أولويات ترمب في الشرق الأوسط... كبح إيران ومكافحة «داعش»

تضارب تصريحات إدارته يربك سياسة واشنطن لوقف الحرب في سوريا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه بعد توقيعه أمراً تنفيذياً بوزارة الداخلية أمس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه بعد توقيعه أمراً تنفيذياً بوزارة الداخلية أمس (أ.ب)
TT

أولويات ترمب في الشرق الأوسط... كبح إيران ومكافحة «داعش»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه بعد توقيعه أمراً تنفيذياً بوزارة الداخلية أمس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه بعد توقيعه أمراً تنفيذياً بوزارة الداخلية أمس (أ.ب)

تغيّرت شعارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب كثيرا بين فترتي الحملة الانتخابية ودخوله المكتب البيضاوي، كما تغيرت مواقفه من زعماء دول كالرئيس الصيني شي جينبينغ ومنظمات دولية كالحلف الأطلسي، إلا أن موقفه من قضيتين اثنتين ظل ثابتا رغم المتغيرات؛ هما كبح طموحات إيران في منطقة الشرق الأوسط ومكافحة تنظيم داعش الإرهابي.
* كبح إيران وتعزيز التعاون الأميركي - الخليجي
نقلت شبكة «بلومبرغ» أمس، أن ترمب تدخل مباشرة لدى وزير خارجيته ريكس تيلرسون لتشديد لهجة رسالة وجهت، الأسبوع الماضي، للكونغرس تقيّم التزام إيران بالاتفاق النووي. وقالت الشبكة، نقلا عن مصدر مطلع لم تعرّفه، إن ترمب شدد على ضرورة تذكير أعضاء الكونغرس بدور إيران في دعم الإرهاب رغم التزامها ببنود الاتفاق. ويقدّم تقييم لمدى التزام طهران بالاتفاق الذي وقعته مع دول (5+1) للمشرعين الأميركيين كل 90 يوما.
وشملت الرسالة كذلك أن الإدارة تدرس إمكانية إعادة فرض عقوبات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
وبعد يوم من تقديم الرسالة للكونغرس، ظهر تيلرسون في وزارة الخارجية لانتقاد الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس باراك أوباما، واصفا إياه «مثالا جديدا لشراء (صمت) قوة ذات طموحات نووية. نسكتهم لفترة قصيرة، ثم يضطر شخص آخر للتعامل معها في وقت لاحق».
ويعتبر الملف النووي من القضايا الخارجية القليلة التي يتفق فيها كل من البيت الأبيض، ووزارتي الدفاع والخارجية، وسفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة على الخطاب نفسه. ذلك أنه في أحيان كثيرة، تصدر من وزارة تيلرسون والسفيرة نيكي هايلي والمتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر تعليقات متضاربة حول بقاء الأسد في سوريا أو اقتراب حاملة الطائرات الأميركية «كارل فينسون» من شبه الجزيرة الكورية، أو غيرها من القضايا.
واتهم الرئيس الأميركي، الأسبوع الماضي خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء الإيطالي باولو جينتليوني، إيران بأنها «لا تلتزم بروح الاتفاق النووي»، محذراً طهران من أن إدارته تدرس الانسحاب من «الاتفاق السيئ».
من جهتها، لمّحت مندوبة واشنطن الدائمة لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي إلى أن إيران هي الدولة الوحيدة المستفيدة من استمرار الصراعات في منطقة الشرق الأوسط، متهمة إياها، دون ذكرها بالاسم، برعاية إرهاب الدولة.
وقالت هايلي إن الصراعات المتعددة في الشرق الأوسط خلفت مئات الآلاف من القتلى والملايين من النازحين. وقد أضاف تدفق المقاتلين الإرهابيين الأجانب عبر الحدود تعقيدا إلى شبكة مبهمة من الجماعات الإرهابية، مع تحالفات متلاحقة تهدد السلم والأمن الدوليين في المنطقة والعالم.
وفي إشارة مبطنة إلى دور إيران في المنطقة، أشارت السفيرة هايلي إلى أن «مجلس الأمن يتناول عدداً من الصراعات على أساس منتظم، ولكنه كثيراً ما يغفل عن التفاعل بين الصراعات، ودور بعض الأطراف الفاعلة في إثارة الصراع، والاستفادة منه في جميع أنحاء المنطقة».
وفي هذا الإطار، كان عنوان زيارة وزير الدفاع الأميركي الجنرال جيمس ماتيس إلى السعودية تعزيز التعاون بين واشنطن وحلفائها التقليديين في المنطقة، الذي خفت نجمه خلال السنوات الماضية، وتأكيد توجه واشنطن الجديد الرامي إلى التضييق على تدخل إيران في الدول العربية.
وبهذا الصدد، يرى حسين إبيش، الباحث في معهد دول الخليج العربية بواشنطن، أن زيارة وزير الدفاع الأميركي الأخيرة إلى منطقة الشرق الأوسط «كانت مكللة بنجاح كبير من وجهة نظر العلاقات الأميركية - الخليجية، ومطمئنة إلى حد كبير لقيادات دول الخليج العربي». وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» «أنها عززت كذلك، وإلى حد كبير، من بعض الأهداف الرئيسية لإدارة الرئيس دونالد ترمب، بما في ذلك تطوير علاقات مالية قوية، وتقاسم الأعباء الكبيرة مع الحلفاء، والتركيز الشديد على مواجهة إيران، وجهود مكافحة الإرهاب».
وتابع إبيش أن هناك تحوّلا واضحا وكبيرا في السياسة نحو اعتماد سياسات أكثر صراحة حيال طهران على كافة الجبهات تقريبا، والاستمرار في تنفيذ بنود الاتفاق النووي بدلا من إلغائه بالكلية. «ولكن في نفس الوقت، تحديد وضعية إيران باعتبارها المصدر الرئيسي لزعزعة الاستقرار الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. وهذا من الأمور التي تبعث على الارتياح الكبير بالنسبة للكثير من حلفاء واشنطن في الخليج العربي».
وأضاف إبيش: «بدأنا بالفعل في الانتقال من الطموح إلى العمل الحقيقي، من حيث زيادة مستويات التعاون بين الولايات المتحدة والدول العربية، وهي من العمليات المعقدة بدرجة كبيرة. وبالنسبة إلى العلاقات الأميركية - السعودية، ستستند هذه العملية على أسس استراتيجية عامة، من حيث الجمع بين المبادرات الاقتصادية وإعادة التوجيه العام للسياسات الأميركية في المنطقة لصالح الجانب العربي».
* سياسة مرتبكة في سوريا
صدم الرئيس الأميركي العالم بقراراته المتعلقة بالملف السوري، إذ غيّر معظم مواقفه التي أدلى بها سابقا خاصة منها تلك المتعلقة برفضه رد عسكري على انتهاك نظام الأسد للقوانين الدولية باستخدام السلاح الكيماوي ضد مواطنيه.
وفي عام 2013 عندما رسم أوباما «خطه الأحمر» وهدد بالرد على استخدام الأسد للكيماوي ضد مدنيين، كان ترمب من أشد المعارضين لرد عسكري على الأسد، ونصح أوباما بضرورة الحصول على موافقة الكونغرس.
ومساء الخميس 6 أبريل، أمر الرئيس الأميركي من منتجعه بكاليفورنيا باستهداف قاعدة الشعيرات التابعة للنظام السوري بـ59 صاروخ توماهوك. وسارع حلفاء واشنطن في أوروبا بدعم الهجوم، مشددين على أنها كانت عملية محدودة، لا بداية تدخل عسكري ضد نظام الأسد. ولم تكف هذه التأكيدات لتطمين موسكو، التي نددت بـ«تجاوز السيادة السورية».
وفيما أفادت تسريبات نقلتها صحيفة «واشنطن بوست» أن البنتاغون قدم خطة من ثلاثة محاور للبيت الأبيض هي هزيمة «داعش» وتحقيق الاستقرار وتنظيم المرحلة الانتقالية، لا تزال خطة إدارة ترمب لحل الأزمة السورية يسودها الكثير من الغموض.
وما يزيد من ارتباك الوضع، هو تضارب مواقف نيكي هايلي من جهة، ووزير الخارجية ريكس تيلرسون من جهة أخرى.
وفي مقابلة مع قناة «سي إن إن»، مطلع الشهر الحالي، قالت هيلي إنها ترى أن تغيير النظام في سوريا هو إحدى أولويات إدارة الرئيس دونالد ترمب. وتابعت أن أولويات واشنطن هي هزيمة تنظيم «داعش»، والتخلص من النفوذ الإيراني في سوريا وإزاحة الرئيس بشار الأسد.
وأضافت هيلي «لا نرى سوريا سلمية مع وجود الأسد».
في المقابل، اتخذ تيلرسون موقفا أكثر حذرا في تصريحاته لقناة «فوكس نيوز» في اليوم نفسه، مؤكدا أن هزيمة «داعش» «ستمكننا من توجيه اهتمامنا مباشرة إلى تحقيق استقرار الوضع في سوريا». ثم عاد تيلرسون لتأكيد تصريحات هيلي السابقة خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الروسي، سيرغي لافروف، حيث قال إن «حكم عائلة الأسد قد وصل نهايته».
من جهته، نقل سفير روسيا لدى الأمم المتحدة في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية أمس عن ترمب قوله إن مصير الأسد لا يشكل «عقبة» أمام إنهاء النزاع. وقال بيتر أيليتشيف، عقب اجتماع لترمب مع سفراء مجلس الأمن الدولي، إنه بالنسبة لترمب «بقاء (الأسد) أو رحيله ليس مهما. المهم هو العملية السياسية ووقف إراقة الدماء والأعمال القتالية (....) وعندئذ الشعب سيقرر». ولم يعلق البيت الأبيض على هذه التصريحات حتى وقت كتابة هذه السطور.
وفي إطار الخيارات المطروحة أمام إدارة ترمب، ترى دراسة أصدرها المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتهام هاوس»، أن الخيار العسكري في سوريا لن يأتي وحده بنتيجة. وأن الخلافات بين البيت الأبيض ووكالة الاستخبارات المركزية والبنتاغون تسببت في السابق في فشل السياسات الأميركية؛ في الوقت الذي اقتصر الدور الأوروبي على المجال الإنساني والمساعدات التي لم تأت بثمار في ظل تفاقم العنف.
واعتبرت الدراسة أن واشنطن تستطيع الضغط على النظام السوري باستخدام ورقة العقوبات الاقتصادية ووعود إعادة الإعمار، خاصة في فترة ما بعد انتهاء النزاع، لضمان التزامه أمنيا وسياسيا وعلى مستوى حقوق الإنسان.
* نقل السفارة الأميركية إلى القدس
أثارت تصريحات الرئيس الأميركي حول نقل السفارة الأميركية للقدس وتشجيعه دولا أخرى على نقل سفاراتها، حفيظة الفلسطينيين ومخاوف من اندلاع أعمال عنف بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في حال نقلها.
وبينما رجح مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي، أخيرا أمام لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) نقل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس وقال إن الرئيس دونالد ترمب يدرس الأمر «بجدية»، يبدو أن بحث المسألة تأجل منذ أن تولى ترمب السلطة.
ولم يوضح ترمب موقفه من دعم حل الدولتين كأساس لاتفاق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وقال خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ردا على سؤال أحد الصحافيين: «أدرس كلا من حل الدولتين، والحل الذي ينص على وجود دولة واحدة، وسيعجبني الاتفاق الذي سيعجب كلا الطرفين» الفلسطيني والإسرائيلي. وأضاف ترمب: «أستطيع أن أعيش مع كل منهما، كنت أعتقد سابقا أن الحل يجب أن يقوم على مبدأ الدولتين، واعتبرت أنه الأسهل، لكنني سأكون سعيدا في حال سعادة إسرائيل والفلسطينيين، وأدعم الحل الذي سيعجبهم بشكل أكبر». وفي سياق متصل، أعلن الرئيس الأميركي أن الولايات المتحدة «ستشجع اتفاق سلام عظيما» بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مضيفا: «سنعمل على ذلك بشكل دؤوب جدا». وشدد ترمب، في الوقت ذاته، على أنه «على أطراف النزاع التفاوض بشكل مباشر بشأن مثل هذا الاتفاق»، مؤكدا أن «كلا الجانبين سيكون عليهما تقديم تنازلات، كما هو حال كل مفاوضات ناجحة».
وفيما يعلق الإسرائيليون آمالهم على سياسات ترمب، إلا أنه انتقد، بشيء من الخجل، سياسة الاستيطان الإسرائيلية واقترح على نتنياهو «ضبط النفس قليلا» في مجال النشاط الاستيطاني.
من جهتها، اتهمت السلطة الفلسطينية إسرائيل بمحاولة عرقلة زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) إلى البيت الأبيض، في الثالث من الشهر المقبل، قائلة إن «رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يقود برنامجا إسرائيليا لتخريب فرص تحقيق السلام». وجاء ذلك في حين وصل وفد فلسطيني إلى واشنطن لترتيب الزيارة التي يفترض أن تضع اللبنة الأولى لإطلاق عملية سلام جديدة.
ويريد عباس من الرئيس الأميركي رعاية مفاوضات على أساس حل الدولتين. وكان عباس أبلغ ذلك لترمب عندما اتصل به ودعاه إلى واشنطن، وقال له إنه ملتزم بصنع السلام. ويسعى عباس لكسب ترمب وإقناعه بعدالة مطالبه، وهي إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 إلى جانب إسرائيل.
* إخفاقات «حظر السفر»
شكل تعليق القضاء الأميركي لمرسومي حظر السفر أول نكسة حقيقية لإدارة ترمب، إذ علق قاض فدرالي مرسوم حظر السفر الأول الذي أصدره في 27 يناير (كانون الثاني) لحظر دخول مواطني 7 دول ذات غالبية إسلامي، هي العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان والصومال وإيران، وتعليق دخول اللاجئين لمدة 120 يوما واللاجئين السوريين إلى أجل غير مسمى. وتسبب القرار في غضب مواطنين أميركيين نظموا مظاهرات قرب برج ترمب بنيويورك وتوافدوا على المطارات للمطالبة بدخول مهاجرين حصلوا على تأشيرات دخول إلى الأراضي الأميركية. وسرعان ما علق القضاء مرسوم ترمب، معتبرا أنه لا يحترم بندا دستوريا يطالب بعدم التمييز على أساس الدين أو العرق.
وعمل ترمب وإدارته على تعديل المرسوم المثير للجدل، وأصدر نسخة منقحة منه استثنت العراق «لتشديدها معايير الفحص والتدقيق في المتوجهين من أراضيها إلى الولايات المتحدة»، بحسب مسؤولين في الإدارة.
إلا أن المرسوم المخفف اعتبر من طرف قضاة فيدراليين تلاعبا على الحكم الأول ومراوغة، وعلق تنفيذه. ووعد ترمب باستئناف الأحكام القضائية لدى المحكمة العليا.



أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.


تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.