أزمة الائتلاف الحاكم في إسرائيل تهدد بانتخابات جديدة

المعارضة تجري اتصالات لسحب الثقة من نتنياهو... واستطلاعات ترجح استمرار هيمنة حزبه

موظفون من هيئة الإذاعة والتلفزيون خلال مظاهرة في تل أبيب أمس (رويترز)
موظفون من هيئة الإذاعة والتلفزيون خلال مظاهرة في تل أبيب أمس (رويترز)
TT

أزمة الائتلاف الحاكم في إسرائيل تهدد بانتخابات جديدة

موظفون من هيئة الإذاعة والتلفزيون خلال مظاهرة في تل أبيب أمس (رويترز)
موظفون من هيئة الإذاعة والتلفزيون خلال مظاهرة في تل أبيب أمس (رويترز)

غادر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى الصين، أمس، تاركا وراءه أزمة ائتلافية شديدة، وتهديداً لحلفائه وخصومه بحل الحكومة والتوجه إلى انتخابات مبكرة، في حال إصرارهم على مخالفته في مسعاه للسيطرة على سلطة البث.
ومع أن هؤلاء الخصوم والحلفاء لا يبدون رغبة في استعجال الانتخابات، فإن الحلبة السياسية والحزبية راحت تغلي كالمرجل. وأعطيت التعليمات للمستشارين والمساعدين ببدء الاستعدادات فعلاً للانتخابات. وأظهر استطلاع رأي أجرته «القناة العاشرة» في التلفزيون الإسرائيلي، أنه لو جرت الانتخابات، اليوم، فإن حزب «ليكود» برئاسة نتنياهو سيحصل على 26 مقعداً، مقابل 25 لحزب «يوجد مستقبل» المنافس برئاسة يئير لبيد. كما يتوقع الاستطلاع أن تتراجع قوة الوزير المتسبب بالأزمة الأخيرة، موشيه كحلون، وهبوط حصة حزبه من 10 إلى 6 مقاعد. بينما ترتفع قوة حزبي اليمين المتطرف المتحالفين مع نتنياهو: «البيت اليهودي» (وهو حزب المستوطنين) الذي سيرتفع من 8 إلى 13 مقعداً، وحزب «إسرائيل بيتنا» بزعامة أفيغدور لبرمان الذي سيرتفع من 6 إلى 10 مقاعد.
وتعني هذه النتائج أن أحزاب اليمين التي تؤلف الحكومة، اليوم، ستحافظ على قوتها وستشكل الحكومة المقبلة وتحظى بأكثرية 62 مقعداً (من مجموع 120)، من دون الحاجة إلى الائتلاف مع كحلون. فإذا استمر في خلافه مع نتنياهو لدرجة حل الحكومة، سيمنى بهزيمة فادحة ويخرج من حلبة التأثير تماماً. وفي المقابل، تضعف أحزاب المعارضة التقليدية من قوتها. فـ«المعسكر الصهيوني» الذي يتمثل حالياً بـ24 مقعداً سيهبط إلى 10، بينما تحافظ «القائمة المشتركة» التي تضم الأحزاب العربية على قوتها وتفوز بـ13 مقعداً.
وكانت الأزمة تفجرت بسبب قرار نتنياهو التراجع عن حل هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية وإلغاء «اتحاد البث الجديد» الذي كان عمل على تأسيسه بالشراكة مع وزير المالية كحلون. وحصل هذا التراجع، مساء السبت، بعدما اجتمع نتنياهو مع مندوبي العاملين في هيئة الإذاعة والتلفزيون. ففي أعقاب هذا اللقاء، أعلن نتنياهو تغيير موقفه، وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «لقد سمعت خلال اللقاء حكايات تمزق القلب عن موظفين مخلصين ذوي خبرة سيتم إرسالهم إلى البيت بسبب اتحاد البث العام الجديد. كما اتضح لي خلال اللقاء، أنه خلافاً لمعطيات وزارة المالية، فإن تكلفة مواصلة تفعيل سلطة البث أرخص بعشرات ملايين الشواقل، من تفعيل اتحاد البث العام، فلماذا نحتاج إلى الاتحاد إذن؟».
وأجرى نتنياهو مشاورات مع الوزراء المقربين منه، ميري ريغف، وياريف ليفين وتساحي هنغبي، في مقر إقامته في القدس. وقرر خلال المشاورات محاولة فرض إغلاق الاتحاد على كحلون، وقال للوزراء إنه لن يتردد في التوجه إلى الانتخابات إذا لم يغلق كحلون الاتحاد.
وقالت جهات مطلعة على تفاصيل المحادثات إن «نتنياهو أجرى، خلال الأسبوع الماضي، استطلاعات أظهرت ارتفاعاً غير مسبوق لشعبيته في أوساط الناخبين، بينما تراجعت قوة كحلون، إلى حد أنه يمكن ألا يجتاز نسبة الحسم». وقال نتنياهو خلال المحادثات مع وزرائه إنه سيمرر بعد فوزه في الانتخابات قانون إغلاق الاتحاد الجديد. وبعد إقالة كحلون من وزارة المالية، سيفرض على الوزارة تمويل رواتب موظفي هيئة الإذاعة والتلفزيون إلى ما بعد الانتخابات. وقال مقربون من نتنياهو، أمس، إنه يعتقد بأن الظروف نضجت لإجراء الانتخابات؛ فعلاقاته مع كحلون تدهورت، وهو يخشى أن يراكم كحلون قوة سياسية في وزارة المالية ويحقق إنجازات اقتصادية ملموسة، إلى جانب تخوفه من توصية الشرطة بتقديم لائحة اتهام ضده في قضية الرشى.
وحافظ كحلون ورجاله على صمتهم، حتى أمس، ولم يوضحوا خططهم للتعامل مع الأزمة. وفي حال قرر نتنياهو تفكيك الحكومة، ينوي رئيس المعسكر الصهيوني يتسحاق هرتسوغ الاقتراح على كحلون بألا يدعم التوجه للانتخابات، وإنما الانضمام إليه في محاولة لتشكيل حكومة بديلة برئاسته. وكتب هرتسوغ على صفحته في «تويتر»، أمس، إنه سيجري اتصالات لسحب الثقة من نتنياهو في الكنيست. وأضاف أن «المعسكر الصهيوني بقيادتي سيتعاون مع تكتل صهيوني معتدل، اجتماعي ومسؤول، لاستبدال رئيس الحكومة».
ودعا «المعسكر الصهيوني» الوزير كحلون، أمس، إلى حل الحكومة. وقال: إنه «لا ينبغي أن يواصل كحلون السماح لنتنياهو بمواصلة الإساءة إلى الديمقراطية، وبالبث العام الخالي من السياسة. وبدل السماح له بالتنكيل بموظفي هيئة الإذاعة والتلفزيون والاتحاد، ومواصلة حملة تدمير المجتمع الإسرائيلي كله وتمزيقه، يجب على كحلون سحب الثقة والتسبب بحل الحكومة».
ودعا وزير التعليم، نفتالي بينت، الأطراف إلى حل الأزمة ومنع الانتخابات. وكتب على حسابه في «تويتر»: «أدعو الجميع إلى العمل بمسؤولية ومنع الانتخابات الباهظة التكلفة التي تسيء إلى الاقتصاد والمواطنين في إسرائيل. مع قليل من الرغبة يمكن حل مشكلة الاتحاد». واتخذ وزير الدفاع موقفاً مماثلاً ضد الانتخابات. وينتظر الجميع حالياً ما سيقرره كحلون، وإن كان سيقبل إهانة نتنياهو ويتراجع عن موقفه، أم يصر عليه، وعندها يقرر إما الذهاب إلى انتخابات مغامرة قد يخسر فيها قوته، أو تشكيل ائتلاف مع المعارضة للانتقام من نتنياهو.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...