الانسحاب الأميركي من الشراكة عبر الهادي... الصين غانمة والهند في راحة

أطلق طموح بكين للسيطرة على اقتصاد شرق آسيا باتفاقية بديلة

الانسحاب الأميركي من الشراكة عبر الهادي... الصين غانمة والهند في راحة
TT

الانسحاب الأميركي من الشراكة عبر الهادي... الصين غانمة والهند في راحة

الانسحاب الأميركي من الشراكة عبر الهادي... الصين غانمة والهند في راحة

في واحد من أول قراراته فور توليه مهامه الرئاسية، وقع الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب على مذكرة رئاسية تؤكد انسحاب حكومة الولايات المتحدة الأميركية من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، والتي كانت قد وقعت من قبل مع الكثير من الدول من بينها كندا وتشيلي وأستراليا واليابان، في شبكة من القواعد التجارية الدولية المعقدة، ومن المثير للاهتمام أنها لا تتضمن الصين.
وكانت اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي هي واحدة من الجهود السابقة لدى الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وكانت جزءا من استراتيجية أوسع تتعلق بتوسيع نطاق النفوذ الأميركي في آسيا، وإتاحة مركز لمراقبة الطموحات الاقتصادية والعسكرية الصينية بعد سبع سنوات من المفاوضات المكثفة.
ولم يكن قرار الرئيس ترمب من قبيل المفاجأة بحال. حيث وجه ترمب أثناء حملته الانتخابية الرئاسية انتقادات لاذعة ضد ما وصفه بـ«الاتفاقيات التجارية السيئة» أو «غير المنصفة» التي وقعت الولايات المتحدة عليها، زاعما أنها تسببت في فقدان المواطنين الأميركيين للكثير من الوظائف.
وبجرة قلم واحدة، أشار السيد ترمب إلى أنه يخطط لاتخاذ المزيد من المواقف الصارمة إزاء المنافسين الأجانب في جزء من استراتيجية «أميركا أولا» التي يتبناها. ومن واقع ذلك، أكد السيد ترمب على أنه لن يواصل العمل بالقواعد القديمة، وسوف ينأى - وبشكل فعال - عن العقيدة الجمهورية طويلة الأجل والراسخة التي تفيد بأن توسيع التجارة العالمية من المبادئ الجيدة للولايات المتحدة وللعالم أجمع؛ وأنه ينبغي على الولايات المتحدة المساعدة في كتابة قواعد التجارة الدولية من جديد.
* فقدان السمعة الجيدة
وبهذه الخطوة، فإن الولايات المتحدة تبعث بإشارات خاطئة إلى الدول الأعضاء في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي عبر التخلي عن المعاهدة. وبعيدا عن التجارة، أصيب الزعماء في آسيا بالمفاجأة والذهول بعد استثمار الكثير من رأس المال السياسي في هذه الاتفاقية.
يقول ايسوار براساد، أستاذ السياسة التجارية في جامعة كورنيل، من خلال مقال في تقرير إخباري نشرته مجلة «نيوزويك» الأميركية مؤخرا: «هذه الخطوة المفاجئة والمبكرة للغاية من جانب إدارة الرئيس ترمب تضع العالم على أهبة الاستعداد بأن كافة التحالفات التقليدية، الاقتصادية منها والسياسية، للولايات المتحدة الأميركية باتت عرضة لإعادة التقدير وإعادة التفاوض من قبل الإدارة الجديدة. ومن شأن شعور كهذا أن يعود بتأثير سلبي وطويل الأمد على مقدرة الولايات المتحدة على الاحتفاظ بنفوذها وريادتها في الشؤون الاقتصادية والسياسية العالمية حيث ينظر إليها الآخرون باعتبارها شريكا غير جدير بالثقة ولا يمكن الاعتماد عليه».
وفي عهد الرئيس السابق أوباما، استخدمت الولايات المتحدة «المحور» الآسيوي في الدفع ضد المد الصيني، والذي كان يهدد - بمرور الوقت - بأن يحل محل عقود من الهيمنة والنفوذ الأميركي في القارة الكبيرة. ومع الصعود الصيني من حيث النفوذ، تسببت أيضا في توترات كبيرة مع جيرانها عبر التوسعات العسكرية التي اتخذتها، وسلوكها الملاحظ عبر المناطق المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي. وكان العالم ينظر إلى اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي كوسيلة من وسائل تعزيز الترابط ما بين البلدان، بما في ذلك الدول الآسيوية الصغرى في جنوب شرقي آسيا، مع الولايات المتحدة، والتي كانت تقوم مقام المناطق العازلة الافتراضية في مواجهة الصين.
يقول المحلل السياسي راجا موهان المتخصص في السياسات الآسيوية: «أسفر التخلي عن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي من جانب الولايات المتحدة إلى حالة عارمة من عدم اليقين في المنطقة الأكثر حيوية في العالم من حيث النمو الاقتصادي، حيث دخل الحلفاء الإقليميون للولايات المتحدة – ومن أبرزهم اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية – في حالة من عدم اليقين إزاء تغير موازين القوى والنفوذ؛ وما يعنيه ذلك لمستقبل بلدانهم وشعوبهم».
وحتى الآن، وإلى جانب تايوان وفيتنام، كانت اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية – الحلفاء الثلاثة الرئيسيين للولايات المتحدة في المنطقة – قد تمتعوا بالضمانات الأمنية من جانب التواجد العسكري الأميركي، والاطمئنان السياسي من واقع القرار المبكر الذي اتخذته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بتركيز جهود السياسة الخارجية للولايات المتحدة على تلك المنطقة.
* الحلفاء يبحثون البديل
ومع ذلك، تعهدت بعض البلدان مثل أستراليا ونيوزيلندا بإنقاذ اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي بعد انسحاب الولايات المتحدة منها. وتأمل أستراليا، على وجه التحديد، في إنقاذ الاتفاقية من خلال تشجيع الصين وغيرها من البلدان الآسيوية على الانضمام إلى الاتفاقية.
وصرح ستيفن شيوبو وزير التجارة الأسترالي لشبكة «إيه بي سي» الإخبارية الأميركية يقول إنه يمكن للصين وإندونيسيا الانضمام إلى اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي لملء الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة بانسحابها منها. وقال السيد شيوبو للشبكة: «لم تدخل اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي حيز التنفيذ الفعلي حتى الآن، حيث لم تصادق عليها الكثير من الدول المشاركة فيها. ومن شأن الهيكل الأصلي للاتفاقية أن يمكن البلدان الأخرى من الانضمام إليها. وإنني أعلم على وجه التأكيد أن إندونيسيا قد أعربت عن رغبتها في الانضمام، وسوف يكون المجال مفتوحا أيضا أمام الصين إن استطعنا إعادة صياغة النظام الأساسي للاتفاقية».
وقال وزير التجارة النيوزيلندي إن وزراء التجارة في الدول الأعضاء في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي سوف يجتمعون خلال الشهور القليلة المقبلة لبحث السبل المعنية بإنقاذ الاتفاقية التجارية. ووصف رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي الاتفاقية بأنها محرك الإصلاح الاقتصادي، إلى جانب أنها بمثابة الثقل الموازن للصعود الصيني في المنطقة، وهي ليست من الدول الأعضاء في الاتفاقية.
وأعرب رئيس الوزراء النيوزيلندي بيل إنغليش، في أعقاب المحادثة الهاتفية مع الرئيس ترمب، عن مخاوفه من انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي.
وصرح السيد إنغليش لإذاعة راديو نيوزيلندا يقول إن «هناك مخاوف حقيقية من أن الانسحاب من تلك الاتفاقية قد يشير إلى حالة من الانسحابات التالية لبعض من المصالح الأميركية في المنطقة. ونحن لا نريد لذلك أن يحدث».
ويخشى المحللون أنه على الرغم من أن الدول الأعضاء في الاتفاقية قد أعربوا عن التزامهم المتواصل حيال الاتفاقية، ولكن من دون وجود الولايات المتحدة، والتي كانت أكبر اقتصاد بين الدول الأعضاء في الاتفاقية، يخشى البعض من بقاء الاتفاقية على قيد الحياة لفترة طويلة.
* فرصة الصين السانحة
ولكن تأثير قرار الرئيس الأميركي من المرجح أن يمتد لما هو أبعد من التجارة، حيث يفسح المزيد من المجال أمام الصين لفرض نفوذها. ومع الانسحاب الأميركي من الاتفاقية التي تضم 12 من الدول الأعضاء، يقول المحللون إنها ميزة تصب مباشرة في الصالح الصيني.
ووفقا للخبير الاقتصادي دروفا جايشانكار: «يمهد خروج الولايات المتحدة من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي الطريق أمام الصين لفرض الهيمنة والنفوذ الكبيرين على اقتصادات جنوب شرقي آسيا، وحتى خط التماس مع شرقي أفريقيا وربما إلى أجزاء من أوروبا كذلك».
وتسعى الصين في الوقت الراهن وراء تنفيذ مشروع «حزام واحد وطريق واحد» الهادف إلى إعادة بناء طرق التجارة البرية والبحرية القديمة، والتي تربط أكثر من 60 دولة حول العالم بمنطقة الشرق الأوسط في المقام الأول ثم بقارة أوروبا. ومنذ اعتلائه سدة الحكم في بكين، سعى الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى توسيع الروابط التجارية الصينية مع جيرانها، وشرع في تنفيذ مشروعات البنية التحتية الطموحة المصممة والموجهة لإعادة تنشيط طرق التجارة القديمة.
يقول ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، في تغريدة له على موقع «تويتر»: «بصراحة شديدة، إن الصينيين يحتفلون بقرار الانسحاب كثيرا»، مضيفا أن الصين قد تكون من أكبر المستفيدين من خطوة الرئيس ترمب. ومن شأن الانسحاب الأميركي من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي أن يسبب بطئا ملحوظا في النمو الاقتصادي الأميركي، ويكلفه المزيد من فقدان فرص العمل الداخلية، ويضعف من موقف الولايات المتحدة على المسرح العالمي، ولا سيما في آسيا.
ومن المثير للاهتمام، أنه في نفس اليوم الذي وقع فيه الرئيس ترمب على قرار انسحاب حكومته من الاتفاقية، كانت هناك بعض الأخبار السارة الخاصة بالمبادرة الصينية المشار إليها. وهي أخبار تتعلق بمصرف تنمية مشروعات البنية التحتية الآسيوي متعدد الجنسيات، ذلك الذي أسسته بكين في عام 2015 بهدف تمويل مشروعات البنية التحتية في جميع أنحاء آسيا، حيث تلقى البنك الجديد طلبات انضمام من 25 من الأعضاء الجدد المحتملين من أفريقيا، وأوروبا، وجنوب أميركا، إضافة إلى المساهمين في المصرف والبالغ عددهم 57 مساهما حاليا. واتخذت الولايات المتحدة موقفا معاديا ضد تأسيس البنك، حيث اعتبرته تحديا قائما في وجه المؤسسات المالية والمصرفية الحالية، مثل البنك الدولي، ورفضت الانضمام إليه، كما وجهت الحكومة الأميركية الانتقادات إلى الدول الأخرى التي انضمت إلى البنك، بما في ذلك المملكة المتحدة.
ومن المثير للانتباه، تحذير الرئيس السابق أوباما مرارا وتكرارا من أن الفشل في تمرير اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي سوف يجعل بكين تحل محل واشنطن في تحريك قواعد اللعبة في التجارة العالمية.
* الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة
مع سقوط اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، سعت الصين بالفعل إلى الاستفادة من ذلك عبر الدفع في اتجاه استكمال اتفاقية تجارية بديلة، عرفت باسم اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة. وهذه الاتفاقية هي عبارة عن مفاوضات تسعى إلى إنشاء اتفاقية واحدة للتجارة الحرة بين عشر من الدول الآسيوية الأعضاء في رابطة الآسيان، وهي بروناي، وكمبوديا، وإندونيسيا، ولاوس، وماليزيا، وميانمار، والفلبين، وسنغافورة، وتايلاند، وفيتنام... إلى جانب ست دول أخرى تربطها مع دول رابطة الآسيان اتفاقية للتجارة الحرة، وهي أستراليا، والصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، ونيوزيلندا.
ويسعى هذا التكتل الاقتصادي الكبير إلى خلق التكامل الاقتصادي الإقليمي، مما يؤدي إلى إيجاد أكبر كتلة تجارية إقليمية في العالم، تلك التي تشكل 45 في المائة من تعداد سكان العالم، ومع الناتج المحلي الإجمالي الشامل بمقدار 21.3 تريليون دولار. ويهدف هذا التكامل الاقتصادي الإقليمي إلى تغطية التجارة في السلع والخدمات، والاستثمار، والتعاون الاقتصادي والتقني، والمنافسة، والملكية الفكرية.
غير أن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، ذات الرعاية الصينية، هي أضيق طموحا من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، حيث تسعى فقط إلى مجرد تخفيض أو إلغاء التعريفة الجمركية على التجارة مع الصين ودول أخرى غيرها في جنوب شرقي آسيا، مثل أستراليا، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، ونيوزيلندا. وهي لا تهدف إلى ذلك النوع من التكامل العميق الذي تعد به اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، ولكن الصين تفضلها على هذا النحو: إذ أن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة لا تشتمل على أي قدر من الحماية البيئية أو العمالية الذي تعتبره بكين تقييدا في المقام الأول.
كذلك، ووفقا لتقديرات مجلس خبراء الاقتصاد التابع للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، فإن المصادقة على وتمرير اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة من شأنهما أن يؤدي إلى فقدان حصة السوق بين مختلف الصناعات الأميركية والتي تعمل في الوقت الراهن على تصدير أكثر من 5 مليارات دولار من السلع إلى اليابان وحدها.
* موقف الهند
عندما انسحب الرئيس دونالد ترمب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، كان هناك شعور من الارتياح في الهند، حيث كانت هناك قطاعات كبيرة في البلاد، مثل الملابس والأدوية، تستعد لتلقي ضربة جدا موجعة.
وكان سودهير دهينغرا، العضو المنتدب في شركة أورينت كرافت، ومقرها في نيودلهي، وهي من أكبر شركات تصدير الملابس في الهند، يساوره الكثير من القلق بعد الإعلان عن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي.
وكان السبب وراء ذلك أن الاتفاقية كانت سوف تجعل من الصادرات الهندية أقل قدرة على المنافسة مع تخفيض الرسوم الجمركية، وتمنح دولا مثل فيتنام وماليزيا أفضلية الوصول بمنتجاتها إلى الأسواق في الولايات المتحدة واليابان.
ويصف دهينغرا قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من الاتفاقية من الأخبار السارة للغاية.
وقال مسؤول بارز في وزارة التجارة الهندية، وكان يتحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لوسائل الإعلام، إنه ربما تكون الهند هي المستفيد غير المقصود من قرار السيد ترمب، وأضاف المسؤول الهندي يقول: «كانت هناك ضغوط من اليابان وغيرها من الدول الأعضاء المشتركة في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي واتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة لكي تجعل الاتفاقية الأخيرة أكثر طموحا من جانب حقوق الملكية الفكرية والاستثمار، وهو الأمر الذي تعارضه الهند كثيرا. وإننا نأمل لمثل هذه الضغوط أن تهدا الآن»، محذرا من أن الهند تراقب الوضع المتطور عن كثب.
ويقول كافالجيت سينغ، مدير معهد ماديام لأبحاث السياسات ومقره في دلهي: «حتى الآن، ظلت الهند هي الطرف المتلقي لاتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة. ونحن نأمل الآن، أن تكون الدول الأعضاء الأخرى في اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة أكثر قدرة على التكيف إزاء المطالب الهندية بوصول أكبر لأسواق الخدمات للعثور على فرص العمل للعمال المهرة من مواطنيها. وجهود نقل الأحكام الرئيسية من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي إلى اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة قد لا تكلل بالنجاح الآن».
وقال بيسواجيت دهار، أستاذ الاقتصاد في جامعة جواهر لال نهرو، إنه إذا وافقت الصين على قيادة اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، فسوف يكون الموقف أكثر تعقيدا بالنسبة للهند. وأضاف يقول محذرا: «ينبغي علينا الانتظار ومراقبة الأوضاع المتطورة. ولا ينبغي أن نصرف أعيننا عن الأمر تماما».



البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
TT

البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن ما تشهده المنطقة من تحديات متصاعدة لم يعد مجرد ظرف عابر، بل يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة دول المجلس على حماية مكتسباتها، وضمان استمرارية قطاعاتها الحيوية بكفاءة وثبات.

وشدَّد البديوي، خلال الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي، الخميس، على مواصلة دول المجلس بعزم وثبات تعزيز التكامل الاقتصادي، في إطار السعي الحثيث نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية، وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً رائداً في المجالات الاقتصادية والتنموية.

وأوضح الأمين العام أن «الاجتماع ينعقد في مرحلة دقيقة أعقبت الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دول الخليج»، منوهاً بأنها «تفرض الانتقال من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى أعلى من التكامل العملي والاستجابة الفاعلة».

ولفت البديوي إلى أن بناء اقتصاد قوي ومستدام لا يتحقق إلا من خلال التعاون المشترك والتكامل الموحد بين دول الخليج التي تواصل التصدي للتحديات الاقتصادية العالمية، والعمل بكل جدية لتسريع تنفيذ المشاريع التنموية.

من الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأبان الأمين العام أن دول الخليج تسعى بشكل حثيث لتحقيق رؤى وأهداف قادتها في تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بشكل عام، والتجاري بشكل خاص، من خلال تذليل العقبات وزيادة التبادل التجاري بينها، وتعمل على تحسين تدفق السلع والخدمات نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية المنشودة.

وأفاد البديوي بأن الناتج المحلي الإجمالي حقّق بالأسعار الجارية لدول الخليج نحو 2.4 تريليون دولار أميركي في عام 2025؛ ليحتل المرتبة العاشرة عالمياً من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، مضيفاً أن حجم التجارة البينية بينها والمقاسة بلغ بإجمالي الصادرات السلعية البينية في عام 2024 أكثر من 146 مليار دولار، بنسبة نموٍّ سنوي بلغت 9.8 في المائة، و«هو ما يؤكد تنامي قوة التبادل التجاري الخليجي واتساع نطاقه».

من جانب آخر، أكد الأمين العام أهمية العمل لتذليل جميع المعوقات، وتقريب وجهات النظر في الجوانب المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والمملكة المتحدة؛ تمهيداً للتوقيع عليها خلال الفترة القريبة المقبلة، بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة والرؤية الموحدة لنمو اقتصادي مستدام ومزدهر.

جانب من اجتماع وزراء التجارة بدول الخليج وبريطانيا عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأوضح البديوي أن الاجتماع المشترك المهم بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة، عبر الاتصال المرئي، الخميس، «يعكس الالتزام المشترك بتعزيز التعاون الاقتصادي، ويُجسِّد عمق ومتانة العلاقات التاريخية الراسخة التي تربط بين منطقتينا»، مشيراً إلى أن شراكتهما واصلت نموها من حيث القوة والنطاق.

وأشار إلى التقدم الكبير المحرز في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، وقال البديوي إنه يأتي «نتيجةً للتواصل الجاد والبنّاء، ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة»، مضيفاً أن «العمل جارٍ للمضي قدماً نحو اتفاقية تُحقّق المنفعة المتبادلة، وتوفر فرصاً اقتصادية ملموسة تعزز الشراكة الاستراتيجية».

إلى ذلك، أكد الأمين العام أن التعاون الصناعي بين دول الخليج حقق تقدماً ملحوظاً، تمثل في تعزيز التكامل، وتطوير السياسات والاستراتيجيات المشتركة، ودعم سلاسل الإمداد، فضلاً عن توحيد المواصفات القياسية وتشجيع الاستثمارات الصناعية؛ بما يسهم في تنويع الاقتصادات الخليجية ورفع تنافسيتها إقليمياً ودولياً.

عُقِد الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي بدول الخليج عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وقال البديوي، خلال الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي الخليجية، عبر الاتصال المرئي، الخميس، إن «للجنة دوراً محورياً في تعزيز العمل الخليجي المشترك، من خلال تنسيق السياسات الصناعية بين دول المجلس، وتوحيد الجهود بما يدعم تحقيق التكامل الصناعي المنشود».

وأضاف أن اللجنة «تسهم في تعزيز المكانة الدولية للقطاع الصناعي الخليجي عبر قدرته التنافسية، وفتح آفاق أوسع للتعاون والشراكات العالمية؛ بما يعكس الإمكانات المتنامية لدول المجلس، ويعزز حضورها الفاعل في الاقتصاد الصناعي العالمي».

وفي السياق ذاته، أشار الأمين العام إلى ترحيب المجلس الأعلى بدورته السادسة والأربعين، ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بمقترح عقد منتدى ومعرض «صُنع في الخليج»، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؛ بهدف إبراز القدرات الصناعية المتميزة في دول الخليج، وتعزيز التكامل الصناعي.


لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
TT

لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن مجلس الإدارة قرر اليوم الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير. وأوضحت أن البيانات الواردة جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التقييم السابق لتوقعات التضخم، غير أن مخاطر ارتفاع التضخم وتراجع النمو قد تصاعدت. وأكدت التزام البنك بتوجيه السياسة النقدية بما يضمن استقرار التضخم عند هدفه البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط.

وأضافت: «لقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما دفع التضخم إلى الارتفاع وألقى بظلاله على المعنويات الاقتصادية. وتعتمد تداعيات هذه الحرب على التضخم متوسط الأجل والنشاط الاقتصادي على شدة ومدة صدمة أسعار الطاقة وحجم آثارها غير المباشرة والثانوية. وكلما طال أمد الحرب واستمرت أسعار الطاقة مرتفعة، ازداد التأثير المحتمل على التضخم الأوسع والاقتصاد ككل».

وتابعت: «نحن في موقع جيد لإدارة حالة عدم اليقين الحالية. فقد دخلت منطقة اليورو هذه المرحلة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وهي قريبة من هدفنا البالغ 2 في المائة، كما أظهر الاقتصاد مرونة خلال الفصول الأخيرة. ولا تزال توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة نسبياً، رغم أن التوقعات قصيرة الأجل ارتفعت بشكل ملحوظ».

وقالت لاغارد: «سنواصل متابعة الوضع من كثب، وسنتبع نهجاً يعتمد على البيانات ومن اجتماع لآخر لتحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية. وستستند قرارات أسعار الفائدة إلى تقييمنا لتوقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، في ضوء البيانات الاقتصادية والمالية الواردة، إضافة إلى ديناميكيات التضخم الأساسي وقوة انتقال السياسة النقدية. ونحن لا نلتزم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة».

النشاط الاقتصادي

أظهر اقتصاد منطقة اليورو بعض الزخم قبل الاضطرابات الحالية، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.1 في المائة في الربع الأول من 2026، مدعوماً بالطلب المحلي ومرونة سوق العمل، وفق تقديرات «يوروستات». إلا أن التوقعات لا تزال شديدة عدم اليقين، وترتبط أساساً بمدة الحرب في الشرق الأوسط، وتأثيرها على الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتشير البيانات إلى أن الصراع بدأ يضغط على النشاط الاقتصادي، مع تباطؤ النمو وتراجع ثقة المستهلكين والشركات، وظهور ضغوط على سلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تستمر تكاليف الطاقة المرتفعة في الضغط على الدخل والاستهلاك والاستثمار، رغم بقاء البطالة منخفضة نسبياً ودعم بعض القطاعات عبر الإنفاق العام والاستثمار.

وفي هذا السياق، شددت لاغارد على ضرورة تعزيز اقتصاد منطقة اليورو مع الحفاظ على متانة المالية العامة، مؤكدة أن الاستجابات لصدمات الطاقة يجب أن تكون مؤقتة ومحددة الهدف.

التضخم

ارتفع التضخم إلى 3 في المائة في أبريل (نيسان) مقابل 2.6 في المائة في مارس (آذار) و1.9 في المائة في فبراير (شباط)، مدفوعاً أساساً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، حيث قفز تضخم الطاقة إلى 10.9 في المائة. في المقابل، تراجع التضخم الأساسي قليلاً إلى 2.2 في المائة، مع استقرار نسبي في المؤشرات الأساسية وتوقعات بتراجع ضغوط الأجور خلال 2026، بينما تبقى التوقعات طويلة الأجل قريبة من هدف 2 في المائة. ومن المتوقع أن تُبقي أسعار الطاقة التضخم مرتفعاً في المدى القريب، مع ازدياد مخاطر انتقال آثارها إلى الأسعار والأجور إذا استمر ارتفاعها.

تقييم المخاطر

قالت لاغارد إن مخاطر النمو تميل إلى الجانب السلبي، في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما تسببه من ضغوط إضافية على الاقتصاد العالمي، إلى جانب حالة عدم الاستقرار في البيئة الاقتصادية الدولية. كما أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، مع احتمال تفاقم هذه الضغوط في حال إغلاق طرق شحن رئيسية أو تدهور الأسواق المالية أو تصاعد التوترات التجارية والأزمات الجيوسياسية، ولا سيما الحرب في أوكرانيا.


ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الرئيسي في الولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) الماضي، إلى أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع حادّ في أسعار البنزين، في إشارة جديدة إلى أن الحرب الإيرانية بدأت تضغط على تكلفة المعيشة، وتؤخر أي توجه نحو خفض أسعار الفائدة من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وأفادت وزارة التجارة، يوم الخميس، بأن مؤشر الأسعار الذي يراقبه «الاحتياطي الفيدرالي» ارتفع بنسبة 0.7 في المائة خلال مارس، مقارنة بشهر فبراير (شباط)، مسجلاً تسارعاً ملحوظاً عن الشهر السابق. وعلى أساس سنوي، صعدت الأسعار بنسبة 3.5 في المائة، وهي أكبر زيادة منذ قرابة ثلاث سنوات، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

أما التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، فقد ارتفع بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، وبنسبة 3.2 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً قراءة فبراير البالغة 3 في المائة.

ويعكس هذا التسارع ابتعاد التضخم مجدداً عن هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، ما يدعم توجه البنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بعد سلسلة تخفيضات العام الماضي، في ظل استخدام السياسة النقدية لمواجهة ضغوط الأسعار.

وأظهر التقرير أن أسعار البنزين قفزت بنحو 21 في المائة، خلال مارس، مقارنة بالشهر السابق، وهو ما شكّل المحرك الأساسي لارتفاع التضخم.

ورغم ذلك، يُولي «الاحتياطي الفيدرالي» اهتماماً أكبر بمؤشرات التضخم الأساسي، إذ يُعد مدى انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى باقي مكونات الأسعار عاملاً حاسماً في تحديد مسار السياسة النقدية المقبلة.

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، في مؤتمر صحافي: «ندرك تماماً أن ارتفاع أسعار البنزين يضغط على المستهلكين في مختلف أنحاء البلاد، وهذا يؤثر عليهم سلباً».

في السياق نفسه، أظهر التقرير ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.9 في المائة خلال مارس، مدفوعاً جزئياً بارتفاع الأسعار، لكنه أشار أيضاً إلى زيادة في الإنفاق الحقيقي بعد احتساب التضخم، ما يعكس استمرار مرونة المستهلك الأميركي، رغم الضغوط المتزايدة.