تناقضات المثقف... جوناثان سويفت نموذجاً

موجة غريبة من الاهتمام المعاصر بسيرته وأعماله

جوناثان سويفت اشتهر أكثر ما اشتهر بـ«رحلات غليفر»
جوناثان سويفت اشتهر أكثر ما اشتهر بـ«رحلات غليفر»
TT

تناقضات المثقف... جوناثان سويفت نموذجاً

جوناثان سويفت اشتهر أكثر ما اشتهر بـ«رحلات غليفر»
جوناثان سويفت اشتهر أكثر ما اشتهر بـ«رحلات غليفر»

أفسدَ علينا أنطونيو غرامشي في دفاتر سجنه التي نُشرت بعد موته احتفاءنا الممكن بشخصية المثقف التقليدي الكلاسيكي الشديدة اللمعان. تلك النماذج من البشر الاستثنائيين، رفيعي التعليم، الذين يُحسنون كتابة نصوص طويلة مُتقنة حول أشياء مهمة أو غير مهمة، يجذبون بها القارئ إلى حقولهم المغناطيسية، مُثيري الاهتمام بسبب سعة اطلاعهم وغرابة أطوارهم في الآن ذاته. لكن حتى غرامشي في انتقاصه من قيمة هؤلاء المثقفين، لم ينكر وجودهم واعتبرهم دوماً معالم ثقافية مهمة، بغض النظر عن كونهم في أغلب الأحيان جزءاً لا يتجزأ من تركيبة الطبقة المهيمنة.
جوناثان سويفت (1667 - 1745)، الذي اشتهر في الثقافة العالمية بوصفه مؤلفاً لرواية «رحلات غليفر» التي عشقها الصغار- رغم أنها لم تكتب لهم أصلاً-، هو أحد أفضل نماذج ذلك النوع من المثقفين الشديدي الخصوصية الذين أنجبهم القرن الثامن عشر، وهو قرن انقلاب ثقافي هائل في أوروبا .
تعددت أشكال الكتابة التي أبدع فيها سويفت، ويُعده الكثيرون بمثابة سيد كتابة الهجاء والتهكم في الثقافة الأنجلوسكسونية، وأحد رواد الكتابة الشعبية في العصور الحديثة. ويبدو أنه بسبب من ذلك على سبيل التحديد؛ فإن موجة غريبة من الاهتمام المعاصر بسيرته وأعماله تسري الآن في الأوساط الأكاديمية وعالم النشر والصحافة الثقافية، كان آخر ثمارها أفضل سيرة وضعت عنه إلى الآن كتبها جون ستبس بعنوان «جوناثان سويفت: الثائر المتمنع، 2016».
المطلع على حياة سويفت المديدة وأعماله المنشورة لا يمكن إلا أن يلحظ كماً هائلاً من التناقضات بين الفكر والممارسة، وبين النص والسلوك تكاد تليق أكثر ما يكون بمثقف معاصر من الذين يتقلبون بين المواقع الفكرية، بدلاً من سيرة رجل عصر العقلانية الأثير.
وقد كانت آيرلندا مكان إبصار سويفت النور أثناء فترة الحروب الأهلية الأوروبية، لكنه قضى سنواته الأولى في إنجلترا تحت رعاية ممرضة دفعته إلى لتساؤل بسخرية موغلة إن كانت رعايتها له جاءت بتكليفٍ من عمه بعد وفاة والديه، أم أنها اختطفته وربّته بصفته طفلا لها؟... التحق في بداية حياته المهنية بالسير ويليام تيمبل، الدبلوماسي والكاتب البريطاني المعروف، سكرتيرا خاصا، ولاحقاً سيم في سلك الكهنوت الأنجليكاني، لكن كتابته الشديدة الجدل لفتت انتباه روبرت هارلي، رئيس الوزراء البريطاني عن حزب المحافظين فعيّنه بمثابة مستشارٍ خاصٍ له لشؤون الجدل والكتابة- وهو مجال كان حينها أمراً محورياً للعمل السياسي قبل ظهور تكنولوجيات الإذاعة وتغول الصورة في العصور اللاحقة- فكانت نصوصه الشديدة الوقع وراء القضاء سياسيا على اللورد النافذ مارلبورو منافس هارلي اللدود.
عاد سويفت بعد سقوط حكومة المحافظين تلك إلى آيرلندا، وقد سبقته شهرته هناك فعُيّن عميداً لكاتدرائية القديس سانت باتريك. وكانت نصوصه وبالذات كتابه «اقتراح متواضع لمنع أطفال الفقراء من أن يكونوا عبئاً على أهلهم أو بلادهم وليكونوا مفيدين للمجتمع، 1729»، الذي اقترح فيه على السلطات الإنجليزية المهيمنة تشجيع الآيرلنديين أكلَ أولادهم لمواجهة المجاعة الطاحنة التي ضربتهم حينها- وأعمال أخرى أيضاً قد قُرأت في آيرلندا وكأنها منجز وطني شجاع لآيرلندي مستغرق في مواجهة السياسات الاقتصادية الإنجليزية الظالمة ضد وطنه الأم. وهكذا تحول الرجل دون سعي منه إلى رمز قومي آيرلندي، حتى أن بعض المصادر تقول إن رئيس الوزراء البريطاني الجديد الذي خلف هارلي في السلطة صرف النظر عن فكرة اعتقاله بعد نصيحة صديق مطلع بأن الأمر يمكن أن يكلف حياة عشرة آلاف جندي إنجليزي إذا حاولت السلطات القبض عليه من دبلن.
هذه البدايات الملتبسة لم تساعد سويفت كثيراً في بناء سيرة مستقرة؛ إذ تسربت إليه التناقضات من كل حدب وصوب. فهو كتب مبكراً في إدانة السياسيين ونفاقهم ورداءتهم، لكنه ما لبث- لكسب العيش وأحلام الصعود- أن التحق بأعلى مستويات السلطة موظفاً في مكتب رئيس وزراء بريطاني من قلب التيار المحافظ. وبينما كان تكوينه وشهرته في قلب الحياة السياسية الإنجليزية، إلا أنه تحول إلى رمز وبطل قومي آيرلندي، وحين كانت نصوصه لاذعة تستميتُ دفاعاً عن الفقراء في بلاده فإنها تتضمن ما يشبه كُفراً بواحاً بالطبيعة البشرية برمتها، وهو رغم منطقه المَوزون، أظهَر على شاكلة سخرية تامة تهافتَ المنطق المحض بالتعامل مع مشكلات المجتمعات البشرية. وعلى الرغم من سيامته في سلك الكهنوت الرسمي فقد كتب منتقداً المؤسسة الدينية، ولم تردعه علاقاته الرفيعة سواء بداية من لندن ودبلن لاحقاً عن التدني إلى جدالات شديدة الابتذال أو التعاطي مع دهماء الطبقات الشعبية أو حتى التورع عن التورط بعلاقات نسائية ملتبسة لم تعرف حقيقتها حتى اليوم؛ إذ اختلَفَ كاتبو سيرته فيما إذا كانت تلك علاقات أفلاطونية أو ذات طبيعة منحرفة.
وكأن كل تلك التناقضات البنيوية في حياة سويفت لم تكن كافية، فلم ينجُ سلوكه الشخصي اليومي مع معارفه من الإصابة بانفصامٍ مماثل. فبينما كان حضوره الاجتماعي خلاباً، لكنه لم يتورع يوماً عن هجو أصدقائه وإهانتهم لأتفه الأسباب، وبينما كانت صحته معتلة معظم الأحايين فإنه لم يتوقف عن ارتياد المسارح والمقاهي، وكره الحياة اليومية في دبلن- وعشق لندن- إلا أنه قضى بقية حياته في آيرلندا بعد أن تبخرت أحلامه للصعود الاجتماعي في مجتمع العاصمة البريطانية. وينقل كاتبو سيرته عن معارفه أن تحليه باللطف الشديد لم يردعه عن شن هجوماتٍ مقذعة على الخدم المساكين عند أقل هفوة، وحتى مظهره الشخصي الغليظ البنية كان يُخفي عناية لا نهائية بنظافته وهندامه.
لا يُذكر سويفت إلا متلاصقاً معه جليفر ورحلاته المشهورة (1726)، وهي رواية فلسفية عن رحلات أربع قام بها طبيب إنجليزي بارد الأعصاب إلى أقصى أرجاء الأرض، مرتحلاً بين مجتمعاتٍ شديدة التناقض والاختلاف، موغلاُ في نقدٍ شديدٍ لبنية المجتمع البريطاني حينها. وحتى في هذه الرواية التي قُصد منها أن تكون أداة نقد فلسفي وتغييرٍ اجتماعي انتهت على غير قصده متحولة إلى قصة شديدة الشعبية للأطفال ينزلقون فيها في لعبة التعاطف وقبول الاختلاف، ووضعته في مكانة- لم يتوقعها في حياته - ككاتب الأطفال الكلاسيكي البريطاني الأول.
لا شك أن سلسلة تناقضات سويفت الغرائبية في تعدد وجوهها قد تمخضت عنها تجربة إنسانية ثرية ثراء سوريالياً، وشكلَته إحدى ألمع شخصيات المثقفين الذين يجنحون ليكونوا أكبر من الحياة العابرة للبشر الفانين في قرن من الزمان مرصعٍ بالنجوم الفكرية من الطراز الأول، لا شك شهد تحولات فكرية وسياسية حاسمة. على أنه في كم تناقضاته هذه كلها، لا يمكن حقيقة فهم قيمة الرجل التاريخية ومساهمته البناءة في الجدل الإنساني دون وضع صورة المثقف- كما كأنه سويفت- في سياق تركيبة مجتمعه الإنجليزي - الآيرلندي، وتحليل بنية الهيمنة في ذلك المجتمع- تماماً كما يقترح غرامشي ذاته الذي نسف قيمة المثقف الكلاسيكي من جذورها. قراءة سيرة سويفت بتفاصيلها (المملة أحياناً) كما كتبها جون ستيبس الآن، وقبله ليو دامروتش (جوناثان سويفت: حياته وعالمه، 2013) تقدمان مشهداً بتفاصيل كافية، ينقصها فقط إعمال أدوات التحليل لفهم سر تلك التناقضات. لعل الموجة الحالية من الاهتمام بسويفت تنكشف عن عملٍ مثل ذلك يصدر قريباً، يكون ملهماً لمثقفي اليوم الذين- كما سويفت- طحنتهم لقمة العيش، وأحلام الصعود، واستقطابات السياسة وجبروت المؤسسات، فانتهوا إلى عيشٍ أشبه بصفحة سماء مرصعة بالثقوب. كم يشبه سويفت الكثيرين منا!



روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».


رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»