نص المادة التاسعة من الدستور الياباني
* يتطلع الشعب الياباني بصدق وإخلاص إلى السلام العالمي القائم على أسس من العدل والنظام، ويتخلى إلى الأبد عن الحرب بصفتها حقاً سيادياً للدولة، وعن القيام بأي أعمال عدوانية أو تهديد بواسطة العنف كوسيلة لحل النزاعات الدولية. ومن أجل تحقيق الغاية من البند السابق، لا يتم امتلاك قوات برية أو بحرية أو جوية أو غيرها من القوات العسكرية، ولا تعترف الدولة بحقها في خوض الحروب.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».