الحكومة المصرية تتعهد بالقضاء على «الإرهاب الأسود» وإعادة الأمن والاستقرار

مقتل شرطي بعبوة ناسفة في القاهرة ومجند بالجيش في هجمات انتحارية بسيناء

قوات الشرطة المصرية تغلق الطرق المؤدية لموقع انفجار القنبلة التي استهدفت مركزا للشرطة في مصر الجديدة، بالقرب من مبنى محكمة القاهرة (أ.ب)
قوات الشرطة المصرية تغلق الطرق المؤدية لموقع انفجار القنبلة التي استهدفت مركزا للشرطة في مصر الجديدة، بالقرب من مبنى محكمة القاهرة (أ.ب)
TT

الحكومة المصرية تتعهد بالقضاء على «الإرهاب الأسود» وإعادة الأمن والاستقرار

قوات الشرطة المصرية تغلق الطرق المؤدية لموقع انفجار القنبلة التي استهدفت مركزا للشرطة في مصر الجديدة، بالقرب من مبنى محكمة القاهرة (أ.ب)
قوات الشرطة المصرية تغلق الطرق المؤدية لموقع انفجار القنبلة التي استهدفت مركزا للشرطة في مصر الجديدة، بالقرب من مبنى محكمة القاهرة (أ.ب)

قتل مجند في هجوم انتحاري في جنوب سيناء، بينما نجا عمال مصريون من هجوم انتحاري متزامن بالمحافظة نفسها، وقتل شرطي برتبة «عريف»، بعبوة ناسفة، استهدفت نقطة مرور شرق القاهرة. بينما أصيب 12 آخرون، في الهجمات التفجيرية الثلاث التي وقعت صباح أمس في القاهرة وجنوب سيناء، وفقا لما أعلنت السلطات المصرية. وبينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن تلك الهجمات، تعهدت الحكومة المصرية بـ«مواصلة معركتها للقضاء على الإرهاب الأسود وإعادة الأمن والاستقرار».
ومنذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي عن الحكم في الثالث من يوليو (تموز) الماضي، تشهد البلاد أعمال عنف متزايدة، أوقعت المئات من رجال الشرطة والجيش، في هجمات يشنها مسلحون من الجماعات الإرهابية.
وتتزامن تفجيرات الأمس مع دعوة وجهها «تحالف دعم الشرعية»، الذي تقوده جماعة الإخوان المسلمين، لأنصاره بالتظاهر بدءا من أمس، ولمدة ثلاثة أسابيع، فيما أطلق عليه «الموجة الثورية الثالثة»، لرفض ترشح المشير عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع السابق، في انتخابات رئاسة الجمهورية نهاية الشهر الحالي، باعتباره قائدا لعملية عزل مرسي العام الماضي. وخلال مظاهرات الأمس وقعت اشتباكات بين أنصار الإخوان والشرطة، مما أسفر عن مقتل اثنين.
وسبق أن أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس «الإرهابية»، التي تتخذ من سيناء مقرا لها، مسؤوليتها عن العديد من الهجمات التي استهدفت شخصيات ومقار أمنية للجيش والشرطة ومنها محاولة اغتيال وزير الداخلية وتفجير مبنى مديرية أمن القاهرة، وكذلك هجمات ضد سياح أجانب في سيناء.
وتنظر الحكومة المصرية لمثل هذه التنظيمات الجهادية بأنها تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، والتي جرى تصنيفها أيضا كأحد التنظيمات الإرهابية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، لكن «تحالف دعم الشرعية»، أدان تفجيرات الأمس، نافيا أي علاقة له بها. وأعلنت وزارة الداخلية المصرية أمس عن مقتل عريف شرطة وإصابة أربعة آخرين إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت كشك مرور بميدان المحكمة بحي مصر الجديدة شرق العاصمة القاهرة.
وأوضح مسؤول إعلامي بالوزارة، في بيان أمس، أن عبوة محلية (الصنع) انفجرت بصندوق الإشارات المرورية بميدان «المحكمة»، أسفرت عن مقتل العريف عبد الله محمد من قوة إدارة مرور النزهة، وإصابة الملازم أول نصر عبد القادر محمد إبراهيم الضابط بالإدارة العامة لمرور القاهرة وثلاثة مجندين، مضيفا أنه جرى فرض كردون أمني بالمنطقة، حيث قامت الأجهزة الأمنية بتمشيطها وكثفت جهودها للوقوف على ملابسات الواقعة.
وقال اللواء عبد الفتاح عثمان مساعد وزير الداخلية للإعلام والعلاقات إن رجال المفرقعات مشطوا محيط الانفجار للتأكد من عدم وجود أية قنابل أو مواد متفجرة أخرى، مضيفا أن الأجهزة الأمنية تبذل قصارى جهدها لملاحقة العناصر الإرهابية وضبطها، وناشد المواطنين بالمزيد من التعاون مع أجهزة الأمن من خلال سرعة الإبلاغ عن أية أجسام غريبة أو الاشتباه في أي من الأشخاص الخطرين.
ووقع تفجير مصر الجديدة بعد ساعات قليلة من هجومين نفذا صباح أمس أيضا في محافظة جنوب سيناء، بينهما هجوم استهدف كمينا أمنيا بمدينة الطور، مما أسفر عن مقتل منفذ الهجوم ومجند بالجيش وإصابة أربعة آخرين.
وقال مصدر أمني بوزارة الداخلية، إن «أحد العناصر الإرهابية قتل إثر انفجار عبوة ناسفة كان يحملها، عند تعامل قوات كمين تأمين طريق الطور بجنوب سيناء معه حال اقترابه منهم»، مضيفا أن «الهجوم أسفر عن مقتل مجند من القوات المسلحة وإصابة ثلاثة أفراد من قوات الشرطة وآخر من القوات المسلحة».
وتابع أن هجوما آخر وقع، حيث «فجر انتحاري عبوة ناسفة كان يحملها أثناء مرور إحدى حافلات نقل الركاب على طريق الطور، مما أدى إلى اشتعال النار في الحافلة وإصابة أربعة من عمال أحد المصانع بإصابات طفيفة»، مؤكدا أنه بتمشيط المنطقة «عثرت أجهزة الأمن على سيارة خاصة بداخلها عدد من قذائف آر بي جي»، وأضاف أنه جرى فرض كردون أمني حول تلك المنطقة.
وروى العقيد أركان حرب أحمد علي، المتحدث باسم القوات المسلحة، تفاصيل واقعة مقتل مجند الجيش أمس، مشيرا إلى أنه «في تمام الساعة السادسة والربع من صباح الجمعة توجه شخص يرتدي زيا بدويا إلى كمين الوادي بمدينة الطور، وسأل أحد الجنود عن كيفية الذهاب إلى مدينة الطور، وعندما طلب منه المجند مغادرة الكمين، قام الشخص بتفجير نفسه، مما أسفر عن استشهاد المجند أحمد علي سيد عمر، وإصابة 5 آخرين من الشرطة المدنية».
وتقوم الأجهزة الأمنية بتمشيط المناطق المجاورة من خلال المرورات والأكمنة الأمنية الثابتة والمتحركة، وتكثف جهودها للوقوف على ملابسات الواقعتين والكشف عن هوية منفذيهما.
من جهتها، قالت وزارة الصحة والسكان إن حصيلة التفجيرات في القاهرة وجنوب سيناء، هي مقتل أربعة بينهم إرهابيان، وإصابة 12 آخرين. وأوضحت الوزارة في بيان لها أمس أنه جرى نقل المصابين إلى مستشفيات (الطور العسكري، وشرم الشيخ الدولي، والطور العام، وهليوبوليس).
وأدان مجلس الوزراء المصري تفجيرات القاهرة وجنوب سيناء، وأكد عزم الحكومة على مواصلة حربها ضد الإرهاب. وقال المجلس، في بيان أصدره أمس، إن تلك العمليات التي وصفها بالجبانة «لن تزيد رجال القوات المسلحة والشرطة البواسل إلا عزيمة وإصرارا على استكمال معركتهم الشريفة للقضاء على الإرهاب الأسود وملاحقة عناصره الإجرامية وإعادة الأمن والاستقرار».
وشدد على أن مصر «لن تلتفت إلى الوراء، وهي ماضية بخطوات ثابتة وواثقة نحو تحقيق خارطة المستقبل»، التي أعلنها الجيش عقب عزل مرسي، وشملت إقرار دستور جديد وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية. وأضاف أن ما سماها «قوى الإرهاب» لن تنجح في التأثير على إرادة الشعب المصري.
كما استنكر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر التفجيرات، مؤكدا ضرورة التصدي لمثل هذه الأعمال «الإجرامية القبيحة التي لم تراع أي حرمة للدماء والأنفس التي عصمها الله»، كما طالب بـ«سرعة تعقب هؤلاء المجرمين المفسدين في الأرض، واتخاذ إجراءات قانونية رادعة».
من جهة أخرى، واصل أمس أنصار جماعة الإخوان المسلمين مظاهراتهم الأسبوعية المناهضة للسلطات الحالية، ورفض ترشح السيسي للرئاسة، وذلك في عدة مناطق بالقاهرة وعدد من المحافظات، حاملين شعارات «رابعة» وصورا للرئيس المعزول. ودخل المتظاهرون في صدامات عنيفة مع قوات الشرطة، أسفرت عن مقتل متظاهرين وإصابة ثلاثة في الإسكندرية، بحسب مصادر إخوانية، كما ألقت قوات الشرطة القبض على العشرات.
وكان «التحالف الوطني لدعم الشرعية»، قد دعا أنصاره إلى الاحتشاد بدءا من أمس الجمعة ولمدة ثلاثة أسابيع في إطار ما سماه جمعة «زواج أميركا من مصر باطل»، ردا على تصريحات منسوبة لوزير الخارجية المصري نبيل فهمي شبه فيها علاقة مصر بواشنطن بأنها علاقة زواج. وهو ما نفته الخارجية المصرية بالقول إن «هذا التصريح غير دقيق وإن ما ذكره الوزير أن العلاقات المصرية - الأميركية هي علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة ومثل الزواج».
وقال مصدر أمني بالعاصمة القاهرة إن قوات أمن سيطرت على عدة اشتباكات في عدد من المناطق التي شهدت تجمعات إخوانية، ومنها محيط المدينة الجامعية بالأزهر، الذي وقعت فيه اشتباكات عنيفة بين طلبة الإخوان وقوات الأمن، بعد رشق الطلاب قوات الأمن بالحجارة وزجاجات المولوتوف، بينما قامت القوات بإطلاق القنابل المسيلة للدموع لمنع محاولات الطلبة الخروج خارج أسوار المدينة.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.