في الثاني من أبريل (نيسان) سنة 1967 تقدّم ناقد سينمائي أميركي من المخرج إنغمار برغمن الذي كان حط في نيويورك لحضور مهرجانها الذي كان يُقام حينها في «الشارع 57 غرباً» لعرض فيلمه الرائع «برسونا».
لكن برغمن رفض الحديث عن فيلمه هذا، وقال للناقد: «أشكرك لكني لا أستطيع الحديث عن (برسونا) مطلقاً. لقد انتهى. إذا ما وجدت معنى ما فيه، فهذا عظيم وأكون ممتناً، لكن لم يعد لي اهتمام به».
ثم أضاف المخرج الذي وضع السينما السويدية بأسرها على الخريطة العالمية: «ثم إن الفيلم سيختفي قبل ظهور مقالتك».
في هذه العبارة الكثير من الصدق والسخرية. الأفلام الرائعة التي قدّمها برغمن في تلك الآونة كان لها جمهورها المخلص لها، لكنه، في أميركا ذلك الحين على الأقل، فئة قليلة العدد محاصرة بالإنتاجات الهوليوودية التقليدية كما كان الحال قبل ذلك الحين وبعده.
على الرغم من ذلك فإن عام 1967 كان من الأعوام المميّزة في السينما العالمية. «برسونا» لم يكن وحيداً لا في روعته ولا في تميّزه، بل إليه يمكن ضم ما لا يقل عن مائة فيلم آخر خرجت في ذلك العام من بينها نخبة تصل إلى نحو عشرين فيلما تتمتع بشروط الفيلم - التحفة.
خلف الستار
50 سنة مرّت على «برسونا» وسواه كانت فيها السينما حول العالم تنطق بلغة مخرجيها قبل أن يستولي عليها، بعد نحو 10 سنوات، المنتجون مرّة أخرى. الجدول البياني لتاريخ العلاقة بين المخرجين والمنتجين، إذا ما رسمناه، بدأ بالدور السلطوي لشركات الإنتاج وبداية «نظام النجوم» الذي لم يشمل النجوم فقط، بل المخرجين باعتبار الكثير منهم موظّفين لقاء أجر شهري. عندما انهار ذلك النظام في الخمسينات تبلورت قوّة المخرجين المتميّزين (من دون أن يغيب نظراؤهم التقليديون) ما أفسح المجال لموجة أفلام عبّرت عن أصواتهم وأساليبهم. هذا في الوقت الذي كانت السينما العالمية بأسرها، من مصر وحتى البرازيل، تشهد تطوّرات مماثلة.
لكن سنة 1967 تتميّز بكثرة الأفلام الجيدة التي حوتها ووفرة ما هو متميّز منها. ليست السنة الوحيدة في هذا المجال، لكن إذ ينظر المرء للعام الذي يؤرخ لنصف قرن من السينما يجد أن ما تم إنتاجه كان بالإجمال دلالة على حرية المخرج في التعبير، وأن هناك أكثر من عشرة أفلام لا يمكن للسينمائي، هاوياً أو محترفاً، تفويتها.
رغم ذلك، شكا المخرج الإسباني لوي بونيول من أنه اضطر لقطع مشهد من فيلمه «جميلة النهار» تلبية لرغبة المنتجين الشقيقين روبير وريمو حكيم. لاحقاً ما أعلن ذلك، لكنه في حينها كان بونيول قد عاد لتوّه من المكسيك التي قضى فيها سنوات عدّة أخرج فيها معظم أفلامه و«جميلة النهار» كان أول فيلم فرنسي له منذ عقود.
إنه عن رواية لجوزيف كاسل قام بكتابة السيناريو جان - كلود كارييه (ثاني تعاون بينه وبين المخرج) وفيه حكاية المرأة (كاترين دينوف التي، كباقي الممثلين، لم تكن سعيدة خلال التصوير لغرابة أسلوب المخرج) التي لا تشعر إلا بالبرود حيال زوجها. ويقنعها صديق (ميشيل بيكولي) بالتحوّل إلى عاهرة لتملأ حياتها العاطفية. في طيّات ذلك، هو فيلم عن التفكك الأسري للبرجوازية التقليدية مشوباً بمحاولات طمس ذلك التفكك للظهور بأن كل شيء على ما يرام. أمر مارسه المخرج لاحقاً في «السحر الخفي للبرجوازية» (1972).
الموضوع الاقتصادي والفوارق الطبقية كانا طرحين واسعي التطرق في ذلك الحين، والمخرج آرثر بن حول «بوني وكلايد» من مجرد فيلم عصابات إلى فيلم علاقات إنسانية وسط ظروف الفترة الاقتصادية الصعبة التي عاشتها أميركا في الثلاثينات. وورن بيتي، وهو يساري محلّف، أنتج هذا الفيلم وقام ببطولته عن سيناريو جيد من روبرت بنتون وديفيد نيومن اللذين كانا تقدّما بعملهما هذا - أولاً - إلى الفرنسي فرنسوا تروفو الذي نصحهما بزميله جان - لوك غودار الذي وافق على إخراجه إذا ما تم تحويل الحكاية إلى فيلم ياباني!
في النهاية تسلم مهامه آرثر بن الخارج من العمل التلفزيوني منذ سنوات قليلة وهذا نفّذ فيلماً جيّداً قوامه بحث العصابة (فاي داناواي في دور بوني وبيتي في دور كلايد مع جين هاكمن ومايكل ج. بولارد) عن المصارف وسرقتها مع الإشارة في أكثر من مشهد إلى أن المصارف ذاتها تسرق المواطنين. مع أن القانون لا يحلل الرد بالمثل، فإن بيتي يطلب من أحد مزارعي تكساس الذي استولى المصرف على منزله وأرضه أن يشفي غليله بإطلاق النار على لوحة المصرف المعلّقة. وفي مشهد آخر، يأنف بيتي عن سرقة زبائن المصرف الذي يسرقه مكتفياً بالمال المودع سلفاً.
الصفعة
«بوني وكلايد» و«الخريج» دخلا سباق الأوسكار في العام التالي، لكن الرابح كان فيلماً آخر مختلفاً عنوانه «في حرارة الليل» لنورمان جويسون. حكايته، المقتبسة عن رواية جون بول الموضوعة سنة 1965، تدور حول المتحري فرجيل تيبس (سدني بواتييه) الذي أمّ بلدة جنوبية صغيرة لزيارة والدته. إنه حسن المظهر. هادئ. يمتاز بالثقافة و… أسود البشرة. هذا يجعله مشتبهاً به عندما تقع جريمة قتل فيتحرك شريف البلدة (رود ستايغر) للقبض عليه قبل أن يكتشف، في اتصال، أن فيرجيل هو تحرٍ آتٍ من مدينة فيلادلفيا حيث يعمل، ويملك من الذكاء ما يفتقر هو، ورجاله إليه.
يضطر للتعاون معه خصوصاً بعدما أصرّت زوجة القتيل ذات التأثير (الممثلة لي غرانت) بذلك. سيُلقى القبض على أسود آخر بريء من الذنب، وسيكشف الفيلم في غمار حكايته كيف أنه من السهل اتهام الأسود بالجريمة لمجرد أنه أسود.
في مشهد ذي دلالة على عمق المشكلة العنصرية في الجنوب (تقع الأحداث في الستينات ذاتها) يدخل الشريف وفرجيل منزل صاحب مزارع القطن الثري إريك (لاري غيتس) الذي يستقبلهما بترحاب إلى أن يبدأ فرجيل بسؤاله حول جريمة القتل. يشعر إريك بالغضب ليس لأنه يمانع في الإجابة بل لأن السائل هو المتحري الأسود ما يعتبرها سابقة أن يدخل أسود منزله ويلقي عليه أسئلة من هذا النوع. يقوم إريك بصفع فرجيل الذي يرد عليه بصفعة أقوى لم يكن إريك مستعداً لها فيقول: «في وقت ما، كنت أستطيع أن أرديك قتيلاً بسبب ذلك».
الجريمة في فيلمين آخرين من ذلك العام هما «بوينت بلانك» لجون بورمان و«في دم بارد» لرتشارد بروكس.
«في دم بارد» مقتبس عن أحداث حقيقية أوردها الكاتب ترومان كابوتي في كتاب تحرياته بالعنوان ذاته كانت نشرت قبل عام واحد وقامت شركة «كولومبيا» بشراء حقوقها وإنتاجها سريعاً.
في عام 1959 اقتحم رجلان منزلاً في ريف كانساس وقتلا عائلة من أربعة أفراد بدم بارد ثم قاما بالفرار من المكان مع ما استطاعا سرقته إلى أن تم القبض عليهما. سيناريو بروكس اتبع أسلوباً واقعياً وشبه تسجيلي (صوّره كونراد ل. هول بالأبيض والأسود) ما جعل الفيلم يبدو أقسى مما كان يمكن له أن يكون فيما لو حاكى الأفلام الروائية الأخرى. سكوت ويلسون، وهو ممثل رائع في كل دور يؤديه وغير معروف اليوم البتّة، وروبرت بلايك (الذي يقضي حالياً سنوات سجنه لاشتراكه - غير المباشر - بقتل زوجته) قادا البطولة.
الفيلم الآخر هو إطلالة المخرج البريطاني جون بورمان إلى هوليوود. حكايته تتميّز كذلك بأسلوب فذ: واقعي، وفي الوقت ذاته ينهل من الخيال ما يستطيع. وهو مأخوذ أيضاً عن رواية وإن كانت تتبع الأدب البوليسي وضعها دونالد وستليك بعنوان «الصياد».
هنا حكاية متشعبة: ووكر (لي مارڤن) ومال (جون ڤرنون) يشكلان نواة عصابة. مال يخدع صديقه ووكر ويطلق النار عليه ويتركه فوق جزيرة ألكاتراز ويستولي على حصته من الغنيمة، كما يستولي على الفتاة التي يحبها (آنجي ديكنسون). لكن ووكر لا يموت، وبعد حين يعود ليصطاد أفراد العصابة بتشجيع من المتحري يوست (كينان وين) وصولاً إلى مال مطالباً بحصته (على صغر قيمتها) ومسترداً المرأة التي يحب.
نجاح «بوني وكلايد» غطّى على «بوينت بلانك» لكنه لم يمنع بورمان من النفاذ إلى أعمال لاحقة في هوليوود في الأعوام التالية إلى أن غادرها سنة 1977 إثر فيلمه الأخير هناك «طارد الأرواح 2».
من أنحاء العالم
كان لافتاً، بالنسبة للسينما العربية، أن السنة المذكورة هي التي عرفت بهزيمة 1967 إثر اندلاع حرب دامت أقل من أسبوع بين دول عربية وإسرائيل. بالتالي انحسر الإنتاج المصري وعروضه كون الحرب وقعت قرب منتصف السنة. على ذلك يسجل لها فيلم «الزوجة الثانية» لصلاح أبو سيف و«جفت الأمطار» لسيد عيسى على الأقل.
في العام ذاته خرج الجزائري «محمد - لخضر حامينا» بجائزة العمل الأول من مهرجان «كان» عن فيلمه «رياح الأوراس».
1967 كان عاماً ثرياً بالنسبة للسينما الفرنسية، فإلى جانب فيلم بونويل «جميلة النهار» قدّم جاك تاتي «بلايتايم» وحقق جان - لوك غودار ثلاثة أفلام (هي: «ويك إند» و«أمران أو ثلاثة أعرفها عنها» و«الصيني»)، وأنجز جان - بيير ملفيل فيلمه البوليسي الرائع «الساموراي» وأمتع روبير بريسون هواة أفلامه بعمل جديد عنوانه «موشيت» في حين تشارك جاك ديمي وأغنيس فاردا إخراج «شابات روشفور».
لكن من الخطأ اعتبار أن هذه الأفلام المذكورة، ما بين الولايات المتحدة وفرنسا، هي كل ما يستحق الإشارة إليه. في مستوى مواز من الأهمية شاهدنا الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني يحقق فيلمه الأول بالإنجليزية «تكبير صورة» (Blow Up) الذي تقع أحداثه في بريطانيا. وزميله (من أسلوب مختلف) إليو بتري أنجز «لا زلنا نقتل بالأسلوب القديم» بينما أنجز بييترو جيرمي فيلمه الجيد «غير الأخلاقي»، ومن البرازيل جاء غلوبر روشا بفيلمه «المدخل». واليوغوسلافي ألكسندر بتروفيتش فيلمه الممتع «حتى إني قابلت غجراً سعداء».
أما «برسونا» الذي تم إنتاجه قبيل نهاية عام 1966 لكنه لم يعرض عالمياً إلا مع مطلع 1967، فشهد انتشاراً واسعاً على الرغم من شكوك برغمن حياله. هذا ما يجعله أكثر انتماء للسنة موضوع الحديث.
«برسونا» كان الفيلم الثاني عشر للمخرج برغمن. وكان أيضاً التعاون الكامل السادس بينه وبين مدير التصوير سڤن نيكڤست. وهو من «أصعب» الأفلام تحليلاً من بين ما حققه المخرج ويعمل على عدّة مستويات، فهناك مستوى العلاقة الخاصّة بين بطلتيه (الممثلة المريضة بنوبة صمت ليڤ أولمَن والممرّضة بيبي أندرسن)، ومستوى ما يعنيه الرمز الكامن في تلك العلاقة. إنه عن خداع النفس. فيلم عن المعايشة الداخلية وفي الوقت ذاته ما نسمح بممارسته من هذه المعايشة في حياتنا اليومية. وهناك مستوى آخر يتعامل الفيلم معه هو في اختيار المخرج لما يود التعبير عنه بالطريقة التي يريد، والتي تخلق أحياناً قدراً من حيرة المتلقّي حيال ما يراه. لكنها حيرة محسوبة لا في عداد التركيبة الفنية التي حققها المخرج لفيلمه فقط، بل أيضاً في عداد التركيبة النفسية للشخصيات التي يتعامل معها.
هو أيضاً فيلم شعري ممتزج بلون تجريبي خاص من دون التخلّي عن عنصر الدراسة النفسية التي ميّزت الكثير من أفلام برغمن حينها. وهو آسر في كل استخداماته وعناصره ومفتاحها جميعاً واحد: اختيارات المخرج السويدي من الأداءات. من الحوارات. من اللقطات، من حجم اللقطات. من زوايا اللقطات. من التوقيت الذي يختاره للانتقال من صورة إلى أخرى.
IN THE BOX
من خطف جوائز 1967؟
بعض الأفلام المذكورة أعلاه فازت بجوائز العام التالي، لكن جوائز السنة المذكورة الأساسية توزّعت على النحو التالي:
• الأوسكار لفيلم أميركي: «رجل لكل الفصول» لفرد زنيمان
• أوسكار أفضل فيلم أجنبي: «رجل وامرأة» لكلود ليلوش (فرنسا)
• بافتا: «من يخاف فرجينيا وولف» لمايك نيكولز (الولايات المتحدة)
• غولدن غلوبس (دراما): «رجل لكل الفصول»
• غولدون غلوبس (كوميدي): «الروس قادمون» لنورمان جويسون
• مهرجان برلين: «المغادرة» لييرزي سكوليموفسكي (بولندا)
• مهرجان كان: «انفجار» لمايكل أنجلو أنطونيوني (إيطاليا- بريطانيا)
• مهرجان فنيسيا: لم يُعقد