رضوى عاشور... حصافة الناقدة تتحدى روح المبدعة

دار الشروق تصدر لها 3 دراسات نقدية جديدة

أغلفة بعض الكتب
أغلفة بعض الكتب
TT

رضوى عاشور... حصافة الناقدة تتحدى روح المبدعة

أغلفة بعض الكتب
أغلفة بعض الكتب

أصدرت دار الشروق المصرية 3 دراسات نقدية للأديبة المصرية الراحلة رضوى عاشور تزامنا مع ذكرى رحيلها الثانية، كانت قد نشرت من قبل على فترات زمنية مختلفة.
في الدراسة الأولى التي تحمل عنوان «الطريق إلى الخيمة الأخرى»، تدرس رضوى عاشور أعمال غسان كنفافي (1936 - 1972) عقب استشهاده بخمس سنوات، وجاءت في 7 فصول على امتداد 100 صفحة. تقول عاشور: «كان هدفي من هذه الدراسة تقديم تحليل وتقييم لكتابات غسان الإبداعية تسهم ولو بشكل متواضع في الاقتراب من لب هذه الكتابات... كان تركيزي الأساسي على العلاقة بين العمل والواقع التاريخي الذي أنتجه. ومن هنا جاءت دراستي للعلاقات الداخلية في هذه الرواية أو تلك، ولما فيها من إنجاز في البناء أو النسيج، وسيلة للوصول إلى فهم أكبر لمدى قدرة الكاتب على تجسيد واقع ما بأمانة وبشكل فني راق».
في الفصل الأول «ابن عكا يذهب للمخيم»، قدمت عاشور لمحة سريعة لحياة كنفافي كمدخل لعالمه القصصي والروائي.
ومن المعروف، أن كنفاني قد قتل وهو في السادسة والثلاثين من عمره. وكان قد أصدر، إلى جانب نضاله السياسي وعمله الصحافي، أربع مجموعات قصصية قصيرة وأربع روايات ومسرحية وأربع دراسات، اثنتين في أدب المقاومة الفلسطيني وواحدة في الأدب الصهيوني وواحدة عن ثورة 1936. إلى جانب روايات لم تكتمل ومحاضرات ومقالات لم تنشر.
في الفصل الثاني «ولادة الأسود الصغير» تشير عاشور إلى أن القصة القصيرة هي الشكل الفني الذي أراده كنفاني ليثبت فيه نفسه كاتبا، وحللت في هذا الفصل عددًا من القصص التي انتقتها لتميزها الفني، والتي تعكس تنوع أسلوبه فتقول: «فهو حينا يعمل على إتقان الشكل الواقعي (أرض البرتقال الحزين) و(كعك على الرصيف) و(الصبي يذهب إلى المخيم)، وأحيانا يعمل على تطعيم هذا الشكل بعناصر غير واقعية كالحكايا الشعبية والفانتازيا (المنزلق)، وفي أحيان أخرى يتحرر من الشكل الواقعي تماما لينطلق في آفاق التجريب الفني (الأخضر والأحمر). في الفصل الثالث «الرحلة» قدمت عرضا وتحليلا لروايتي «رجال في الشمس» و«وما تبقى لكم» وكل منها تصور رحلة كفاح فلسطينية واحدة تقود للهلاك وأخرى على ما تواجه من مشاق فإنها تمثل بداية الخلاص.
أما في الفصل الرابع المعنون «عن العشق القديم والجديد» ناقشت عاشور قصة «العروس» ومجموعة «عن الرجال والبنادق» استعرضت من خلالهما مفهوم غسان كنفاني للتاريخ ومفهومه للعلاقة بين الفلسطيني من ناحية والأرض والسلاح من ناحية أخرى. وفي الفصل الخامس «الوصول إلى الخيمة الأخرى» تناولت بالدراسة روايتي «أم سعد» و«عائد إلى حيفا» اللتين تعبران عن موقف غسان من الجماهير الكادحة في المخيمات (أم سعد) وموقفه من الطبقة المتوسطة الفلسطينية (عائد إلى حيفا).
وفي الفصل السادس «معجزة المعذبين في الأرض» تأخذنا عاشور لعالم كنفاني المسرحي عبر مسرحية «الباب» وتضيء على مواطن الضعف فيها حيث ينقصها الاكتمال الإنساني والأبعاد الوجدانية للشخصيات مرجعة ذلك غياب فلسطين عن كنفاني، وأيضا تقدم نقدا لرواية «الأعمى والأطرش» التي لم يكملها، وفيها عرضت لموقفه من التمرد الميتافيزيقي الذي قد يظهر في صورة احتجاج أو من ناحية والثورة من ناحية أخرى. وفي الفصل السابع «وصار ندا» قدمت عاشور استخلاصات حول قراءاتها لأعمال كنفاني، مشيرة إلى أن «الواقع السياسي الذي عاش كنفاني واستشهد في ظله هو المحور الأساسي لجميع كتاباته...» لافتة إلى أن ما يميزه استيعابه الثاقب للواقع واهتمامه بقضية الشكل الفني، وحساسيته الخاصة كمبدع. وقيام كنفاني بمواجهة إنسانية الفلسطيني فكان من أوائل الكتاب العرب الذين استشرفوا التمرد والرفض في المخيم. فأسلوبه كما تراه عاشور مليء بالرموز الدالة (صورة بومة معلقة على جدار، أو محارة فارغة يحلم فاتحها بأن يجد لؤلؤة بها، أو خزان فارغ تقبر فيه حياة رجال ثلاثة...). وتقول: إن «قصص غسان الأولى يشوبها بعض الارتباك الشكلي... لكنه مع الوقت والاستمرار تمكن من السيطرة الفنية على مادته بل ويرتاد بجرأة آفاقا جديدة في التجريب محاولا توصيل رؤياه بأكبر قدر من الفعالية».
أما الدراسة الثانية «التابع ينهض.. الرواية في غرب أفريقيا»، والواقعة في 8 فصول، فتناولت فيه المؤلفة كتابات آموس تيوتولا وكامارا لايي وشينوا آشيبي وسمبيني عثمان، فضلا عن أعمال كاتبين من الكاميرون تجسد صورة الواقع بعد الاستقلال وقضية اللغة في الأدب الأفريقي، وتأثير ثقافة المحتل عليه. تقول: «إن الذي دفعني للبدء في هذه الدراسة وشجعني على الاستمرار فيها قناعة عميقة بضرورة الاتصال الثقافي بين بلاد العالم الثالث عموما، والقارة الأفريقية بشكل خاص، ليس فقط ما تواجهه هذه البلاد من مشاكل مشتركة وتطلعات مماثلة ولكن أيضا لما في فنونها من قيم الثقافة الإنسانية» وتحاول عاشور عبر 160 صفحة الإجابة عن تساؤل: هل صحيح ما يقوله البعض من أن الأدب الأفريقي الحديث يستمد قوته من كونه ردا على أوضاع سياسية بعينها، وأنه بالتالي يفقد هذه القيمة بزوال تلك الأوضاع؟ وهي ترى أن «الأدب المتأثر بالمضامين الاستعمارية ليس دائما أدبا دعائيا فجا»، لافتة إلى أن الكاتب الأفريقي وجد نفسه أمام ركام من الأكاذيب والصور الخادعة التي قدمتها الروايات الأوروبية في بدايات القرن العشرين ومنها رواية «قلب الظلام» للبريطاني - البولندي جوزيف كونراد. فوطنيه الكاتب الأفريقي، كما تضيف، تتطلب منه أكثر من تمجيد ماضي أفريقيا والهجوم على الاستعمار في صورته القديمة، إذ تتطلب الموقف النقدي من الواقع الأفريقي والتعبير عن هموم مجتمعه وهو ما أشار إليه عدد من الكتاب الأفارقة التقدميين من أمثال: سوينكا، وسمبيني عثمان وغيرهما.
وتخلص رضوى إلى أن الأدب الأفريقي نشأ كتمرد على المضمون الآيديولوجي للاستعمار، وكان يعبر بأشكال مختلفة عن أحد الوجوه الثقافية لحركة التحرر الوطني بالبحث في الماضي وتأكيد الجذور واستلهام التراث وبنقد الحاضر والسخرية من مساوئه بهدف تقويمها. وتشير إلى رأيها في مواجهة التيارات النقدية الدارسة للروايات الأفريقية التي انقسمت إلى عدة آراء بعضها يرى أن الروايات الأفريقية لا تختلف عن مثيلتها الأوروبية أو الأميركية، وما بين رأي يرى أنها لا تقدم شكلا روائيا جديدا، فيما يرى فريق ثالث أن الكتاب الأفارقة نجحوا في «أفرقة» الرواية: «إن أفرقة الرواية ليست هدفا في حد ذاته... بل كانت نتيجة لمحاولة الكاتب تقديم الصور الأصلية لحياة الأفريقيين. لقد فرض المضمون وانشغال الكاتب بتوصيل رؤية بعينها هذه التجديدات في الشكل. وفي بعض الأحيان نجد أن كاتبا ما وجد في شكل روائي غربي ما يفي بحاجته فاعتمده وأكسب روايته الصفة الأفريقية بمعرفته الحميمية بالواقع الأفريقي وإعادة خلقه بكل حيوية على الورق».
وفي دراستها الثالثة «في النقد التطبيقي... صيادو الذاكرة»، تقدم رضوى عاشور دراسة قيمة فيما يتعلق بوظيفة النقد ودوره عبر مجموعة من المقالات التي نشرتها بشكل عشوائي لكنها مترابطة في أسلوبها المنهجي. وتنتقل في هذه الدراسة، التي جاءت في 250 صفحة، في 3 أقسام، ما بين «حي بن يقظان» لابن طفيل، وثلاثية نجيب محفوظ و«مالك الحزين» لإبراهيم أصلان، ثم إبداع لطيفة الزيات وفكر إدوارد سعيد، وكتابات أميل حبيبي ثم تنتقل لبحور الشعر عند أمل دنقل وفؤاد حداد. وهي كذلك تقدم للقارئ عالم شكسبير وبريخت وهمنغواي من خلال خبرتها الأكاديمية كأساتذة أدب إنجليزي بجامعة القاهرة، وتذيل الدراسة بتجربتها في الكتابة وكيف أنها بدأت بالكتابة في العاشرة بقصائد ركيكة ثم قصص ساذجة، ثم طورت كتابتها بقراءة ديكنز وبرونتي وأجاثا كريستي ونصوص نجيب محفوظ وجورجي زيدان ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس وتقول: «أكتب لأنني أحب الكتابة، وأحب الكتابة لأن الحياة تستوقفني، تدهشني، تشغلني، تستوعبني، تربكني، وتخيفني، وأنا مولعة بها».



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.