تركيا تقبل ببقاء الأسد

«داعش» ينتهك آثار تدمر مجدًدا ويدمّر التترابيلون الأثري

محمد شيمشك نائب رئيس وزراء تركيا (إ.ب)
محمد شيمشك نائب رئيس وزراء تركيا (إ.ب)
TT

تركيا تقبل ببقاء الأسد

محمد شيمشك نائب رئيس وزراء تركيا (إ.ب)
محمد شيمشك نائب رئيس وزراء تركيا (إ.ب)

قال محمد شيمشك نائب رئيس وزراء تركيا اليوم (الجمعة)، إنّه لم يعد بوسع أنقرة أن تصر على تسوية الصراع في سوريا من دون مشاركة رئيس النظام بشار الاسد، إذ أنّ الحقائق على الارض تغيّرت كثيرًا. وأضاف في جلسة عن سوريا والعراق بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، «فيما يتعلق بموقفنا من الاسد.. نعتقد أنّ معاناة الشعب السوري والمآسي يقع اللوم بكل وضوح على الاسد بشكل مباشر. لكن علينا أن نتحلى بالبرغماتية والواقعية»، وتابع أنّ «الحقائق على الارض تغيرت كثيرًا وبالتالي لم يعد بوسع تركيا أن تصر على تسوية من دون الاسد. غير واقعي».
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، قد نشرت منذ أيام، تقريرًا على موقعها الإلكتروني، تحدّث عن أنّ «تعميق العلاقات بين روسيا وتركيا يهدد بتهميش الولايات المتحدة في الصراع لرسم ملامح مصير سوريا النهائي». وأضافت، أن «موسكو استغلت الفرصة لإنشاء علاقة عسكرية مع تركيا، العضو بحلف شمال الأطلسي (ناتو)، في الوقت الذي تسعى واشنطن لمواصلة التركيز على استعادة مدينة الرقة التي يتخذها تنظيم داعش عاصمة له في سوريا».
واعتبرت الصحيفة أنّ القصف الروسي نقطة تحوّل جديرة بالملاحظة منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، عندما أسقطت مقاتلة تركية من طراز إف -16 قاذفة روسية من طراز سو -24 لدى انتهاكها المجال الجوي التركي. واستطردت أن موسكو أنقرة انخرطتا فعليًا بجهد مشترك للتوصل إلى هدنة لوقف إطلاق النار في سوريا من دون مشاركة واشنطن، في الوقت الذي يتنامى توتر العلاقات بين واشنطن وأنقرة في ظل مخاوف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، المتزايدة حيال تحالف الولايات المتحدة مع القوات الكردية المعروفة باسم وحدات حماية الشعب لمكافحة داعش في سوريا.
ونقلت «نيويورك تايمز» عن بعض المحللين السياسيين قولهم: إنّ «روسيا على ما يبدو توصلت لحل توفيقي يتحرك بموجبه الأتراك صوب إقامة منطقة آمنة شمالي سوريا لمنع أكراد سوريا من تأسيس منطقة حكم ذاتي، مقابل أن يوقف الأتراك جهودهم الرامية للإطاحة بالرئيس السوري، بشار الأسد، الذي يعزز بمساعدة الروس قبضته على مدن سوريا الرئيسية نحو الجنوب».
من جهة اخرى، نقلت وكالات أنباء روسية عن وزير الخارجية سيرغي لافروف قوله اليوم، إنّ روسيا لاحظت مؤشرات إيجابية فيما يخص عملية السلام في سوريا وتعتبر اجتماعًا في عاصمة كازاخستان الأسبوع المقبل خطوة مهمة نحو وضع إطار عمل للمحادثات التي تجرى في جنيف.
ونسبت وكالة الإعلام الروسية إلى لافروف قوله أيضا، إنّ موسكو مستعدة للقيام بدورها لإجراء حوار بناء مع الولايات المتحدة.
وفي الداخل السوري، يستمر تنظيم داعش الإرهابي في تدمير آثار تاريخية جديدة مدرجة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي للبشرية في مدينة تدمر بشرق سوريا، وذلك بعد أكثر من شهر على استيلائه مجددًا عليها.
وقال مدير عام الآثار والمتاحف السورية مأمون عبد الكريم اليوم، لوكالة الصحافة الفرنسية، «دمر تنظيم داعش، كما تلقينا من أخبار منذ 10 أيام التترابيلون الأثري، وهو عبارة عن 16 عمودًا». وأضاف: «كما أظهرت صور أقمار اصطناعية، حصلنا عليها أمس، من جامعة بوسطن، أضرارا لحقت بواجهة المسرح الروماني». موضحًا أنّ «التترابيلون عبارة عن 16 عمودًا أثريًا بينها واحد أصلي و15 أعيد بناؤها وتتضمن أجزاء من الأعمدة الأصلية».
واستعاد التنظيم السيطرة مجدّدًا على المدينة الأثرية في 11 ديسمبر (كانون الأول)، بعد أكثر من ستة أشهر من سيطرة القوات السورية عليها وطرد المتطرفين منها.
وكان «داعش» قد استولى على مدينة تدمر في مايو (أيار) عام 2015، وارتكب طوال فترة سيطرته عليها أعمالا وحشية، بينها قطع رأس مدير الآثار في المدينة خالد الأسعد (82 سنة) وعملية إعدام جماعية لـ25 جنديا سوريا على المسرح الروماني. كما دمر آثارا عدة بينها معبدا بعل شمسين وبل وقوس النصر وأخرى في متحف المدينة.
ويعود تاريخ مدينة تدمر المعروفة بـ«لؤلؤة الصحراء» إلى أكثر من ألفي سنة وهي مدرجة على قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة للتراث العالمي للبشرية.
وتشتهر تدمر التي تقع في قلب بادية الشام وتلقب أيضًا بـ«عروس البادية» بأعمدتها الرومانية ومعابدها ومدافنها الملكية التي تشهد على عظمة تاريخها.
وأعرب عبد الكريم عن خوفه من المستقبل طالما بقي التنظيم المتطرف في المدينة. وصرح: «قلنا منذ اليوم الأول إن هناك سيناريو مرعبا ينتظرنا»، مضيفا: «عشنا الرعب في المرحلة الأولى، ولم أتوقع أن تُحتل المدينة مرة ثانية». وأضاف: «معركة تدمر ثقافية وليست سياسية (...)، لا أفهم كيف قبل المجتمع الدولي والأطراف المعنية بالأزمة السورية أن تسقط تدمر».
وقبل سقوط تدمر في يد التنظيم المرة الأولى، عمدت مديرية الآثار إلى نقل الكثير من الآثار من متحف المدينة إلى العاصمة دمشق. وأكّد عبد الكريم: «الجزء الأكبر من الآثار المتضررة أو غير المتضررة نُقلت إلى دمشق».
ومنذ سيطرة المتطرفين مجددًا على تدمر، تدور اشتباكات على جبهات عدة قرب المدينة. وقد قتل الخميس 12 عنصرًا من قوات النظام و18 عنصرًا من «داعش» خلال معارك قرب مطار التيفور الذي يقع على الطريق الذي يصل بين حمص وتدمر.
ويسري في سوريا منذ 30 ديسمبر (كانون الأول) اتفاق لوقف إطلاق النار يشهد خروقات عدة ويستثني بشكل رئيسي المجموعات المصنفة «إرهابية»، وعلى رأسها «داعش». وتقول موسكو ودمشق إنه يستثني أيضا جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقًا)، الأمر الذي تنفيه الفصائل المعارضة.
وقتل أكثر من 40 عنصرًا من جبهة فتح الشام ليل الخميس، في غارات جوية لم يعرف ما إذا كانت روسية أو تابعة للتحالف الدولي، استهدفت معسكرًا للجبهة في ريف حلب الغربي، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وارتفعت بذلك حصيلة قتلى جبهة فتح الشام جراء القصف الجوي خلال الشهر الحالي إلى نحو مائة عنصر، بينهم قياديون، وفق المرصد السوري.
وتعرضت جبهة فتح الشام خلال الشهر الحالي لغارات عدة روسية وسوريا وأخرى للتحالف الدولي بقيادة واشنطن استهدفت مقار لها في محافظة إدلب.
وأعلنت واشنطن أمس، عن مقتل القيادي في جبهة فتح الشام محمد حبيب بوسعدون في غارة على إدلب قبل ثلاثة أيام.
وجاء اتفاق وقف إطلاق النار تمهيدا لمحادثات بين النظام السوري والفصائل المعارضة الأسبوع المقبل في آستانة، برعاية كل من روسيا وإيران، داعمتي نظام دمشق الأساسيتين، وتركيا التي تدعم المعارضة السورية.



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.