برنامج سعودي للطاقة المتجددة باستثمارات تصل إلى 50 مليار دولار

«أسبوع أبوظبي للاستدامة» يكشف عن تحولات سريعة في تقنيات الإنتاج الجديدة

تكلفة الطاقة الشمسية قد انخفضت إلى أكثر من النصف وتشهد تناقصا مستمرا بمعدلات غير مسبوقة ({الشرق الأوسط})
تكلفة الطاقة الشمسية قد انخفضت إلى أكثر من النصف وتشهد تناقصا مستمرا بمعدلات غير مسبوقة ({الشرق الأوسط})
TT

برنامج سعودي للطاقة المتجددة باستثمارات تصل إلى 50 مليار دولار

تكلفة الطاقة الشمسية قد انخفضت إلى أكثر من النصف وتشهد تناقصا مستمرا بمعدلات غير مسبوقة ({الشرق الأوسط})
تكلفة الطاقة الشمسية قد انخفضت إلى أكثر من النصف وتشهد تناقصا مستمرا بمعدلات غير مسبوقة ({الشرق الأوسط})

كشف المهندس خالد الفالح، وزير الطاقة السعودي، أمس، أن السعودية ستطلق في الأسابيع المقبلة برنامجا للطاقة المتجددة يتوقع أن يتضمن استثمارات تصل قيمتها إلى ما بين 30 و50 مليار دولار بحلول 2023، مشيرًا إلى أن المملكة ستبدأ في الأسابيع المقبلة أول جولة عطاءات لمشروعات ضمن البرنامج، الذي سينتج عشرة غيغاواط من الكهرباء.
وبالإضافة إلى البرنامج، ما زالت الرياض في المراحل المبكرة لدراسات الجدوى والتصميمات الخاصة بأول مفاعلين نوويين للأغراض التجارية بإنتاج إجمالي يصل إلى 2.8 غيغاواط، وقال الفالح إنه ستكون هناك استثمارات كبيرة في الطاقة النووية.
وقال الفالح، إن السعودية تعمل على سبل لربط مشروعاتها في مجال الطاقة المتجددة باليمن والأردن ومصر، مشيرا إلى أن بلاده ستربط نفسها بأفريقيا، من أجل تبادل موارد الطاقة غير الأحفورية، من دون أن يسهب في التفاصيل.
وأضاف أن قطاع الطاقة يعيش في مرحلة انتقالية بالتوازي مع عصر الثورة الصناعية، مشيرًا إلى أن العمل كالمعتاد لم يعد خيارًا، والنجاح في القطاع هو أمر حاسم لدول مجلس التعاون الخليجي والعالم، موضحًا الحاجة إلى حلول جديدة لاستكمال وإدارة مصادر الطاقة في المستقبل.
وأضاف، في تصريحات صحافية، أن مصادر الطاقة المتجددة هي جزء لا يتجزأ من مزيج الطاقة في المستقبل، وأن هناك حاجة إلى مزيد من النمو فيها، والأعمال والتقدم في ذلك... وحتى ذلك الحين، فإن الاعتماد على النفط والغاز سوف يستمر، لكن مع التقدم في تحسين كفاءة الأداء البيئي لها، موضحًا أنه لطالما كانت هناك آثار في توجهات الطاقة على السياسة، والأمن والاقتصاد والمجتمعات.
ويتضمن البرنامج الوطني للطاقة في السعودية هدفا لإنتاج 9.5 غيغاواط بحلول عام 2023، كما أنه يتضمن منهجية عمل وخريطة الطريق، لتنويع وتحويل السعودية إلى قوة في الطاقة الشمسية، التي تتضمنها «رؤية 2030». في الوقت الذي يتطلب فيه ذلك العمل الوثيق بين القطاعين العام والخاص من خلال الشراكات والتحالفات وتقديم الحلول في المملكة.
وزاد الفالح: «أصبح من الواضح وبشكل متزايد أن الاقتصاد العالمي مقبل على عصر جديد، من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والدور المتزايد للمعرفة التي تعطي خصائص شاملة، وهو ما ينطبق على قطاع الطاقة التي تمر بمرحلة انتقالية، والتي يجب التركيز عليها».
وتابع: «تهدف السعودية لتكون في طليعة المتقدمين في تنويع مصادر الطاقة، خصوصا مصادر الطاقة المتجددة، من خلال تخزين الكهرباء، والنقل ووجود التقنيات، وسنعمل على تجاوز التحديات التي تواجه انتشار تلك المصادر».
وتشمل الخطط الأولية في المملكة إنتاج 3.5 غيغاواط من الطاقة المتجددة بحلول عام 2020، و9.5 غيغاواط بحلول عام 2023. وقال وزير الطاقة السعودي: «نسعى لمستقبل مستدام للطاقة، وهو ما سيحتاج إلى وقت»، مشيرًا إلى أن المملكة تعمل على رفع كفاءة استخدام الطاقة وإدارة الموارد، والإصلاح والتنويع لإضافة القيمة وتحقيق التنمية المستدامة في المملكة، وهذا يعني أيضا إيجاد فرص العمل والتنويع والابتكار.
إلى ذلك شهد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أمس، افتتاح الدورة العاشرة من القمة العالمية لطاقة المستقبل - إحدى الفعاليات الرئيسية ضمن «أسبوع أبوظبي للاستدامة 2017» - وذلك بحضور عدد من قادة دول العالم ورؤساء الوفود المشاركة.
وأكد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أن الإمارات بقيادة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس البلاد ماضية في ترسيخ مكانتها في قطاع الطاقة لتعزيز النمو الاقتصادي والاجتماعي، وقال: «الإمارات كونها واحدة من الدول الرائدة في أسواق الطاقة العالمية، وشريكا فاعلا في الجهود الرامية لضمان أمن الطاقة، تحرص على تنويع الطاقة وتخصيص حصة متنامية للطاقة النظيفة، بما يضمن مستقبلا آمنا لأجيال الغد ويعزز النمو الاقتصادي».
من جانبه، قال نور سلطان نزارباييف، رئيس كازاخستان: «أن القرن الحادي والعشرين يجب أن يشهد سياسات ناجعة واتخاذ قرارات سياسية واضحة في مجال الطاقة مما سيحدد ليس فقط مستقبل قطاع الطاقة بل مستقبل الكوكب لآلاف السنين المقبلة»، مشيرا إلى أن «المجتمع الدولي يدرك تماما حجم هذا التحدي، ونرى ذلك واضحا من خلال الجهود التي تتخذها الدول لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030».
وقال نور سلطان نزارباييف: «إن مصادر الطاقة المتجددة باتت اليوم مجدية اقتصاديا مقارنة مع المصادر التقليدية، وعلينا تحقيق الاستفادة القصوى من ذلك، فقد كانت تقنيات الطاقة المتجددة في الماضي حكرا على الدول الغنية... أما اليوم فقد باتت متاحة للجميع في حال توفر المعرفة والخبرات التقنية اللازمة، وآن الأوان للدول النامية لأن تحصل على هذه المعارف والخبرات للمضي قدما في نشر وتبني مصادر الطاقة النظيفة».
من جهته، قال الدكتور سلطان الجابر، وزير دولة في الإمارات: «لقد قادت منطقتنا على مدى 75 عاما قطاع الطاقة الهيدروكربونية، واليوم نحن نوسع حضورنا ليشمل مختلف مصادر الطاقة، وفي حين أن النفط والغاز سيستمران في تصدر الاقتصاد العالمي للعقود قادمة، إلا أننا ندرك تماما مزايا تأمين مزيج متوازن من مصادر الطاقة، فنحن في الإمارات نولي أهمية كبيرة للموارد الهيدروكربونية، وفي الوقت ذاته نعمل على استثمار الفرص للاستفادة من مصادر الطاقة الجديدة والتقليدية معا، لترسيخ أسس الاقتصاد القائم على المعرفة والإبداع لتعزيز النمو والارتقاء بالإنتاجية، حيث يكمن هذا المبدأ في صميم استراتيجية دولة الإمارات للطاقة 2050».
وأشار إلى أن اقتصادات الطاقة المتجددة قد وصلت اليوم إلى نقطة تحول مهمة، فعلى مدى السنوات الخمس الماضية انخفضت تكلفة طاقة الرياح بمقدار الثلث، في حين أن تكلفة الطاقة الشمسية قد انخفضت إلى أكثر من النصف وتشهد تناقصا مستمرا بمعدلات غير مسبوقة، كما أنه ولأول مرة قدمت مشاريع الطاقة الشمسية غير المدعومة أسعارا تنافسية مقارنة بأي مصدر آخر للطاقة، وبناء على أسس اقتصادات السوق ازدادت الجدوى الاقتصادية لمشاريع الطاقة المتجددة بما يؤمن قيمة أكبر.
وفي شأن آخر، كرم الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإلى جانبه عدد من قادة دول العالم، الفائزين التسعة بـ«جائزة زايد لطاقة المستقبل 2017»، وذلك خلال حفل توزيع الجوائز الذي أقيم أمس في أبوظبي ضمن «أسبوع أبوظبي للاستدامة».
ويشكل الرواد التسعة في مجال الطاقة المتجددة والاستدامة ضمن الفئات الخمس أحدث مجموعة من المكرمين الذين ينضمون إلى مجتمع الجائزة الدولي المتنامي من الفائزين، ويتمتع الفائزون بالجائزة لعام 2017 بخبرات واسعة في القطاع، تشمل تصنيع التقنيات الكهروضوئية وتقديم المشورة بشأن السياسات الحكومية.
وفاز الصيني لي جونفينغ، مدير عام المركز الوطني لبحوث استراتيجيات تغير المناخ - الهيئة الوطنية للإصلاح والتنمية في الصين، بالجائزة عن فئة أفضل إنجاز شخصي، وذلك للدور المحوري الذي أداه خلال مسيرته المهنية الممتدة على مدى أكثر من 30 عاما، وجهوده في تطوير وتنفيذ سياسات الطاقة المتجددة في الصين، مما ساهم في رفع قيمة استثمارات الطاقة النظيفة في البلاد إلى مستويات قياسية.
وفازت «جنرال إلكتريك» بالجائزة عن فئة الشركات الكبيرة، وذلك لريادتها في سوق طاقة الرياح والطاقة الشمسية، حيث أدت أعمال «جنرال إلكتريك» في قطاع طاقة الرياح وحده إلى وصول إجمالي استطاعة إنتاج طاقة الرياح إلى 41.3 غيغاواط، وتركيب أكثر من 30 ألف توربين لطاقة الرياح حتى اليوم.
ونالت «سونن»، الشركة الألمانية المتخصصة في المنازل الذكية وتصنيع أنظمة تخزين الطاقة التجارية، الجائزة عن فئة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وذلك لريادتها في تقديم حلول تكنولوجية رائدة لبطاريات التخزين. أما في فئة المنظمات غير الحكومية وغير الربحية، فقد فازت شركة «براكتيكال أكشن»، التي تتخذ من المملكة المتحدة مقرا لها، بالجائزة تكريما لجهودها في تقديم حلول الطاقة النظيفة للمجتمعات المحرومة من الطاقة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. كما فازت خمس مدارس من خمس مناطق حول العالم، بالجائزة في فئة الجائزة العالمية للمدارس الثانوية.
وتلقت «جائزة زايد لطاقة المستقبل» منذ تأسيسها أكثر من 10 آلاف طلب مشاركة وترشيح من أكثر من مائة دولة، وفي عام 2016 وحده، سجل رقم قياسي جديد بتلقي الجائزة ألفا و676 مشاركة من 103 دول، ما يمثل زيادة بنسبة 22 في المائة على الرقم القياسي الذي تحقق العام السابق.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.