شركات وبنوك عالمية تبدي استعدادها للاستثمار في السودان

حالة استنفار في الخرطوم بعد رفع الحظر الأميركي

شركات وبنوك عالمية تبدي استعدادها للاستثمار في السودان
TT

شركات وبنوك عالمية تبدي استعدادها للاستثمار في السودان

شركات وبنوك عالمية تبدي استعدادها للاستثمار في السودان

تشهد أروقة الأجهزة الحكومية السودانية والقطاع الخاص منذ الجمعة الماضية، حالة استنفار قصوى، لمرحلة ما بعد سريان فك الحظر الأميركي التي بدأت أمس، حيث أعلن ستيفن كوتيسي، القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة في الخرطوم، تنفيذ قرار رفع العقوبات ابتداء من أمس الثلاثاء.
وفور إعلان فك الحظر الأميركي المستمر منذ 20 عامًا، الذي أحدث تشوهات كبيرة في اقتصاد السودان حكومة وشعبًا، نظرًا لطول فترة الحظر، إذ إن عشرين عاما، فترة كافية لحدوث زيادات متكررة في المعاناة وتدهور اقتصاد البلاد، الذي عرقلها عن التنمية والإنتاج والاستثمار والإصلاح ومواكبة تطورات العالم من حوله، وهو البلد العربي الأفريقي الوحيد الذي يحتل موقعا استراتيجيا مهما وغنيا بموارد هائلة تمكنه من الولوج إلى العالمية.
وفور إعلان الحظر سادت حالة استنفارية في جميع قطاعات الدولة، متزامنة مع حركة دولية من قبل شركات أميركية وأوروبية وخليجية، أجرت اتصالات بمسؤولين ووزراء ورجال أعمال سودانيين أمس وأول من أمس، لإعادة طرح مشروعاتهم التي عرضوها قبل سنين، ورغبتهم في العودة والدخول للسودان، بعد سريان فك الحظر أمس.
كما يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة حراكا اقتصاديا مصرفيا لفتح عدد من فروع المصارف الأجنبية بالبلاد، وبخاصة التي أغلقت فروعها بسبب الحظر الاقتصادي.
وأبلغ مسؤول الإعلام في بنك السودان المركزي لـ«الشرق الأوسط»، أن «البنك منذ صدور قرار رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان، توالت عليه اتصالات وبرقيات التهاني من مراسلي البنوك الخارجية والمراسلين الخارجيين، يبدون سعادتهم بهذه القرارات، وجاهزيتهم لمباشرة كل المعاملات المصرفية التي ستنعكس إيجابًا على زيادة حركة التجارة والنقل، وانسياب تحويلات السودانيين العاملين بالخارج عن طريق الجهاز المصرفي».
كما تزامنت الحالة الاستنفارية، التي شملت اجتماعات وتكوين لجان في معظم الوزارات لإعادة ترتيب البيت من الداخل، مع إعلان مستثمرين من السعودية والعراق والكويت، رغبتهم في مشاريع زراعية ونفطية، وزار منهم ميدانيا أمس مناطق زراعية في القضارف بشرق البلاد ونهر النيل بالولاية الشمالية، وفي الإطار ذاته شهدت الخرطوم أمس توقيع اتفاقية تجارية كبري بين السودان وبيلاروسيا التي يزور رئيسها حاليًا الخرطوم بصحبة 50 من المستثمرين ورجال الأعمال البيلاروسيين، تشمل قطاعات النفط والغاز.
أصحاب العمل والمصارف
تلقى رئيس اتحاد أصحاب العمل السوداني، الدكتور سعود البرير، اتصالات، أمس وأول من أمس، من بنوك عالمية وشركات ورجال مال وأعمال. وقال البرير، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك شركات مصدقا لها وتم إبرام عقود معها خلال السنين الماضية في عدد من الدول الغربية على رأسها شركات أميركية، لكنها كانت تنتظر هذا الإعلان، وبنوكا عالمية أيضًا كانت تنتظر القرار، وبخاصة أن بعض البنوك لديها تجارب بتجاوز الحظر، فتعرضت لعقوبات وصلت في بعضها لمليارات الدولارات، كما طالت العقوبات الإدارات التنفيذية في تلك البنوك.
وشكل اتحاد أصحاب العمل، أول من أمس، غرفة عمليات ولجنة عليا مشتركة مع اتحاد المصارف السودانية، لوضع خطة عمل ورؤية متكاملة للتحرك خلال المرحلة المقبلة، وذلك لضمان تسريع إنفاذ القرار على أرض الواقع وتعظيم الاستفادة المثلى من القرار، معتبرين القرار تحولا كبيرا في مسار الاقتصاد السوداني وأداء القطاع الخاص والمصارف، لأنه سيسهم في رفع المعاناة التي واجهت الشعب السوداني خلال الفترة السابقة.
ودعا الاتحاد كل الجهات في الدولة للعمل الجاد والعاجل لتحقيق الاستفادة القصوى من القرار، بتحسين بيئة ومناخ الاستثمار وحفز وتشجيع القطاع الخاص ليؤسس مصالح مشتركة مع الجانب الأميركي، كما حث أجهزة الدولة على إعادة العلاقات والمعاملات الخارجية السابقة مع المصارف والشركات الأميركية والمصارف العالمية الأخرى، إلى طبيعتها.
خريطة طريق وسياسات مشتركة
في حين رحب الأمين العام لاتحاد أصحاب المصارف السوداني، مساعد محمد أحمد، بالقرار، قائلاً: «(القرار) سيكون له مردود اقتصادي كبير علي الاقتصاد القومي، الذي ينعكس بدوره على معاش الناس، الشيء الذي عانى منه الشعب السوداني كثيرا»، وأضاف أن أكبر إيجابيات القرار إعادة التعاملات والتحويلات المصرفية والنقدية للمصارف السودانية مع نظائرها الأجنبية، والمساعدة في تقديم أفضل الخدمات والتحويلات المصرفية لعملائها داخل وخارج السودان، خصوصا في مجال التجارة الخارجية والصادرات والواردات وخفض تكلفة التعاملات والتحويلات المالية. وكشف عن اجتماعات مشتركة منذ إعلان فك الحظر بين اتحاد المصارف واتحاد أصحاب العمل السوداني والبنك المركزي منذ مساء أمس، بعد صدور القرار، وذلك للتنسيق والتعاون لوضع خريطة طريق وسياسات مشتركة تصب في مصلحة الاقتصاد السوداني.
وتوقع خبير زيادة الاستثمارات الزراعية في السودان عقب رفع الحظر في الفترة المقبلة، مبينًا أن الاستثمارات العربية ستتدفق على السودان وأن الأمر سينعكس على توطين التكنولوجيا والتقنيات الحديثة المستخدمة في الزراعة ورفع القيود المصرفية عن التمويل، مشيرًا إلى أن الوزارة أعدت ملفا متكاملا للمشروعات الزراعية يحمل تفاصيل.
وأوضح أن الاتفاقية الإطارية التي وقعت مع المملكة العربية السعودية بتخصيص مليون فدان لفترة 99 عاما تمتد من سهل البطانة إلى نهر النيل، وقد أبدت دول مثل الجزائر وتونس ومصر وسوريا الدخول فيها. كما دعا وزير الزراعة بولاية الخرطوم المنظمات العالمية للاستفادة من هذا القرار بتقديم الدعم الفني واللوجيستي الذي يساعد على تحقيق الأمن الغذائي العالمي، مؤكدا جاهزية ولاية الخرطوم في تأمين الغذاء الصحي لسكانها الذين يصل عددهم إلى 10 ملايين نسمة.
وقال وزير الاستثمار السوداني، مدثر عبد الغني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، عقب لقائه رجل الأعمال العراقي، جابر بن سعيد، إن قرار رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية يتيح مرونة كبيرة في التعاملات المصرفية، ويشجع المستثمرين على تنفيذ مشروعاتهم، مستعرضا الامتيازات التي يمنحها قانون الاستثمار والإعفاءات الجمركية والضريبية، إلا أنه رهن استمرار منح المشروع والامتيازات المتعلقة به بالجدية في التنفيذ وفق الخطوات المتفق عليها.
من جهته، أبدى رجل الأعمال العراقي رغبة مجموعته في الاستثمار في السودان بمجالات تصنيع الآليات والمعدات الزراعية والبنى التحتية، مشيرًا إلى أن المجموعة لها أعمال استثمارية في مجال تصنيع السيارات والآليات الزراعية، وتعمل على فتح مجالات لها في السودان، مبديا استعداد المجموعة لعقد شراكات إنتاجية استثمارية مع القطاعات المنتجة تقوم على توفير مدخلات الإنتاج والآليات الزراعية كافة، إلى جانب مشروعات البنى التحتية.
أما وزير المعادن السوداني، أحمد محمد الصادق الكاروري، استبشر بالقرار من ناحية التمويل وآليات الحفر، والتحويلات المصرفية واستجلاب المعامل الحديثة، وأشار الوزير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى تلقيه اتصالات منذ أول من أمس من عدد من الشركات الغربية والمستثمرين، كانوا يربطون حضورهم إلى السودان بالحظر الأميركي، كاشفًا عن استقباله أول من أمس مستثمرًا خليجيا كبيرًا، لبدء العمل مع شركة أرياب السودانية في قطاع المعادن.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.