روحاني مرشح نهائي للإصلاحيين... والمحافظون يسمون 14 شخصية لمنافسته

ثمانون عضواً في البرلمان ينتقدون الرئيس الإيراني لمواجهته مواقف المرشد الأعلى

رئيس لجنة سياسات التيار الإصلاحي محمد رضا عارف مع أعضاء كتلة الأمل الإصلاحية في البرلمان بعد لقاء مع الرئيس الإيراني أمس (ايلنا)
رئيس لجنة سياسات التيار الإصلاحي محمد رضا عارف مع أعضاء كتلة الأمل الإصلاحية في البرلمان بعد لقاء مع الرئيس الإيراني أمس (ايلنا)
TT

روحاني مرشح نهائي للإصلاحيين... والمحافظون يسمون 14 شخصية لمنافسته

رئيس لجنة سياسات التيار الإصلاحي محمد رضا عارف مع أعضاء كتلة الأمل الإصلاحية في البرلمان بعد لقاء مع الرئيس الإيراني أمس (ايلنا)
رئيس لجنة سياسات التيار الإصلاحي محمد رضا عارف مع أعضاء كتلة الأمل الإصلاحية في البرلمان بعد لقاء مع الرئيس الإيراني أمس (ايلنا)

أعلن التيار الإصلاحي التوصل إلى إجماع حول دعم حملة ترشيح الرئيس الحالي حسن روحاني لولاية رئاسية ثانية. وبموازاة مع ذلك كشف التيار المحافظ عن قائمة أولية تضم 14 مرشحا لمنافسة حسن روحاني في انتخابات 19 مايو (أيار) المقبل، فيما انتقد أكثر من ثمانين برلمانيا إيرانيا الرئيس الإيراني حسن روحاني في رسالة موجهة إليه وذلك في سياق التحرك السياسي الذي تشهده العاصمة الإيرانية قبل بداية الربيع الحافل بالتطورات الداخلية.
وبعيد إعلان التيار الإصلاحي، التقى روحاني بأعضاء كتلة الأمل البرلمانية أمس لبحث آليات خوض الانتخابات المقبلة. ودعا روحاني إلى توظيف جميع الإمكانيات لنقل واقع البلد إلى الشعب، وفق ما نقلت عنه وكالة «إيلنا» الإصلاحية. وجاء كلام روحاني في ذروة تعرضه لانتقادات شديدة، حيث طالبه منتقدوه بمصارحة الشعب الإيراني بالمشكلات التي تواجه الحكومة وأدائها على الصعيد الاقتصادي. ورد روحاني أمس بالدفاع عن «إنجازات» حكومته على الصعيد الاقتصادي مشددا على أنها جاءت في سياق سياسة «الاقتصاد المقاوم».
وكانت عبارة «الاقتصاد المقاوم» بمثابة الكلمة الرمز لموجة جديدة من الانتقادات تعرض لها روحاني خلال الأيام القليلة الماضية ويتوقع أن تكون من المحاور الأساسية في معركة الانتخابات التي يسابق روحاني الزمن لترتيب البيت الإصلاحي والمعتدل في مواجهة المحافظين الطامحين بأن يكون روحاني أول رئيس إيراني تختصر رئاسته إلى فترة يتيمة.
وسار روحاني أمس في الدفاع عن نفسه على اتجاه خطاباته في الأشهر الأخيرة بسرد الإحصائيات عن البنك المركزي والعملة وبيع النفط والنمو الاقتصادي بعد توقيع الاتفاق النووي. وتجاهل روحاني التعليق على رسالة مفتوحة من 40 اقتصاديا إيرانيا أول من أمس اقترحت عليه سلة إنقاذ للاقتصاد الإيراني من خمسة محاور وهاجمت الرسالة فريق روحاني الاقتصادي بشراسة متهمة إياه بتجاهل توصيات الاقتصاديين وإشاعة الاقتصاد الليبرالي الرأسمالي. وخلال اللقاء طالب أعضاء كتلة الأمل بضرورة نشر ما تم تحقيقه على الصعيد الاقتصادي.
وقبل اللقاء قال رئيس لجنة السياسات في التيار الإصلاحي محمد رضا عارف إنه سيبحث مع روحاني آليات خوض الانتخابات الرئاسية وانتخابات مجالس البلدية التي تجرى بتوقيت واحد مع الانتخابات الرئاسية. وخلال اللقاء طالب عارف بأن تكون هيكلية حملة روحاني على عاتق الإصلاحيين.
ورأى محللون أن اتجاه التيار الإصلاحي للوقوف مع روحاني على الرغم من إخفاقه في تحقيق وعوده للتيار الإصلاحي خاصة على صعيد رفع القيود عن الزعيمين الإصلاحيين مير حسين موسوي ومهدي كروبي جاء تحت تأثير رحيل علي أكبر هاشمي رفسنجاني وتراجع حظوظ الإصلاحيين في تقديم مرشح لخوض الانتخابات خاصة بعد رفض قاطع من المرشد الإيراني لمقترح المصالحة الوطنية الذي قدمه الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي.
ويتطلع الإصلاحيون إلى تكرار نتائج الانتخابات البرلمانية في العام الماضي في انتخابات مجالس البلدية على مستوى إيران كجزء من مخطط العودة إلى الحياة السياسية وتجاوز المرحلة الحالية قبل الانتخابات الرئاسية في 2021.
وكان التيار الإصلاحي أعلن مساء أول من أمس أنه قرر بـ«غالبية أعضاء لجنة السياسات» تجديد الثقة بروحاني للبقاء في منصب الرئيس ودعم حملة ترشحه في الانتخابات الرئاسية وذلك بعد أيام من جدل حول مرشح ظل قد يدفع به التيار تحسبا لاحتمال رفض أهلية روحاني من قبل لجنة صيانة الدستور، الجهة المسؤولة عن النظر في أهلية المرشحين للانتخابات. وفي المقابل، تناقلت وسائل إعلام إيرانية توصل التيار الأصولي تحت مظلة «الجبهة الشعبية للقوى الثورية» إلى قائمة من 14 شخصية أصولية تمهيدا للدفع بمرشح واحد خلال شهرين قبل موعد الانتخابات.
وقال رئيس لجنة السياسات في التيار الإصلاحي محمد رضا عارف إن تياره بدأ منذ أشهر دراسة عدد من المقترحات بشأن الانتخابات الرئاسية قبل اتخاذ القرار النهائي. وبحسب عارف فإن لقاءات بين الإصلاحيين وروحاني وممثلين عنه جرت لبحث النقاط المشتركة قبل الإعلان.
وبشأن ما إذا كان التيار الإصلاحي يفكر بتقديم مرشح «ظل» لروحاني قال عارف إن لجنة السياسات الإصلاحية ستعلن قرارها النهائي رسميا في غضون الأيام المقبلة قبل فتح باب الترشح.
وتنظر قيادات في التيار الإصلاحي إلى المرحلة الحالية على أنها مرحلة انتقالية وذلك بعد القيود التي واجهت التيار عقب أحداث انتخابات يونيو (حزيران) 2009 وبقاء أنصار التيار لفترة تجاوزت ثمانية أشهر وصلت فيها الشعارات إلى إسقاط النظام وحرق صور المرشدين الأول والثاني في إيران.
وقال عارف أمس إن قرار تياره جاء في اتساق مع اتجاهات جديدة اتخذها الإصلاحيون بعد 2011 «على أساس الواقع وأخذ المصالح الوطنية بعين الاعتبار». وكان عارف مرشح الإصلاحيين ومنافس روحاني في انتخابات 2013 قبل إعلان انسحابه من الانتخابات لصالح مرشح التيار الإصلاحي.
في سياق منفصل، وجه مستشار الرئيس الإيراني السابق اسفنديار رحيم مشائي رسالة إلى الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي ينتقد فيها مواقف الإصلاحيين عقب إعلان ترشح حميد بقائي مساعد أحمدي نجاد السابق.
واعتبر مشائي دعوات رد أهلية المرشح المنافس والمواقف الأخرى في وسائل الإعلام الإصلاحية «لا يمكن التغاضي عنها أو التعامل معها» مشددا على أن تلك المواقف «لا تتلاءم مع الشعارات الإصلاحية».
في غضون ذلك وجه نحو 80 من أعضاء البرلمان الإيراني رسالة إلى حسن روحاني يطالبون فيها الرئيس الإيراني بالعمل «وفق الواجبات الشرعية والدستورية في تبعية ولاية الفقيه» وفق ما نقلت وكالة «مهر» الحكومية.
وتنتقد الرسالة ما اعتبرته إصرار الرئيس الإيراني على المواجهة الكلامية والعملية ضد تعاليم وأوامر وآراء المرشد الإيراني علي خامنئي ولوحت الرسالة بإمكانية خامنئي في استخدام الفقرة العاشرة من المادة 110 والتي تنص على عزل الرئيس الإيراني في حال لم يلتزم بتعهداته الدستورية في التزام بأصل ولاية الفقيه. وبحسب مواقع إيرانية فإن الرسالة تهدف إلى ممارسة الضغط على المحافظين المعتدلين المقربين من روحاني مثل رئيس البرلمان علي لاريجاني وعلي أكبر ناطق نوري رجل الدين المقرب من خامنئي.
وكانت الأشهر الماضية شهدت تلاسنا غير مباشر بين خامنئي وروحاني وبرزت الحرب الكلامية حول تباين مواقف الجانبين من الاتفاق النووي والعلاقات مع الغرب فضلا عن الوضع الاقتصادي وفي الخميس الماضي حيث شهد آخر مواجهة بين خامنئي وروحاني اشتكى المرشد الإيراني من تجاهل توصياته بشأن «الاقتصاد المقاوم» وذلك بعد يوم من إعلان روحاني انتصار حكومته في تطبيق تلك السياسة التي يعتبر خامنئي مصدرها الأساسي.
ولم تذكر الرسالة توقيت نشرها إضافة إلى أنها لم تكشف عن هوية النواب. وتشير الرسالة إلى المواد 57 و110 و122 و121 وهي تلزم الرئيس الإيراني بالعمل وفق سياسات النظام والتبعية من ولاية الفقيه.
وفي أول ردة فعل من جانب الحكومة، أبدى نائب الرئيس الإيراني إسحاق جهانغيري استغرابه من تلك الرسالة قائلا إن العلاقات بين خامنئي وروحاني تمر بأفضل حالاتها.
من جانب آخر أعلنت مظلة التيار المحافظ «الجبهة الشعبية للقوى الثورية» (جمنا) عن قائمة أولية من 14 مرشحا لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة وتضم القائمة شخصيات مثل عمدة طهران محمد باقر قاليباف، وممثل خامنئي في المجلس الأعلى للأمن القومي سعيد جليلي، ورئيس هيئة «آستان رضوي» إبراهيم رئيسي، وقائد الحرس الثوري السابق محسن رضائي. ومن المقررة أن تعلن الجبهة في المرحلة الثانية التوافق على خمسة مرشحين في نهاية الشهر المقبل قبل إعلان المرشح النهائي لمنافسة روحاني. ولم تعلن جبهة (جمنا) اسم حميد بقائي المرشح عن التيار المقرب من الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد ضمن قائمة المرشحين المدعومين ومن شأن ذلك أن يسبب خلافات في معسكر المحافظين في الأيام المقبلة.
وكانت الجبهة أعلنت تأسيسها نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي ويقول أعضاء الجبهة إنهم لا يتبعون تيارا أو اتجاها سياسيا بعينه .
وقالت الجبهة في بيانها التأسيسي إن الغاية من تأسيسها مواجهة الفساد الإداري والاقتصادي بأرقامه الفلكية ورواتبه غير المعروفة وغير العادلة. ويتوقع أن يكون إبراهيم رئيسي المرشح النهائي للتيار المحافظ، ويعد رئيسي من أبرز المرشحين لخلافة خامنئي في منصب المرشد الأعلى. ويعتبر رئيسي أحد أعضاء فرقة «الموت» المسؤولة عن إعدامات مئات الآلاف من الناشطين السياسيين في 1988.
يشار إلى أن مكتب رئيسي أصدر بيانا لإعلان رفضه التجاوب مع الدعوات لدخول الانتخابات.
ورحب رئيس البرلمان علي لاريجاني خلال مؤتمره الصحافي، أمس، بترشح إبراهيم رئيسي، مشددا على أنه لا يحتاج إلى تقديم استقالته من منصبه الحالي لخوض الانتخابات الرئاسية. واعتبر لاريجاني ترشحه سببا في حيوية الانتخابات الرئاسية في إيران.
ورفض لاريجاني الذي تربطه علاقات وثيقة بروحاني نيته التدخل في الانتخابات الرئاسية وقال إنه «ليس من المصلحة أن يدخل أركان البلد في الانتخابات» وفقا لموقع «انتخاب».



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.