كل المجالات المعرفية تجد أصلها في الفنون

الحلول التي قدمها علماء الغرب للمشكلات المجتمعية تكتسي طابعًا ثقافيًا ضيقًا

فيرابند
فيرابند
TT

كل المجالات المعرفية تجد أصلها في الفنون

فيرابند
فيرابند

لا يتبلور العلم في الفراغ، بل في محيط ثقافي وتاريخي. إنه ككل فعل وخطاب، ينجز في سياق معرفي، بفضل الفعل التعقلي في تفاعله مع الوقائع التجريبية. إن أي عرض حول طبيعة العلم وموقعه ومناهجه، يريد أن يكون «كاملا»، لا بد له ألا يغفل هذا التحليل الفريد والمتميز... إنها «الفوضوية الإبستيمولوجية»، التي تبناها الإبستيمولوجي النمساوي بول فيرابند، وما عناوين مؤلفاته إلا دليل على كونه «ظاهرة» فريدة ومعبرة عن بعض جوانب الرفض للفكر العلمي، ومآلاته في المشروع الحداثي الغربي، الذي يعتبر العلم ركنه الأساسي؛ فعناوين مؤلفاته مثلا: «ضد المنهج»، «وداعا للعقل»، «قتل الوقت»، «العلم كفن»، «كيف ندافع عن المجتمع ضد العلم»، «استبداد العلم»... عبارة عن دليل على أن هناك أزمة في الفكر الإبستيمولوجي الغربي، ومساءلة نقدية لأطروحاته ولمفاهيمه ولمناهجه ولقضاياه، إلا أن مواقف فيرابند تتميز بالطرافة والإثارة، إلى درجة أنه يصدم القارئ بالحلول التي يقدمها والبدائل التي يطرحها. إننا أمام تجل من تجليات النقد الإبستيمولوجي المعاصر، الذي يصدع الثوابت الإبستيمولوجية إلى درجة نقضها.
إن العلم في نظر فيرابند عمل فوضوي، لا يتميز عن باقي أشكال المعرفة الأخرى ولا يتفوق عليها، فهو حقل كباقي الحقول المعرفية، إلى جانب الأسطورة والسحر والدين... فليس له منهج خاص به يميزه عن أي نشاط فكري آخر، يجعله يستحق درجة أرقى مقارنة بالأنشطة الأخرى. يقول فيرابند: «العلم لا يختار بسبب تميز معين مثبت بواسطة الدليل، بل لأن كل الناس شغفوا به، نتيجة للدعاية الإعلامية والضغوط السياسية والمؤسسية، وحتى العسكرية»، بهذا المعنى، يكشف فيرابند، عن العلاقة المثبتة بين العلم والسلطة، ويشجب التحالف غير «المقدس بين العلم والعقلانية والرأسمالية»، باعتبارها مقومات الحداثة الغربية والمجتمع الليبرالي؛ فهذا الارتباط المفصلي بين العلم والدولة، جعل فيرابند يقول: «لقد تم اليوم الفصل بين العلم والكنيسة بصورة صارمة، لكن العلم والدولة ما يزالان يعملان مشتركين». إن النظريات العلمية طرق في النظر إلى العالم، والأخذ بها يؤثر على عموم اعتقاداتنا وتفسيراتنا، ومن ثم على خبراتنا ومفهومنا عن الواقع؛ بمعنى أن العلم أصبح يتحكم في أدق تفاصيل الحياة الشخصية للأفراد، ويحكم سيطرته عليهم باسم الحقيقة والموضوعية، بعد أن كان في القرنين السابع عشر والثامن عشر قوة تحررية. في نظر فيرابند، لا يختلف العلم عن أي نسيج ديني أو فلسفي. فهو آيديولوجيا كباقي الآيديولوجيات الأخرى، وسيف ذو حدين يمكنه أن يكون أداة للتحرر والتنوير، كما يمكنه أن يكون أداة للخراب والتدمير. فليس العلم شرط الحرية ولا خلفية ضرورية للتربية؛ إذ يمكن أن يكون أداة للغش والتزوير والكذب كذلك. ولتجاوز الصورة القاتمة التي يقدمها عن العلم والعلماء، اقترح فيرابند وصفته السحرية، التي تقتضي إخضاع العلم للرقابة الشعبية وللمؤسسات الديمقراطية، مثل ما يحدث في باقي المجالات الاقتصادية والعسكرية والدينية. يقول فيرابند: «هذا واحد من الأسباب التي جعلتني أقترح، أن نأخذ المسائل الأساسية والمسائل الإبستيمولوجية ومسائل المنهج من ضمنها، من أيدي الخبراء (أطباء وفلاسفة العلم وغيرهم) وإعادتها إلى المواطنين لحلها... سيلعب الخبراء دورا استشاريا. سيستشارون، لكن لن تكون لهم الكلمة النهائية، مبادرات المواطنين بدل الإبستيمولوجيا، هذا هو شعاري».
في إطار نقده للعلم، وتسويته بين كل القطاعات المعرفية، من دين وفن وعلم وفلسفة وأسطورة... حاول فيرابند أن يكشف عن العلاقة بين العلم والفن، واعتبر أنه لا توجد «أنشطة علمية خالصة»، ولا «أنشطة فنية خالصة»؛ فهناك ارتباط وتداخل بين النشاطين. ففي العلم، يحضر الفن، خصوصا في حالات الإبداع، إلى درجة أنه يعتبر أن كل المجالات المعرفية تجد أصولها في الفنون؛ لهذا فالتماثلات بين الفن والعلم، تظهر في كونهما لا يملكان حدودا ثابتة تمكننا من رسم خط فاصل نهائيا، لكي يجري تجاوز مرحلة الآراء البسيطة. فلا العلم ولا الفن قادران على القول الفصل بطريقة قطعية، أين تؤدي بنا فكرة ما أو منهجا محددا. إن الارتباط الحميمي بين العلم والفن، جعل فيرابند يعتبر «العلم فنا» و«الفن علما»، ويقدم مثال «الرسم» باعتباره علما مندمجا بشكل كلي وكامل، في الوحدة المكونة بواسطة العلوم الأخرى.
يثير فيرابند قضية أساسية تتعلق بالتفاعل والتداخل، بين مجالات المعرفة الإنسانية ومختلف الأنشطة المنتجة لها؛ فكل من العلم والفن يستعملان أدوات مفهومية، ويؤسسان أنساقا استدلالية بدرجات تتفاوت في القوة والوضوح والدقة، لكن فيرابند يصر على أن يطابق بينهما، متجاهلا خصوصياتهما في بناء تعقلهما.
إن الملاحظات التي يقدمها فيرابند، تثير كثيرا من التساؤلات، خصوصا حينما يرى فيها إنجازات واضعي الأسطورة في العصور الماضية، أفضل من إنجازات العلماء في العصور. وأن مخترعي الأسطورة الأوائل، بدأوا الحضارة بينما اكتفى العلماء بتغييرها. فالأساطير لها تأثير عميق على المجتمعات القديمة، حيث كانت تحمل تصورا عن الإنسان والعالم، وعن مختلف العلاقات التي كان يؤسسها، بينما العقلانية الحداثية رسخت فكرة «دونية الأسطورة»، وحملت معرفة أكثر تجريدا وأكثر انعزالا وأكثر ضيقا بكثير، ويدعو إلى تبنيها في المدارس من خلال برمجتها في الكتب المدرسية، إلى جانب الفيزياء والكيمياء وغيرهما.
إن «الإبستيمولوجيا الفوضوية توجهها فلسفة محددة وتعرف بـ(النسبانية)، أي نسبة المعرفة إلى ظروف نشأتها وتطورها وسياقاتها». لقد ثار فيرابند ضد ما يسميه العقلانية الغربية، ضد العلوم وأخلاقها، إلى درجة أنه تبنى موقفا خطيرا وآيديولوجيا نسبانية، انطلاقا منها يمكن أن نثبت «كل شيء ولا شيء». إن نسبانية فيرابند، تنكر موضوعية بعض القيم الأخلاقية، باسم التنوع والتعدد، في حين أن التنوع لا يمكن أن يكون دليلا ضد الموضوعية، ولصالح النسبانية. يمكن القول إن نسبية العلم وكذلك إطلاقيته، تؤدي إلى تصور ذاتي للقيم الأخلاقية. ويرفض فيرابند كون العلم والنسبانية يخضعان لشروط يمكن صياغتها في غياب السياقات الثقافية والرغبات الشخصية، ويقر بأن الحلول التي قدمها علماء الغرب للمشكلات المجتمعية، تكتسي طابعا ثقافيا ضيقا، وتعتبر إمكانا من بين إمكانات أخرى ولا داع لجعلها ذات شرعية شمولية. إن تنوع الآراء في نظره، سمة ضرورية للمعرفة الموضوعية، والمنهج الذي يشجع التنوع، هو كذلك المنهج الوحيد الذي يساير النظرة الإنسانية.
بشكل عام، إن المنطلق الأساسي لنسبانية فيرابند، يتمثل في تقدير جميع الثقافات وجميع التقاليد المعرفية، يقول: «يجب على المجتمعات الديمقراطية أن تعطي لكل التقاليد حقوقا متساوية، وليس فقط حظوظا متساوية». إن محاولة فيرابند التأصيل لمفهوم النسبانية، جعله يقدم، في كتابه «وداعا للعقل»، كثيرا من الملاحظات التي تعبر، بالفعل، عن غموضه، الشيء الذي جعله يثيره في كثير من المؤلفات اللاحقة. إلا أن تأويلين أساسيين لنسبانيته، يمكن استنتاجهما من خلال نصوصه وهما:
- لا شيء مطلق، وكل شيء صادق وحقيقي، وإن كل حكم أخلاقي أو سياسي أو اجتماعي أو معرفي، يتوقف على الثقافة التي يوجد فيها ويتحدد بها. وهكذا تكون كل الثقافات مطلقة، وهذا النوع من النسبانية يرفضه فيرابند، ليس بسبب عدم انسجامه، ولكن للخطر الذي يمثله، وينتج عنه بلقنة النوع الإنساني، وقبول باسم احترام الثقافات، كل شيء وأي شيء، بدعوى أنها ثقافتهم وليس لدينا ما نقوله أو نفعله. وهذا النوع من النسبانية المطلقة، يتعارض مع الموضوعاتية المطلقة، التي ترى أن هناك وجهة نظر واحدة ممكنة للأشياء والموضوعات، وأن كل مشكلة يمكن حلها بشكل بسيط، من خلال معادلات رياضية محددة بشكل دقيق. إذن، إن الذي لا يرى العالم من خلال هذه الرؤية فهو خاطئ ومن الواجب عليه أن يعتنقها من خلال الوصول إلى الحقيقة.
- الأخذ بعين الاعتبار غنى العالم وتعقده، وعدم اختزاله لا في المعنى الأول للنسبانية، ولا في الموضوعاتية المطلقة، بل في كونه يزخر بخصوصية تفتح له دروب وإمكانيات المعرفة الجديدة والمتنوعة. فقد تطورت تقاليد ثقافية منذ أزمنة قديمة، في بناء ما يسمى الحضارة المعاصرة، نتاجا للتفاعل المتعدد الأبعاد. وبالتالي، لا يمكن الحكم على سمات جوهرية ثابتة، عرقلت وتعرقل نمو المعارف وتطور الثقافات... إن غموض مفهوم النسبانية عند فيرابند، يجعله عرضة لتأويلات كثيرة ومتضاربة، تجمع بين مفهوم النسبانية بوصفه موقفا للامبالاة وتعليق الحكم، وتساوي الأفكار وغياب النقد، وبين النسبية بوصفها خاصية مكونة للفكر العلمي المعاصر، تنتج من خلال دينامية النقد والمقارنة بين التقاليد الثقافية، باعتبار النقد يعمل على غربلة الأفكار ومدى تأثيرها أو محدوديتها في تطوير الأنساق الثقافية.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».