شبح العزوف يؤرَق الحكومة الجزائرية

مع العد العكسي للانتخابات البرلمانية

شبح العزوف يؤرَق الحكومة الجزائرية
TT

شبح العزوف يؤرَق الحكومة الجزائرية

شبح العزوف يؤرَق الحكومة الجزائرية

تواجه الحكومة الجزائرية صداعا حادا يتمثل في احتمال عزوف نسبة كبيرة من الناخبين، عن استحقاق البرلمان المرتقب يوم 4 مايو (أيار) المقبل. والسبب فتور كبير يظهر على الجزائريين، الذين لا يرون في صندوق الاقتراع أداة تغيَر من معيشتهم المهددة حاليا بخطة تقشَف صارمة، تنفذها السلطات منذ عام ونصف العام نتيجة لشح الموارد المالية. غير أن برودة المواطنين تجاه الانتخابات ليست هي وحدها من يقلق المسؤولين في البلاد، وإنما أيضا دعوة المعارضة إلى مقاطعة الموعد بذريعة أنه مزوَر ومحسوم النتيجة لصالح أحزاب «الموالاة»، التي تؤيد سياسة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
وتقول السلطات إن آلية استحدثتها المراجعة الدستورية، التي جرت العام الماضي، كفيلة بضمان نزاهة الانتخاب. ويتعلق الأمر بـ«الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات»، التي وضعت على رأسها وزير العلاقات مع البرلمان، ومندوب الجامعة العربية بالاتحاد الأوروبي سابقا، عبد الوهاب دربال.
حاول عبد الوهاب دربال، الذي كان في تسعينات القرن الماضي قياديا بارزًا في حزب «حركة النهضة» الإسلامي المعارض، خلال لقاء مع صحافيين أخيرًا، طمأنة الرأي العام بخصوص دور «الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات» في التصدي لأي محاولة لتزوير الانتخابات؛ إذ قال إنه يعتزم «متابعة الوزراء المترشحين للاستحقاق، في حال ثبت أنهم استعملوا وسائل الدولة خلال حملة الانتخابات». وهنا، علَق ناشطون بشبكة التواصل الاجتماعي، بسخرية على كلامه؛ لأن الوزراء المترشحين يستعملون دائما الإمكانات المتاحة لهم بصفتهم موظفين ساميين في الدولة، لتوظيفها لمصلحتهم في الانتخابات، من دون أن تتصدى لهم الهيئات التي تسهر على نزاهة الانتخابات.
دربال أبدى، في الواقع، قلقه من احتمال التلاعب بأرقام اللائحة الانتخابية، بعدما نقلت صحف عن مسؤول بوزارة الداخلية بأن 3 ملايين متوفى، لم تسقط أسماؤهم من اللائحة. وفهم من كلامه أن الحكومة قد تستعمل هذه الكتلة لتضخيم نسبة المصوَتين، في حال رأت عشية الموعد، أن مؤشرات العزوف كبيرة. ويشار إلى أن «هيئة مراقبة الانتخابات»، تتكون من 410 أعضاء، نصفهم قضاة والنصف الآخر ناشطون بالمجتمع المدني. وقد تم اختيارهم من طرف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وكان ذلك كافيا في نظر المعارضة للحكم عليها بأنها غير مستقلة، وأنها لن تستطيع إبعاد شبح التزوير.
* الحرص على الشفافية
وقال دربال أن «دسترة» الهيئة التي يرأسها، والنص عليها بأنها «دائمة»، بمثابة «إشارة واضحة، حسبه، للأهمية التي يوليها الرئيس لشفافية العملية الانتخابية». وأضاف بأن «تركيبتها المتكونة من قضاة وكفاءات وطنية، أمر يبعث على الطمأنينة والارتياح ويؤكد إشراك المواطن في إدارة الشأن العام». وتابع بأن «القانون الذي يحدد تفاصيل عملها، منحها 11 صلاحية تتعلق بمرحلة ما قبل انطلاق العملية الانتخابية، تتناول التأكد من المراقبين والترشيحات، ومن استعمال وسائل الدولة من طرف المترشحين والأحزاب، إلى جانب التأكد من الهيئة الناخبة وكل التحضيرات الخاصة بالعملية». وتمتد صلاحياتها إلى مصاحبة العملية الانتخابية، من خلال تنظيمها بدء من فتح صناديق الاقتراع إلى نهاية فرز الأصوات.
وقد أعلنت القوى السياسية الكبيرة مشاركتها في الموعد، وأبرزها «حزب السلطة الأول»: «جبهة التحرير الوطني» الذي يرأسه الرئيس بوتفليقة، ولكن لا يحضر اجتماعاته أبدا، وأمينه العام هو وزير التضامن سابقا الدكتور جمال ولد عباس، الذي قال إن أي راغب في الترشح بصفوف الحزب ينبغي أن يتوفر فيه شرط واحد، هو «عدم الإساءة إلى رئيس الجمهورية بأي شكل من الأشكال».
وتملك «الجبهة» الأغلبية بـ«المجلس الشعبي الوطني»، (الغرفة البرلمانية الأولى)، وهي «الحزب الواحد» قبل دخول البلاد عهد التعددية الحزبية عام 1989. ويرجح متتبعون أنها ستحافظ على هذه المكانة في البرلمان الجديد، بينما لقي البرلمان الذي انتهت ولايته انتقادا شديدا، بسبب خضوعه للحكومة فيما يخص التشريع. فأكثرية القوانين التي أصدرها خلال 5 سنوات الماضية، جاءت من الحكومة وليس من النواب. وتقول المعارضة البرلمانية إن كل مبادرتها بإطلاق قوانين تمت مواجهتها بالرفض من طرف الأغلبية الموالية للحكومة؛ لأنها لا تصب في مصلحة السلطة التنفيذية.
* ضمن معسكر «الموالاة»
وسيشارك في المعترك أيضًا «حزب السلطة الثاني»، وهو «التجمع الوطني الديمقراطي»، القوة الثانية في البرلمان بقيادة وزير الدولة ومدير الديوان برئاسة الجمهورية أحمد أويحي، الذي كان رئيسا للوزراء. ويسعى «التجمع» إلى استعادة الأغلبية التي ضاعت منه منذ انتخابات 1997، التي حل فيها أولا رغم أنه تأسس 3 أشهر فقط قبل الاقتراع! ويوصف هذا الاستحقاق بأنه «أكبر عملية تزوير في تاريخ البلاد». ويواجه أويحي حاليا سيلا من الانتقادات؛ بسبب موقفه المعادي لتولي المهاجرين المزدوجي الجنسية مناصب سامية في الدولة.
وضمن «كتلة الموالاة»، تبرز أحزاب أقل شأنا؛ لأنها حديثة النشأة. ومن أهمها «تجمع أمل الجزائر» الذي يرأسه وزير الأشغال العمومية سابقا عمر غول، و«الحركة الشعبية الجزائرية» بقيادة عمارة بن يونس وزير التجارة سابقا. وكلاهما يراهن على حصة في البرلمان لا تقل عن 50 مقعدا من مجموع 462 مقعدا.
* ... ومعسكر «المعارضة»
أما في معسكر المعارضة فالشرخ عميق داخل «تنسيقية الانتقال الديمقراطي»، التي تضم أهم التشكيلات المعارضة. ويعود الانقسام إلى إعلان البعض المشاركة في الانتخابات، بينما رفض البعض الآخر. ومن أبرز المشاركين، الحزب الإسلامي «حركة مجتمع السلم»، الذي سيدخل المعترك بلوائح مرشحين مشتركة مع «جبهة التغيير»، بقيادة وزير الصناعة سابقا عبد المجيد مناصرة. ولقد عقد الحزبان أخيرًا «وحدة» إيذانا بوجود مؤشرات على انتعاش في صفوف التيار الإسلامي الذي تراجع رصيده الانتخابي كثيرا، منذ الفوز الساحق لـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ» نهاية 1991، وهي التجربة التي أجهضها الجيش عندما تدخل لإلغاء نتائج تلك الانتخابات، بحجة أن الإسلاميين «يشكلون خطرا على الديمقراطية الناشئة». ودخلت البلاد في حرب أهلية بعدها، وما زالت تعيش إفرازاتها إلى اليوم.
أيضًا من ضمن كتلة المعارضة، سيدخل سباق الانتخابات «جبهة العدالة والتنمية» برئاسة عبد الله جاب الله، و«حركة النهضة» وأمينها العام هو محمد ذويبي، و«حركة البناء الوطني»، بقيادة أحمد دان. والأحزاب الثلاثة إسلامية عقدت هي أيضا تحالفا بمناسبة الانتخابات سمّته «الاتحاد الإسلامي». ويشار إلى أن جاب الله كان رئيسا لـ«النهضة»، وجرى الانقلاب عليه من طرف قياديين منها عام 1998، وكان من بينهم عبد الوهاب دربال، وتمت إزاحته.
ويبرز الحزب العلماني «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، بوصفه أحد أهم أحزاب المعارضة المشاركة في الانتخابات. وكان قد غاب عن انتخابات 2012 على أساس أن البرلمان «لا يوفر منبرا حقيقيا يتيح التغيير المنشود». واللافت أن هذا الحزب عاد إلى المسار الانتخابي، من دون أن يتغير أي شيء يشجع على المشاركة في الانتخابات، إذا تم أخذ بعين الاعتبار مبررات غيابة عن الاستحقاق الماضي. ويرجح متتبعون أن يحقق الحزب نتيجة جيدة في منطقة القبائل، إلى الشرق من العاصمة، فقط؛ لكونه حزبا نشأ بهذه المنطقة الناطقة بالأمازيغية، وقياداته ومناضلوه كلهم من القبائل.
* جبهة القوى الاشتراكية
غير أن الحزب القبائلي الأكثر شعبية، هو «جبهة القوى الاشتراكية»، وهو أقدم حزب معارض أسسه عام 1963 رجل الثورة حسين آيت أحمد، الذي توفي العام الماضي. وتشارك «الجبهة» في الاستحقاق المقبل، وتعوَل على تحقيق نتيجة أفضل من الاستحقاق الماضي الذي خرجت منه بـ26 مقعدا. وكل الأحزاب المعارضة، التي سبق ذكرها، طالبت من السلطات إنشاء لجنة مستقلة لمراقبة الانتخابات، تتكون من كفاءات لم يسبق لهم أن مارسوا مهام حكومية، ومشهود لهم بالاستقامة ونظافة اليد. غير أن الرئيس بوتفليقة رفض هذا الطرح، مفضلا آلية يتبع أعضاؤها له.
ما عدا «الأوزان الثقيلة»، تحاول الأحزاب الصغيرة أن تجد لنفسها مكانا في «قبة زيغود يوسف» (مبنى البرلمان)، فيما يوجد إجماع في الوسط السياسي والإعلامي، بأن حظوظها ضئيلة. ولقد أطلق 14 حزبا صغيرا تكتلا انتخابيًا يرأسه رجل الأعمال هواري حميدي. وأحد هذه الأحزاب: «التجمع الجزائري»، عرض العام الماضي ما يعادل 4 آلاف دولار، على كل شخص يرغب في الترشح في صفوفه. وكان ذلك مؤشرا على أن هذه الأحزاب «موسمية» لا تظهر إلا في المواعيد الانتخابية؛ مما يجعل حظوظها بالفوز ضئيلة. غير أن أكبر عقبة تواجهها في الاستحقاق المقبل، هي شرط تضمنه قانون الانتخابات الجديد، يتمثل في حصول كل حزب على 4 في المائة من نتائج آخر انتخاب؛ حتى يمكنه دخول المعترك الجديد، بينما هذه الأحزاب كلها مجتمعة لا توفر هذه النسبة.
ويطغى على الخطاب السياسي في فترة ما قبل الانتخابات، قضايا التقشف وأزمة أسعار النفط زيادة على تهديدات الإرهاب بالحدود. وتتهم أحزاب المعارضة الحكومة، بالعجز عن التصدي للمشكلات التي خلفها انهيار سعر البترول، على اقتصاد مبني على الريع لم يعرف النمو منذ أن استقلت البلاد عن الاستعمار الفرنسي. واضطرت الحكومة في إطار مواجهة عجز الموازنة، إلى وقف استيراد السيارات والكثير من المنتجات الغذائية، والمواد المصنعة ونصف المصنعة؛ ما تسبب في ارتفاع فاحش للأسعار في السوق المحلية. فالجزائر لا تنتج شيئا، تقريبًا، ما عدا النفط والغاز. ويقول الخبراء المتشائمون من مستقبل الاقتصاد، إن البلاد ستعلن إفلاسها في غضون ثلاث سنوات ما لم تسرع الحكومة لإيجاد مصادر دخل جديدة. وإذا استمر تآكل احتياطي العملة الصعبة (110 مليارات دولار بداية العام)، ستفرغ خزائن الدولة من المال بحلول 2020، بحسب الخبراء أنفسهم.
* المخاطر الأمنية
أما عن الأمن، فأحزاب الموالاة والمعارضة متفقة على كون الخطر الذي يهدد الأمن القومي للجزائر، هو «دواعش ليبيا» الذين هددوا جيش البلاد بـ«عمل استعراضي»، انتقاما منه بسبب تعاونه مع قوى غربية وبخاصة فرنسا؛ من أجل دحر المتطرفين في البلد الجار. وتعتبر الجزائر نفسها أكثر بلدان منطقتي المغرب العربي والساحل الأفريقي تضررا من ترسانة السلاح الليبي المفتوحة على الهواء، التي تسرَب منها الآلاف من القطع، عبر الحدود التي يفوق طولها 900 كلم.
وطلبت «الشرق الأوسط» من المحلل السياسي محمد صالحي قراءة في الظروف التي يجري فيها التحضير للانتخابات، وحظوظ المشاركين فيها، فقال: «هناك إشكاليات عدة تطرح حول نزاهة الانتخابات، ومنها التزوير بمختلف الوسائل المعروفة وغير المعروفة، ومنها ما يدور حاليا من حديث حول وجود ثلاثة ملايين ناخب ميت ومدى قدرة هيئة دربال على منع التزوير، والوقوف في وجه المزورين، رغم أن دربال يحاول التأكيد أنه بمقدوره أن يفعل ذلك. أمر آخر مهم، هو سيطرة «المال القذر» على بعض لوائح المترشحين وتصدرها؛ إذ إننا نسمع ونرى كيف يصل إلى البرلمان في كل ولاية «بارونات» مكانهم الطبيعي هو السجن... أو على الأقل الشارع والمقهى وليس البرلمان».
وأضاف صالحي «إشكالية أخرى تطرح وهي المحاباة في إعداد لوائح المترشحين... وحسب ما وصلني من معلومات بخصوص التحالفات الإسلامية الجديدة، فقد بدأ هذا المشكل غير الطبيعي يطرح نفسه بجدية في هيئاتها القيادية. ويجرني هذا إلى الحديث عن الكتل السياسية ممثلة في التحالف الرئاسي ولواحقه وكذا الكتلتان الإسلاميتان: الاتحاد وحركة مجتمع السلم التاريخية، اللتان عليهما إقناع مناضليهما بالتجند للانتخابات، بعدما تمت إحالتهم على البطالة السياسية الإجبارية، بفعل الخلافات الحادة بين القيادات؛ ما دفعهم إلى العزوف عن النضال والالتزام بالبيوت والمقاهي، وفي أحسن الأحوال بالمساجد».
وتابع صالحي كلامه قائلا «هناك تكتل آخر نشأ قبل فترة قصيرة يضم الأحزاب الصغيرة، ويهدف إلى التغلب على مشكلة عتبة الـ4 في المائة، سواء بمطالبة رئيس الجمهورية بإعفائها من هذا الشرط، أو بتعاون أعضائها على جمع توقيعات المواطنين لتتمكن من تقديم مرشحين، وتشكيل لوائح ترشيح مشتركة على غرار الاتحاد أو التكتل الأخضر عام 2012. وهنا تجدر الإشارة إلى وجود بعض الأحزاب الصغيرة، التي رفضت الانضمام إلى هذا القطب، وهدفها واضح هو البقاء منفردة بحثا عن حرية في بيع لوائح الترشيح لتجار المخدرات والمجرمين والمسبوقين قضائيا».
أيضا يقول المعلق السياسي الجزائري، إنه يتوقع فوز أحزاب الموالاة «لما تملكه من استقرار نسبي في الهياكل وأموال طائلة، ونفوذ في الإدارة ودعم فوقي، وحتى التزوير الذي قد تلجأ إليه كما حدث في مختلف الاستحقاقات الماضية، للوصول إلى النسبة الضامنة لبقاء نمط الحكم الحالي، واستمرار رموزه في قيادة الدولة. أما التكتلات الإسلامية فستكون ثانية في الترتيب؛ وذلك لاعتبارات عدة، منها حالة التشرذم التي لزمتها لأكثر من 10 سنوات، وتأخرها في عقد وحدتها التي تزامنت مع الانتخابات؛ ما أعطى كثيرين، حتى من أبناء التيار الإسلامي، انطباعا بأن مسعى الوحدة يهدف أصحابه إلى ضمان مقاعد لهم في البرلمان».
وأوضح صالحي، بأن أهم المشاكل التي ستعترض الإسلاميين في الانتخابات هي «نقص إمكانياتهم المادية مقارنة بأحزاب التحالف الرئاسي الذين ينهلون مباشرة من مؤسسات الدولة. وأيضا هناك المحيط الدولي الذي تمثله القوى الكبرى، التي ترفض تشكيل حكومات يديرها الإسلاميون، وما النموذج التونسي إلا مثال على ذلك».
* رأي وزير سابق
من جهته، يقول وزير الإعلام سابقا، محمد السعيد الذي أعلن مشاركة حزبه «الحرية والعدالة» في الاستحقاق «كنا نتمنى أن تجري الانتخابات في مناخ سياسي أفضل، لا يعكر صفوه استمرار أزمة الثقة بين الشعب وقيادات مؤسساته. هذه الأزمة تُبقي على ظلال الشك في مصداقية التصريحات الرسمية المتعلقة بضمان نزاهة وشفافية الانتخابات، أضف إلى ذلك أن تجارب سابقة منذ تطبيق التعددية السياسية عودتنا على التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي والممارسة الميدانية».
وعبر السعيد عن أسفه، لـ«كون السلطة لم تعالج هذا الجانب في إصلاحاتها السياسية المعلنة، بالانفتاح الحقيقي على الحوار مع سائر القوى السياسية والاجتماعية، والبحث عن حلول توافقية للمشكلات المطروحة، بل تجاهلت كل شيء عندما انفردت بتعيين نصف أعضاء اللجنة من المجتمع المدني دون استشارة الأحزاب السياسية عن المقاييس المعتمدة مثلما فعلت عند تعيين رئيس الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات». وأردف «بالمناسبة، يصعب جدا في مثل هذه الحالة، وصف هذه الهيئة بالمستقلة؛ لأنه يصعب التصديق بأنها مستقلة عن السلطة السياسية التي عينت أعضاءها جميعا وضمنت، بالتالي، ولاءهم لها، أو مستقلة عن الإدارة التي أوكلت إليها مهمة تنظيم العملية بكاملها، وهي التي برعت في فن ترتيب نتائج الانتخابات كما يُطلب منها».
وبخصوص ما يشاع حول استمرار سيطرة «الموالاة» على البرلمان الجديد، قال السعيد «مثل هذه الشائعات موجهة للقضاء على أمل التغيير عند الناس. وبالتالي الزيادة في نسبة العزوف الانتخابي؛ حتى يخلو الجو للوجوه التي ملَ منها الناس، أو لزيادة إضعاف شرعية الهيئة التشريعية الجديدة إحراجا للنظام السياسي القائم، وقد تكون أيضا تسريبا يعبر عن نية حقيقية لدى السلطة لإبقاء دار لقمان على حالها». وأضاف الوزير السابق «شخصيا لا أستبعد أن تكون هناك بعض التعديلات في توزيع المقاعد بين أحزاب الموالاة... ولا أظن، خلافا لما يقال، أن المنافسة ستكون فعلا مفتوحة كما حصل في عام 1991. تلك التجربة لن تتكرر في القريب المنظور؛ لأن نتائجها آنذاك أفسدت حسابات أصحاب القرار، معنى هذا أن الاحتمال الأكبر هو احتفاظ السلطة بالأغلبية البرلمانية، ربما ليس بالشكل العددي المفضوح كما حصل في 2012، وتُترك بقية المقاعد للمنافسة الحرة بين الأحزاب المشاركة خارج تشكيلة الموالاة».



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.