انطلاق «جنيف 5» وسط أجواء مشحونة واختلاف على الأولويات

المعارضة تنتظر «مؤشراً حقيقياً» على التزام الحل السياسي... ورئيس وفد النظام يوزع الاتهامات يميناً ويساراً... ودي ميستورا الأحد في عمّان

لقطة من جنيف أمس حيث التقى وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» بدي ميستورا (أ.ف.ب)
لقطة من جنيف أمس حيث التقى وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» بدي ميستورا (أ.ف.ب)
TT

انطلاق «جنيف 5» وسط أجواء مشحونة واختلاف على الأولويات

لقطة من جنيف أمس حيث التقى وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» بدي ميستورا (أ.ف.ب)
لقطة من جنيف أمس حيث التقى وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» بدي ميستورا (أ.ف.ب)

خفض المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا سقف التوقعات المرتقبة لجولة المحادثات الجديدة في جنيف حول سوريا، مستبعدا حصول «معجزات»، ما يذكر بما قاله قبل انطلاق الجولة الرابعة منها. لكنه بالمقابل أكد، في المؤتمر الصحافي الذي ختم اجتماعات أمس المطولة في قصر الأمم، أن محادثاته مع وفد الحكومة ووفود المعارضة «تركزت على المسائل الجوهرية» ولم تعد لتناول موضوع أجندة المحادثات المتفق عليها.
كذلك شرح المبعوث الدولي مطولا «منهج» عمله والطريقة التي يتبعها للتوفيق بين مواقف ومتطلبات الوفود المختلفة بشأن مناقشة «السلال» الأربع، فأكد أنه يترك لكل طرف أن يحدد السلة التي يريد مناقشتها مع الالتزام بمناقشة الملفاتكافة مع الإبقاء على نظام المحادثات غير المباشرة. وأشار دي ميستورا إلى أنه سيلبي دعوة جامعة الدول العربية وسيتوجه إلى العاصمة الأردنية عمّان للالتقاء بوزراء الخارجية العرب الذين لديهم تأثير على الملف السوري، وذلك ليوم واحد على أن يتولى مساعده السفير رمزي عز الدين رمزي قيادة المحادثات في غيابه.
كانت الجولة الخامسة من محادثات جنيف قد انطلقت في أجواء متوترة بسبب الاتهامات المتبادلة وعودة كل طرف إلى التمسك بأولوياته. والتقى المبعوث الدولي دي ميستورا كل الوفود السورية في يوم ماراثوني طويل من المحادثات التي بينت عمق الهوة الفاصلة بين الجانبين. ورغم توصل دي ميستورا، في نهاية الجولة الرابعة إلى بلورة أجندة محادثات تنهض على أربع ملفات - أو «سلال» حسب تعبيره -، فإن اليوم الأول بيّن الفوارق في التفسير وفي الأولويات، ما يهدد ببقاء المحادثات تراوح مكانها، خصوصا أن التصعيد الميداني يهدد أكثر فأكثر اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي أصبح نظريا إلى حد بعيد.
كذلك، فإن مبدأ تناول «السلال» الأربع بـ«التوازي»، وهو «الإنجاز» الذي حققه دي ميستورا، أصبح اليوم مهددا لأن وفد الهيئة العليا للمفاوضات عاد للمطالبة بالتركيز أولا على عملية الانتقال السياسي، في حين يعتبر وفد النظام أن مناقشة ملف الإرهاب له الأولوية. ولقد سعى مساعد المبعوث الدولي السفير رمزي إلى الالتفاف على «المشكلة» باقتراح تناول الملفين الأول والرابع بداية، ثم الثاني والثالث بعد ذلك، ما يمكن أن يرضي النظام والمعارضة معا. وفضلا عن ذلك، فإن التطورات الحاصلة في الحرب على تنظيم داعش الإرهابي المتطرف، التي تؤشر على قرب انطلاق معركة تحرير الرقة، تزيد من خلط الأوراق، لا سيما، أن تركيا تشعر أنها «مستبعدة» منها لصالح ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» ذات الغلبية الكردية، التي تلقى دعما واضحا من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا على السواء.
هذا، وعلم من مكتب دي ميستورا في جنيف، أمس، أن الأخير ينوي التوجه غداً الأحد إلى عمّان للمشاركة في اجتماع وزراء الخارجية العرب التمهيدي للقمة؛ وذلك بغرض «استكمال» المشاورات بشأن الملف السوري، والاطلاع على المواقف العربية. وسبق للمبعوث الدولي أن زار كلاً من الرياض وموسكو وأنقرة، وسعى لزيارة دمشق، لكن النظام السوري رفض استقباله. وقبل ذلك ذهب إلى نيويورك التي انتقل منها إلى واشنطن للقاء المسوؤلين في الإدارة الأميركية الجديدة.
وكما كان متوقعا منذ أن نجحت الضغوط السورية والروسية في الجولة الرابعة من جنيف بفرض ملف الإرهاب، إلى جانب الملفات الثلاثة الأخرى المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 (الحوكمة والدستور والانتخابات)، لجأ وفد النظام السوري برئاسة السفير بشار الجعفري إلى التركيز على الإرهاب، والمطالبة بأن يكون على رأس جدول المحادثات، وذلك في أول لقاء رسمي له مع المبعوث الدولي في مقر الأمم المتحدة في جنيف. واعتبر الجعفري، عقب لقائه دي ميستورا أن «التطورات الحاصلة على الأرض - في إشارات إلى العمليات العسكرية بشرق دمشق وفي محافظة حماة - تستدعي أن نبدأ غدا بسلة مكافحة الإرهاب». وأردف أن الأخير «أبدى تفهما ووافقنا الرأي». لكن الجعفري استدرك الأمر بالقول إن هذا «لا يعني أننا نهمل بقية السلال» لأنها، وفق ما قال: «تتساوى من حيث القيمة».
بيد أن اللهجة الهجومية لرئيس وفد النظام لم تقتصر فقط على أولوية الملفات، بل تعدتها لشن هجوم عنيف على وفد الهيئة العليا للمعارضة الذي دأب على تسميته بـ«منصة الرياض» واعتبار أطرافه «إرهابيين» لأنهم «يتعاملون» مع تنظيم «النصرة» الذي يصنفه مجلس الأمن الدولي إرهابيا. وفي نظره، فإن منصات كهذه «ليست منصات معارضة وطنية بل منصات تخريبية ترعى الإرهاب». وهذا ما يعيد «جنيف 5» إلى ما كان يقوله الجعفري في الجولات السابقة ويطرح علامات استفهام على مدى استعداده للتفاوض مع منصات يصفها بأنها «إرهابية» حسب زعمه. لكن رغم ذلك، أكد رئيس وفد النظام السوري أن وفده لن ينسحب ولا يهدد بالانسحاب؛ لأن «كل الهجمات الإرهابية يجمعها هدف واحد وهو تقويض المحادثات»، إن في آستانة أو في جنيف.
وأبعد من ذلك، وسع الجعفري ما سماه «دائرة الإرهاب» ليضم إليها سبع دول غربية وعربية وإقليمية، هي فرنسا وبريطانيا وتركيا والأردن وقطر والمملكة السعودية وإسرائيل. وخص بريطانيا وفرنسا اللتين اعتبرهما دولتين «ترعيان الإرهاب وتستخدمانه سلاحا سياسيا». بالمقابل، حرص على عدم التطرق للدور الأميركي إلا من زاوية الحط مما تقوم به القوات الأميركية في الحرب على «داعش». وفي هذا السياق، وبينما تشهد جبهة الحرب على «داعش» في الطبقة والرقة تطورات ميدانية بالغة الأهمية تؤشر لانطلاق معركة طرد «داعش»، رأى رئيس وفد نظام بشار الأسد أن الوسيلة الوحيدة الجدية لمحاربة الإرهاب هي «التعاون مع الجيش العربي السوري» (أي جيش نظام الأسد) واصفا القوات الأميركية - وغير الأميركية بأنها «غازية» وأن محاربتها الإرهاب «ادعاء غير صحيح». وفي نظره، فإن من يحارب حقيقة «داعش» هو «الجيش السوري بمساعدة الحلفاء الروس والإيرانيين». وكرر القول، إنه في أي حال، حكومة النظام ترى أن أي هجوم تدعمه الولايات المتحدة أو تركيا «لن يكون مشروعا» ما لم يجر بالتنسيق مع الأسد. بالإضافة إلى ذلك، عدد الفصائل المشاركة في العمليات العسكرية شرق دمشق وفي ريف حماة، التي زعم أنها كلها تأتمر بأوامر «جبهة النصرة»، غالبيتها ممثلة في جنيف وسبق أن حضر بعضها اجتماعي «آستانة 1 و2». وبنظره، فإن كل الفصائل المشاركة في حماة «تأتمر بأوامر المخابرات التركية». ومن جانب آخر، ادعى، بشكل غير مباشر، وجود خلاف بين دمشق ودي ميستورا حال دون توجه الأخير إلى دمشق، ولكن من غير أن يكشف عن طبيعة الخلاف، مكتفيا بالقول إنه «عندما يخرج (دي ميستورا) عن ولايته، فإننا نلفت عنايته بشكل لبق إلى ارتكابه خطأ».
هذا الطرح من قبل النظام قابلته مواقف واضحة وقاطعة للمعارضة السورية ممثلة في وفد الهيئة العليا للمفاوضات الذي يديره نصر الحريري. وقال الناطق باسم الوفد سالم المسلط إن المعارضة تطالب بأمرين: الأول، تناول موضوع الانتقال السياسي «الذي لم يجر التطرق إليه جديا في الجولات السابقة» بشكل مباشر، وهو ما وعد به دي ميستورا الذي طالبه بالوفاء بتعهداته. والثاني، الانطلاق فورا في محادثات «مباشرة» تلافيا لإضاعة الوقت. واعتبر الدكتور يحيى العريضي، مستشار الوفد المعارض المفاوض، أن المطالبة بالتركيز أولا على الانتقال السياسي «منطقي لأنه المظلة التي تحتضن الملفات الأخرى» ولأنه «لا نجاعة في محاربة الإرهاب من غير الانتقال السياسي».
وتجدر الإشارة إلى أن عددا من السفراء الغربيين المكلفين بمتابعة الملف السوري نصحوا وفد الهيئة العليا بقبول الملفات الأربع ومبدأ التوازي ومناقشة ملف الإرهاب واستخدامه من أجل التنديد بالأعمال الإرهابية التي يقوم بها الطرف الآخر والميليشيات التي تدعمه. وقال مصدر فرنسي رسمي رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط»، إن الاجتماع الذي حصل في واشنطن وضم وزراء خارجية فرنسا والسعودية والأردن والإمارات وتركيا تناول هذه النقطة واعتبر أنها «توفر ممسكا» للمعارضة للتنديد بإرهاب الطرف الآخر، أكان على شكل استخدام السلاح الكيماوي أو البراميل المتفجرة أو ما تقوم به الميليشيات المدعومة إيرانيا في سوريا.
وفي كلامه إلى الصحافة عقب اجتماعه بالوفد الذي يرافقه إلى المبعوث الدولي وفريقه، وصف الحريري، رئيس وفد الهيئة العليا، اللقاء بأنه كان «مثمرا» وأنه تركز على موضوع الانتقال السياسي. وقال إن الوفد عرض أفكاره حول تشكيل هيئة الحكم الانتقالي والمؤسسات المرتبطة به. وردا على تركيز الجعفري على «سلة» الإرهاب، رد الحريري بأن سوريا «لن تتخلص من الإرهاب ما لم تتحرر من إرهاب الدولة وإرهاب بشار الأسد». وأفاد الحريري بأنه قدم تقريرا للمبعوث دي ميستورا عن الوضع الإنساني بيّن وقوع 586 قتيلا منذ انتهاء جولة «جنيف 4» واستهداف 9 مدارس و5 أسواق واعتقال 647 شخصا، بينهم 43 سيدة وعشرات الأطفال. وإذ جدد الحريري التزام وفد الهيئة العليا بالحل السياسي، ومفتاحه عملية الانتقال السياسية، أفاد بأنه ينتظر «مؤشرا حقيقيا» على أن الطرف الآخر «النظام» «يشاركنا هذا الالتزام».
في هذه الأثناء، قالت مصادر أوروبية مواكبة لما يجري في جنيف اتصلت بها «الشرق الأوسط» من باريس إن ما جرى في اليوم الأول «ليس سوى مقدمات»، وإن الاختبار الحقيقي سيكون عند البحث في العمق في الملفات الأربع، التي حولها اختلافات عميقة في الفهم والرؤية. واعتبرت المصادر المناقشات ستزداد صعوبة يوما بعد يوم. كذلك نقلت عن المبعوث الدولي أنه يسعى لتحقيق «اختراق» وليس «البقاء على الهامش»، معتبرة أن هذه الجولة ستكون مؤثرة على دور دي ميستورا المستقبلي في الملف السوري. وللعلم، اليوم يلتقي المبعوث الدولي مجددا الأطراف السورية، في حين الاختلاف واضح بين ما يريده وفد النظام وما يشدد عليه وفد الهيئة العليا للمعارضة. وينتظر أن يجتمع دي ميستورا مع ممثلي منصتي القاهرة وموسكو الذين حضروا أيضا إلى جنيف كما فعلوا المرة السابقة.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.