القوى الاقتصادية الكبرى تجتاز المرحلة الأولى من «اختبارات التحمل»

الجميع يمارس أسلوب «المناورات المدروسة»... ولا أحد يغامر بالخسائر

القوى الاقتصادية الكبرى تجتاز المرحلة الأولى من «اختبارات التحمل»
TT

القوى الاقتصادية الكبرى تجتاز المرحلة الأولى من «اختبارات التحمل»

القوى الاقتصادية الكبرى تجتاز المرحلة الأولى من «اختبارات التحمل»

مع ختام اجتماعات الربيع للبنك الدولي وصندوق النقد، تتضح بشكل أكبر صورة نهج القوى الاقتصادية الكبرى منذ انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نهاية العام الماضي... إذ تخيل البعض مع بداية العام أن العالم سيتجه في عهده إلى حرب اقتصادية عنيفة بالنظر إلى ما أعلنه من سياسات؛ إلا أن المحللين يرون الآن أن إدارة ترمب والقوى الأخرى تمارس «اختبارات تحمل» لمدى قابلية الآخر للتنازل والرجوع خطوة إلى الخلف، لكن أحدا لا يرغب في صدام حقيقي، حيث إن الوضع العالمي لا يحتمل أي خسائر؛ وكذلك الإدارات الجديدة في الدول الكبرى التي لا ترغب في خسارة شعبيتها مبكرا.
وبعد هجوم عنيف على سياسات الحمائية الأميركية من قبل عدد كبير من الدول الكبرى والمؤسسات الدولية، انتهت لقاءات مسؤولي وقيادات مجموعة العشرين على هامش اجتماعات الصندوق والبنك الدوليين بتفاهم واضح، ما يظهر أن جميع الأطراف فضلت التوافق بدلا من الهجوم والخسائر، وتأكد ذلك بغياب أي اتهام للحمائية من الصندوق في البيان الختامي للاجتماعات
بينما بدأت الإدارة الأميركية دورها هذه المرة في الهجوم، إذ أعلنت معارضتها لمشروع البنك الدولي الرامي إلى زيادة رأسماله لتعزيز قدراته على الإقراض، وحضت صندوق النقد الدولي على تشديد رقابته على «الاختلالات» الاقتصادية.
وكانت رئيسة صندوق النقد الدولي كريتسين لاغارد قد هاجمت أكثر من مرة سياسات «الحمائية التجارية» التي يدعو إليها ترمب، بينما يدعو البنك الدولي منذ عدة أشهر إلى زيادة موارده من أجل تقديم مساعدة أفضل للدول الفقيرة وتمويل النمو الاقتصادي لدول مثل العملاقين الصيني والهندي. وقال رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم لدى افتتاح الجمعيتين العامتين الربيعيتين لمؤسسته ولصندوق النقد الدولي الخميس الماضي: «أعتقد أن زيادة الرأسمال ضرورية إن أردنا الاستجابة لتطلعات الكثير من الدول عبر العالم».
غير أن الولايات المتحدة، الممول الأول للبنك الدولي، رفضت هذه الدعوة، وأعلن وزير الخزانة الأميركي ستيف منوشين في بيان صدر في ختام الاجتماعين أن هذا النقاش «غير ضروري وغير واقعي». وتابع: «نعتقد أن بوسعنا القيام بالمزيد لتحقيق حصيلة مالية مثلى للبنك الدولي وتفادي تراجع سريع في قروضها».
ويتبع البنك الدولي منذ سنوات خطة ادخار أثارت استياء بين موظفيه. وحض منوشين في بيانه البنك الدولي على تركيز جهوده بشكل أكبر على «نتائج» مشاريعه الإنمائية، وقال إن «تعزيز عملية تصميم مشاريعه ومتابعتها وتقييمها والإشراف عليها أمر أساسي لضمان فاعلية حقيقية».
وفي بيان ثان، حض منوشين صندوق النقد الدولي على تأمين مراقبة «مشددة» للاختلالات الاقتصادية التي تساهم بنظره في نشر الانطباع بأن النظام المالي «لا يستفيد منه الجميع».
وتابع: «ينبغي أن يشمل ذلك تحليلا متينا لسياسة الدول على صعيد معدلات الفوائد والاختلالات الخارجية».
وتسعى إدارة ترمب لتقليص العجز في الميزان التجاري وفي الحسابات الجارية الذي تراكم على الولايات المتحدة تجاه دول مثل الصين وألمانيا. وأكد منوشين بهذا الصدد أن «الفائض التجاري الكبير، كما العجز التجاري الكبير؛ لا يساهمان بحسب تحليلنا في قيام نظام تجاري حر وعادل».
وعلى الجانب الآخر، قال وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله في واشنطن يوم الجمعة إن الاقتصادات الرائدة في العالم تشجع حرية التجارة، ولا تشعر بالقلق من ميول الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحمائية.
وتتولى ألمانيا حاليا الرئاسة الدورية لمجموعة العشرين للاقتصادات المتقدمة والناشئة الرئيسية، واستضاف شويبله الشهر الماضي في ألمانيا محادثات بين وزراء مالية المجموعة، الذين اجتمعوا مجددا في واشنطن على هامش اجتماعات صندوق النقد الدولي.
وأكد شويبله أن وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوشين أبلغ نظراءه في مجموعة العشرين أن إدارة ترمب الجديدة لم تتخذ بعد قرارات نهائية حول عدد من القضايا التي تشمل السياسة التجارية.
وقال شويبله إن وزراء مجموعة العشرين كان لديهم «توافق واسع» في اجتماعاتهم الأخيرة على أن «التجارة الحرة هي أفضل للنمو العالمي وأفضل لمصلحة كل اقتصاد وطني».
من جانبه، قال جينز فيدمان، رئيس البنك المركزي الألماني إن «الجميع تقريبا» في اجتماعات وزراء مجموعة العشرين «شددوا على الآثار السلبية للنمو الناجمة عن إقامة الحواجز أمام التجارة». كما قال رئيس المصرف المركزي الألماني «بوندسبنك» ينس فايدمان إن «ما فهمته من الاجتماع أن عددا كبيرا من المشاركين أكدوا التأثير السلبي للحواجز الجمركية». وأيضا دعا حاكم مصرف الصين المركزي زو شياوشوان كذلك في بيان إلى «مقاومة الحمائية بصورة مشتركة»، وإلى تسريع «تحرير التجارة العالمية».
ويتعارض هذا الإجماع مع آخر اجتماع لوزراء مالية المجموعة في مارس (آذار) الماضي في بادن بألمانيا، حيث برزت الانقسامات بين الولايات المتحدة وشركائها إلى العلن. ونجحت حينها إدارة ترمب، التي تهدد بوضع حواجز جمركية وتشكك في التبادل الحر، في عدم إدراج النداء التقليدي لمحاربة الحمائية في البيان النهائي... وبعد شهر، بدا أن هذه الدول اتجهت إلى التهدئة. لكن وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوشين حذر مع ذلك من أن بلاده مستعدة «لمحاربة الممارسات التجارية السيئة بحزم»، مع إعلان تأييده «توسيع التجارة» مع الدول التي تلتزم بقواعد اللعبة.
وخلال مداخلته أمام الهيئة الإدارية لصندوق النقد الدولي، فضل منوشين جذب الانتباه إلى «انعدام التوازن في الاقتصاد العالمي»، مهاجما بشكل خاص الدول التي تراكم «فوائض تجارية كبيرة وتحافظ على ميزانيات قوية»، دون أن يذكر ألمانيا والصين بالاسم.
ويرى وزير المالية الفرنسي ميشال سابان أن الولايات المتحدة «ليس لديها موقف» إزاء المسائل الاقتصادية العالمية الحاسمة. وأضاف لوكالة الصحافة الفرنسية أن «الموقف الأميركي الذي كان المسألة المركزية للاجتماع الأخير لمجموعة العشرين لم يعد كذلك. نحن نمضي قدما». وأضاف أن «الأمر يبدو مطمئنا من وجهة نظر معينة. هذا يعني أن الإدارة الأميركية تفكر في اتخاذ مواقف جدية».
لكن مسائل الخلاف المحتملة لا تزال كثيرة. فإدارة ترمب تشكك في حقيقة التغير المناخي وتهدد بالانسحاب من اتفاق باريس حول انبعاثات الغازات الملوثة. وقال رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم، في إشارة إلى تولي دونالد ترمب السلطة، إن «التوافق العلمي على التغير المناخي لم يتغير لأن شخصا ما تم انتخابه».
ووعدت الإدارة الأميركية بتخفيف الضوابط المالية التي اعتمدت بعد أزمة 2008. وهو ما يقول صندوق النقد الدولي إنه يحرمها من وسائل تمكنها من تفادي عاصفة مالية جديدة.
وتطرقت المناقشات إلى الانتخابات الفرنسية التي تجري جولتها الأولى حاليا على خلفية الخشية من صعود مرشحين معارضين للمؤسسات الأوروبية وبينهم مارين لوبان. وخرجت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد عن تحفظها المعهود لتؤكد أن فوز رئيسة الجبهة الوطنية قد يؤدي إلى «فوضى عارمة» و«تفكيك» الاتحاد الأوروبي. بينما قال شويبله إنه «واثق تماما من تمسك الفرنسيين بالمبادئ الجمهورية»، على الأقل في الدورة الثانية. وتبدو الانتخابات العامة الألمانية في سبتمبر (أيلول) مفتوحة على كل الاحتمالات. وعبر رئيس الدائرة الأوروبية في صندوق النقد بول طومسن الجمعة عن قلقه قائلا إن «المخاطر كبيرة».
وفي ظل المخاطر المتعددة على مستوى العالم، وعدم استعداد أي طرف للولوج في معارك خاسرة، خاصة مع موجة الإدارات الجديدة في أميركا وأوروبا، يرى مراقبون أن خلافات القوى الاقتصادية ستتجه إلى الحلحلة، لكن بعد أن يدرس كل طرف خصمه جيدا، ويمارس أقصى الضغوط من أجل حساب المكاسب والخسائر.



البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
TT

البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن ما تشهده المنطقة من تحديات متصاعدة لم يعد مجرد ظرف عابر، بل يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة دول المجلس على حماية مكتسباتها، وضمان استمرارية قطاعاتها الحيوية بكفاءة وثبات.

وشدَّد البديوي، خلال الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي، الخميس، على مواصلة دول المجلس بعزم وثبات تعزيز التكامل الاقتصادي، في إطار السعي الحثيث نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية، وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً رائداً في المجالات الاقتصادية والتنموية.

وأوضح الأمين العام أن «الاجتماع ينعقد في مرحلة دقيقة أعقبت الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دول الخليج»، منوهاً بأنها «تفرض الانتقال من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى أعلى من التكامل العملي والاستجابة الفاعلة».

ولفت البديوي إلى أن بناء اقتصاد قوي ومستدام لا يتحقق إلا من خلال التعاون المشترك والتكامل الموحد بين دول الخليج التي تواصل التصدي للتحديات الاقتصادية العالمية، والعمل بكل جدية لتسريع تنفيذ المشاريع التنموية.

من الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأبان الأمين العام أن دول الخليج تسعى بشكل حثيث لتحقيق رؤى وأهداف قادتها في تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بشكل عام، والتجاري بشكل خاص، من خلال تذليل العقبات وزيادة التبادل التجاري بينها، وتعمل على تحسين تدفق السلع والخدمات نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية المنشودة.

وأفاد البديوي بأن الناتج المحلي الإجمالي حقّق بالأسعار الجارية لدول الخليج نحو 2.4 تريليون دولار أميركي في عام 2025؛ ليحتل المرتبة العاشرة عالمياً من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، مضيفاً أن حجم التجارة البينية بينها والمقاسة بلغ بإجمالي الصادرات السلعية البينية في عام 2024 أكثر من 146 مليار دولار، بنسبة نموٍّ سنوي بلغت 9.8 في المائة، و«هو ما يؤكد تنامي قوة التبادل التجاري الخليجي واتساع نطاقه».

من جانب آخر، أكد الأمين العام أهمية العمل لتذليل جميع المعوقات، وتقريب وجهات النظر في الجوانب المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والمملكة المتحدة؛ تمهيداً للتوقيع عليها خلال الفترة القريبة المقبلة، بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة والرؤية الموحدة لنمو اقتصادي مستدام ومزدهر.

جانب من اجتماع وزراء التجارة بدول الخليج وبريطانيا عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأوضح البديوي أن الاجتماع المشترك المهم بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة، عبر الاتصال المرئي، الخميس، «يعكس الالتزام المشترك بتعزيز التعاون الاقتصادي، ويُجسِّد عمق ومتانة العلاقات التاريخية الراسخة التي تربط بين منطقتينا»، مشيراً إلى أن شراكتهما واصلت نموها من حيث القوة والنطاق.

وأشار إلى التقدم الكبير المحرز في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، وقال البديوي إنه يأتي «نتيجةً للتواصل الجاد والبنّاء، ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة»، مضيفاً أن «العمل جارٍ للمضي قدماً نحو اتفاقية تُحقّق المنفعة المتبادلة، وتوفر فرصاً اقتصادية ملموسة تعزز الشراكة الاستراتيجية».

إلى ذلك، أكد الأمين العام أن التعاون الصناعي بين دول الخليج حقق تقدماً ملحوظاً، تمثل في تعزيز التكامل، وتطوير السياسات والاستراتيجيات المشتركة، ودعم سلاسل الإمداد، فضلاً عن توحيد المواصفات القياسية وتشجيع الاستثمارات الصناعية؛ بما يسهم في تنويع الاقتصادات الخليجية ورفع تنافسيتها إقليمياً ودولياً.

عُقِد الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي بدول الخليج عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وقال البديوي، خلال الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي الخليجية، عبر الاتصال المرئي، الخميس، إن «للجنة دوراً محورياً في تعزيز العمل الخليجي المشترك، من خلال تنسيق السياسات الصناعية بين دول المجلس، وتوحيد الجهود بما يدعم تحقيق التكامل الصناعي المنشود».

وأضاف أن اللجنة «تسهم في تعزيز المكانة الدولية للقطاع الصناعي الخليجي عبر قدرته التنافسية، وفتح آفاق أوسع للتعاون والشراكات العالمية؛ بما يعكس الإمكانات المتنامية لدول المجلس، ويعزز حضورها الفاعل في الاقتصاد الصناعي العالمي».

وفي السياق ذاته، أشار الأمين العام إلى ترحيب المجلس الأعلى بدورته السادسة والأربعين، ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بمقترح عقد منتدى ومعرض «صُنع في الخليج»، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؛ بهدف إبراز القدرات الصناعية المتميزة في دول الخليج، وتعزيز التكامل الصناعي.


لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
TT

لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن مجلس الإدارة قرر اليوم الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير. وأوضحت أن البيانات الواردة جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التقييم السابق لتوقعات التضخم، غير أن مخاطر ارتفاع التضخم وتراجع النمو قد تصاعدت. وأكدت التزام البنك بتوجيه السياسة النقدية بما يضمن استقرار التضخم عند هدفه البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط.

وأضافت: «لقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما دفع التضخم إلى الارتفاع وألقى بظلاله على المعنويات الاقتصادية. وتعتمد تداعيات هذه الحرب على التضخم متوسط الأجل والنشاط الاقتصادي على شدة ومدة صدمة أسعار الطاقة وحجم آثارها غير المباشرة والثانوية. وكلما طال أمد الحرب واستمرت أسعار الطاقة مرتفعة، ازداد التأثير المحتمل على التضخم الأوسع والاقتصاد ككل».

وتابعت: «نحن في موقع جيد لإدارة حالة عدم اليقين الحالية. فقد دخلت منطقة اليورو هذه المرحلة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وهي قريبة من هدفنا البالغ 2 في المائة، كما أظهر الاقتصاد مرونة خلال الفصول الأخيرة. ولا تزال توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة نسبياً، رغم أن التوقعات قصيرة الأجل ارتفعت بشكل ملحوظ».

وقالت لاغارد: «سنواصل متابعة الوضع من كثب، وسنتبع نهجاً يعتمد على البيانات ومن اجتماع لآخر لتحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية. وستستند قرارات أسعار الفائدة إلى تقييمنا لتوقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، في ضوء البيانات الاقتصادية والمالية الواردة، إضافة إلى ديناميكيات التضخم الأساسي وقوة انتقال السياسة النقدية. ونحن لا نلتزم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة».

النشاط الاقتصادي

أظهر اقتصاد منطقة اليورو بعض الزخم قبل الاضطرابات الحالية، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.1 في المائة في الربع الأول من 2026، مدعوماً بالطلب المحلي ومرونة سوق العمل، وفق تقديرات «يوروستات». إلا أن التوقعات لا تزال شديدة عدم اليقين، وترتبط أساساً بمدة الحرب في الشرق الأوسط، وتأثيرها على الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتشير البيانات إلى أن الصراع بدأ يضغط على النشاط الاقتصادي، مع تباطؤ النمو وتراجع ثقة المستهلكين والشركات، وظهور ضغوط على سلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تستمر تكاليف الطاقة المرتفعة في الضغط على الدخل والاستهلاك والاستثمار، رغم بقاء البطالة منخفضة نسبياً ودعم بعض القطاعات عبر الإنفاق العام والاستثمار.

وفي هذا السياق، شددت لاغارد على ضرورة تعزيز اقتصاد منطقة اليورو مع الحفاظ على متانة المالية العامة، مؤكدة أن الاستجابات لصدمات الطاقة يجب أن تكون مؤقتة ومحددة الهدف.

التضخم

ارتفع التضخم إلى 3 في المائة في أبريل (نيسان) مقابل 2.6 في المائة في مارس (آذار) و1.9 في المائة في فبراير (شباط)، مدفوعاً أساساً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، حيث قفز تضخم الطاقة إلى 10.9 في المائة. في المقابل، تراجع التضخم الأساسي قليلاً إلى 2.2 في المائة، مع استقرار نسبي في المؤشرات الأساسية وتوقعات بتراجع ضغوط الأجور خلال 2026، بينما تبقى التوقعات طويلة الأجل قريبة من هدف 2 في المائة. ومن المتوقع أن تُبقي أسعار الطاقة التضخم مرتفعاً في المدى القريب، مع ازدياد مخاطر انتقال آثارها إلى الأسعار والأجور إذا استمر ارتفاعها.

تقييم المخاطر

قالت لاغارد إن مخاطر النمو تميل إلى الجانب السلبي، في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما تسببه من ضغوط إضافية على الاقتصاد العالمي، إلى جانب حالة عدم الاستقرار في البيئة الاقتصادية الدولية. كما أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، مع احتمال تفاقم هذه الضغوط في حال إغلاق طرق شحن رئيسية أو تدهور الأسواق المالية أو تصاعد التوترات التجارية والأزمات الجيوسياسية، ولا سيما الحرب في أوكرانيا.


ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الرئيسي في الولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) الماضي، إلى أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع حادّ في أسعار البنزين، في إشارة جديدة إلى أن الحرب الإيرانية بدأت تضغط على تكلفة المعيشة، وتؤخر أي توجه نحو خفض أسعار الفائدة من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وأفادت وزارة التجارة، يوم الخميس، بأن مؤشر الأسعار الذي يراقبه «الاحتياطي الفيدرالي» ارتفع بنسبة 0.7 في المائة خلال مارس، مقارنة بشهر فبراير (شباط)، مسجلاً تسارعاً ملحوظاً عن الشهر السابق. وعلى أساس سنوي، صعدت الأسعار بنسبة 3.5 في المائة، وهي أكبر زيادة منذ قرابة ثلاث سنوات، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

أما التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، فقد ارتفع بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، وبنسبة 3.2 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً قراءة فبراير البالغة 3 في المائة.

ويعكس هذا التسارع ابتعاد التضخم مجدداً عن هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، ما يدعم توجه البنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بعد سلسلة تخفيضات العام الماضي، في ظل استخدام السياسة النقدية لمواجهة ضغوط الأسعار.

وأظهر التقرير أن أسعار البنزين قفزت بنحو 21 في المائة، خلال مارس، مقارنة بالشهر السابق، وهو ما شكّل المحرك الأساسي لارتفاع التضخم.

ورغم ذلك، يُولي «الاحتياطي الفيدرالي» اهتماماً أكبر بمؤشرات التضخم الأساسي، إذ يُعد مدى انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى باقي مكونات الأسعار عاملاً حاسماً في تحديد مسار السياسة النقدية المقبلة.

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، في مؤتمر صحافي: «ندرك تماماً أن ارتفاع أسعار البنزين يضغط على المستهلكين في مختلف أنحاء البلاد، وهذا يؤثر عليهم سلباً».

في السياق نفسه، أظهر التقرير ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.9 في المائة خلال مارس، مدفوعاً جزئياً بارتفاع الأسعار، لكنه أشار أيضاً إلى زيادة في الإنفاق الحقيقي بعد احتساب التضخم، ما يعكس استمرار مرونة المستهلك الأميركي، رغم الضغوط المتزايدة.